شتان ما بين إرادة وإرادة! {والله يريد أن يتوب عليكم}

الكاتب: المدير -
شتان ما بين إرادة وإرادة! {والله يريد أن يتوب عليكم}
"شتَّان ما بين إرادةٍ وإرادة! [1]
? وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ? [النساء: 27]

 

يا له من تكريمٍ للإنسان، لا يُدرك مَداه إلا مَن يستشعرُ حقيقةَ الألوهيَّة وحقيقةَ العبوديَّة! فمَن تأمَّل قوله سبحانه: ? وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ? [النساء: 27] يُدرك مَدى التلطُّف الكريم من الربِّ المعبود العظيم جلَّ في عُلاه بمخلوقه العاجز الضعيف.

 

فماذا يريدُ الله بالناس، حين يبيِّن لهم منهجَه، ويَشرَع لهم سُنَّته؟

إنه يريدُ أن يتوبَ عليهم، يريد أن يهديَهُم، يريد أن يجنِّبَهم المزالق، يريد أن يُعينَهم على التسامي في المُرتقى الصَّاعد إلى القمَّة السامقة.

وماذا يريدُ الذين يتَّبعون الشَّهَوات، ويزيِّنون للناس مذاهبَ لم يأذَن بها الله، ولم يَشرَعها لعباده؟

إنهم يريدون لهم أن يميلوا مَيلًا عظيمًا عن المنهَج الراشد، والمُرتقى الصَّاعد، والطريق المستقيم[2].

 

ما أعظمَ حِلمَك يا ربِّ، وما أكرمَك، وما ألطفَك!

تدعو الإنسانَ إلى التوبة، وتحثُّه عليها، وتريدها له برحمةٍ وحَدَبٍ ولطفٍ وحنوٍّ وتخفيف. ? يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ? [ النساء: 28]، ? يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? [النساء: 26].




على حينِ يدعو أربابُ الشَّهَوات والمعاصي الإنسانَ إلى الانحراف عن منهَج الله، والوقوع في العِصيان، وإطلاق الغرائز. يريدون له أن يميلَ ميلًا عظيمًا مع ملذَّاته وفساده؛ لأنَّ ذلك يُتيح لهم المزيدَ من التفلُّت، والمزيدَ من الشَّهَوات، والمزيدَ من الملذَّات.

ومعنى ? يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ? [النساء: 27] أي: يتقبَّلَ تَوبتَكُم، إذ آمنتُم ونبَذتُم ما كان عليه أهلُ الشِّركِ والأهواء والشَّهَوات والانحراف عن منهَج الله، فلا تَنقُضُوا ذلك بارتكابِ الحَرام.




فالآية تحريضٌ على التَّوبة بطريق الكِناية؛ لأنَّ الوَعدَ بقَبولها يستَلزمُ التَّحريضَ عليها[3]؛ مصداقَ ما ورد في حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ قال: ((يَنزِلُ الله عزَّ وجلَّ في كلِّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا، فيقولُ: هل من سائلٍ فأُعطِيَه؟ هل من مُستغفرٍ فأغفِرَ له؟ حتى يَطلُعَ الفجر))[4].

 

جعلنا الله ممَّن يرتقي لمُراده فيَنصاعُ لأمره، وعصَمَنا من المَيل مع أهل الأهواء والشَّهَوات.




[1] كتبه: د. محمد حسَّان الطيَّان، أستاذ العربيَّة في الجامعة العربيَّة المفتوحة بالكويت، وعضو مراسلٌ بمَجمَع اللغة العربيَّة بدمشق.

[2] في ظلال القرآن، لسيِّد قطب 2/ 631.

[3] التحرير والتنوير، لابن عاشور 5/ 20.

[4] رواه أحمد في المسند (16745) الرسالة، 4/ 81 الميمنيَّة.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook