شعبان من الشتات إلى الألفة

الكاتب: المدير -
شعبان من الشتات إلى الألفة
"شعبان من الشتات إلى الألفة




إن الشهورَ العربية تكتسب تسميتَها من واقعية لها رمزية في حياة العرب، وهذه التسميات تُمثل عن ثقافة وسلوك كان يرسم الخارطة الزمنية في حياة العرب.

 

وشهرُ شعبان هو الشهر الثامن في ترتيب الشهور الهجرية، وترمز تسميتُه إلى الشتات الذي كان يحكم الحياةَ العربية، إما بسبب البيئة، فقد كان يتشعَّب العربُ بحثًا عن الماء في هذا الشهر بسبب طبيعة تكوينه الأرض والمناخ في شبه الجزيرة العربية، أو بسبب التركيبة القبلية التي كانت تحكم التفاعل في المنظومة المجتمعية العربية؛ حيث يرمز الاسمُ أيضًا إلى ما كان يحدث من تشعُّب العرب في الغارات.

 

إن هذه الدلالات التي ترسم ملامحَ هذا الشهر، وتُبرز مدى التشتُّت في البنية المجتمعية التي تُمثل مدخلات العقل العربي في حينه، وتؤثر في تفكيره وتفاعُله مع مَن حوله، تظهر لدينا مدى انعكاس الدلالات السلبية التي كانت تحكم البنية الفكرية العربية، وتؤثر في سلوكها نتيجةَ التأثر بالبيئة والواقع، إلا أن هذه الدلالات عالَجها الفكر الإسلامي في اطار إعطاء أبعاد أخرى في المكون الفكري والديني، عن طريق معالجة هذه الدلالات بشكل إيجابي، ويُمكننا ملاحظة ذلك عن طريق قراءة العديد من الفضائل التي ركَّزت على الجوانب الإيجابية في مقابل المفاهيم السابقة؛ لتكون بنية ومدخلًا جديدًا، فعلى مستوى الجانب العبادي كالصيام ذي الدلالة الروحانية المتعلقة بنقاء النفس، والاجتماعية بالتذكر بحاجة الآخرين، بسبب الامتناع عن الطعام والشراب، وما يخلق ذلك من حالة من التدبر في الحاجة إلى تلمُّس حاجات الناس ورفْع معاناتهم لا الإغارة عليهم؛ مما يخلق حالة من الترابط المجتمعي، ويُمثل الحديث النبوي الشريف توصيف للمدخلات الجديدة التي أسهَمت في تغيير النمط السلبي السابق، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، لم أرَك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم؛ رواه أبو داود والنسائي.

 

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: يغفل فيه الناس دلالةً على الشتات الذهني والذي كان علاجه بلفت الناس إلى فضيلة هذا الشهر، ليجمع شتات القوم في الإطار المفاهيم المادية إلى معنى سامٍ يقوم على التصور الإيماني، وكان تعبير (تُرفع فيه الأعمال) يعطي لدى السامع أنه خلاصة العام في الجانب العبادي؛ حيث ترفَع فيه الأعمالُ كما تُعرض في يوم الاثنين والخميس، وهذا ما يجعل مزيةَ زيادة الانشغال بهذا الشهر الذي يعتبر بوابة الولوج لشهر رمضان المبارك والمصفاة الأولى قبل الدخول إلى خير الشهور.

 

إلا أننا نجد أن المعالجات لم تقِف عند هذه المفاهيم، بل رسَّخت للعنصر الجمعي وزيادة الألفة، ورص القلوب، وتشبيك البناء، وإرساء أبرز معاني الأخوة القائمة على النقاء، ونلمح ذلك في الحديث النبوي الشريف وهو يتحدث عن فضل ليلة النصف من شعبان؛ حيث روى أبو داود وابن ماجه وغيره عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليطَّلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن.

 

وكان هذا الحديث بلسمًا لمعنى الشتات ومعنى الغفلة؛ حيث تصحو القلوب وتجتمع وتتسامى الأرواح، وتسمو عن نوازع الضغينة والحسد والشحناء والبغضاء، وجميع عوامل الفرقة القائمة على العنصرية للون أو العرق أو الأرض، أو ما يُمكن تسميته بالطبقية الاجتماعية لتعود صافيةً نقية بيضاءَ، وهذه الدلالة مضادة لما كان يعرف في السابق عن التشعب في الغزو الذي يعبر عن الفرقة والضغينة، وغير ذلك من الأخلاق.

 

إن هذا الشهر يُمثل فرصة للتزوُّد ولَمِّ الصف، واصطفاف القلوب في صورة تعبِّر عن الجسد الواحد ونقطة ترميم لجميع المشاكل الاجتماعي بصورة فريدة تعطي صورة هذه الأمة وقد صفَّت جميع مشاكلها، وانتقلت إلى الإنتاج والبناء وتوثيق الصلات في جميع المجالات.

 

إنها فرصة لنا جميعًا لزراعة بذور الأُلفة وتوثيق الصلات، وزيادة عوامل التماسك في هذه الأمة.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook