صفحات مشرقة من تاريخ الدعوة: الزاد الإيماني (الدعاة الأيوبيون أنموذجا)

الكاتب: المدير -
صفحات مشرقة من تاريخ الدعوة: الزاد الإيماني (الدعاة الأيوبيون أنموذجا)
"صفحات مشرقة من تاريخ الدعوة
الزاد الإيماني
(الدعاة الأيوبيون أنموذجًا)

 

إن أبرز ما ينبغي للداعية البدء به في مقام الدعوة هو العناية بنفسه؛ من حيث تجديد الإيمان في قلبه وشحْنه بما يرتقي به، لذا فهو بحاجة ماسَّة إلى الإكثار من العبادات والنوافل التي تصقل قلبه، وتُجلي شخصيته، وتشحنه بالزاد الذي يعينه على المصاعب والشدائد التي قد تواجهه في طريق الدعوة.

 

ولقد دعا الله تعالى عباده المؤمنين لذلك، فقال جلَّ وعزَّ: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ? [الأحزاب: 41، 42]، وحَرِص رسول الله صلى الله عليه وسلم على النوافل والسنن والإكثار منها، فقد رُوي عن عَائِشَةَ قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ، فقالت عَائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، فقال: يا عَائِشَةُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)[1].

 

وهذا ابن تيمية رحمه الله أحد كبار الدعاة على مرِّ التاريخ، مع كثرة مشاغله وجهاده وتعليمه يحافظ على الذكر بعد الصلاة، كما كان يُداوم على الجلوس بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد ارتفاع الشمس يصلي ركعتين ويقول: (هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي)[2] ، وكان يقول: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة)[3].

 

ومن الدعاة المتميِّزين بزادهم الإيماني الثري على مرِّ التاريخ دعاة الدولة الأيوبية - ملوكًا وعلماءَ - فقد أدركوا هذا الأمر الجلل ووعوه جيدًا، فذخرت كتب التاريخ بروائع من حرصهم على التقرب إلى الله بشتى أنواع النوافل والعبادات التي تسمو بروحهم، وترتقي بقلوبهم في سُلَّم الكمالات.

 

وكان في مقدمة الملوك العابدين: صلاح الدين الأيوبي، فقد كان رحمه الله خاشع القلب رقيقه، غزير الدمعة، إذا سمع القرآن خشع قلبه، ودمعت عيناه في معظم أوقاته، وكان يحب سماع القرآن الكريم، ويستجيد إمامه، ويشترط أن يكون عالِمًا بعلم القرآن العظيم متقنًا لحفظه، وكان يستقرئ مَن يحرسه في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع، وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام مَن جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك، وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث، وكان يأمر بالجلوس عند سماع الحديث إجلالًا له[4]، وقد اقتدى صلاح الدين رحمه الله في ذلك بوالده نجم الدين، فقد روي أنه رحمه الله كان كثير الصلاة والصيام والصدقة، كريم النفس جوادًا[5].

 

وقد اقتدت بصلاح الدين زوجته، فكانت من الصالحات، تكثُر من قيام الليل، وقد نامت ليلةً عن وِرْدِها، فأصبحت وهي غضبى، فأمرت بضرب طبلخانات في القلعة وقت السَّحَر لإيقاظ النائم لقيام الليل[6].

 

ومن الملوك الذين اشتهروا بالاجتهاد في العبادة الملك العادل، فقد ذُكر أنه كان كثير الصلاة ويصوم الخميس، وله صدقات في كثير من الأوقات[7].

 

ومنهم أيضًا الملك الكامل محمد بن غازي، فقد رُوي أنه كان كثير التعبُّد والخشوع، ولم يكن في بيته مَن يضاهيه في الدين[8].

 

أما المكثرون من العبادة من العلماء فمن أشهرهم:

? القاضي الفاضل فقد كان رحمه الله كثير الصدقات والصوم والصلاة، وكان يختم القرآن ختمات عديدة، وكان مواظبًا على أوراده، ودائم التهجُّد، وكان له العفاف والدين والتقى، ويُكثر تشييع الجنائز، وعيادة المرضى، وزيارة القبور، وله معروف في السرِّ والعلانية، ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم والإعراض عنهم، وكان له معاملة حسنة مع الله تعالى وتهجُّد بالليل[9].

 

? ومن العُبَّاد أيضًا فخر الدين ابن عساكر، فقد كان كثير النوافل والأذكار، يحاسب نفسه على كلِّ لحظة تذهب في غير طاعة[10]، ولسانه لا يخلو من ذكر الله، وكان الناظر لا يملُّ من النظر إليه لحسن سمته ونور وجهه[11].

 

? ومن العلماء المجتهدين في التعبُّد محمد بن قدامة، فقد قال عنه الذهبي في سيره: (كان كثير العبادة، دائم التهجد، لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته، لم نر مثله، ولم يُر مثل نفسه، وكان لا يسمع حديثًا إلا عمل به، ولا صلاة إلا صلاها، وكان يصلي بخشوع، ولا يكاد يصلِّي سنة الفجر والعشاءين إلا في بيته) [12].

 

? وعماد الدين المقدسي الجماعيلي من العلماء الذين تفرغوا للعبادة والعلم، فقد روي أنه كان يجلس في جامع البلد من الفجر إلى العشاء، لا يخرج إلا لحاجة، يُقرئ القرآن والعلم، فإذا فرغوا اشتغل بالصلاة[13]، وكان رحمه الله كثير الدعاء والسؤال لله تعالى، يُطيل السجود والركوع، لم يُر أحد أحسن صلاة منه ولا أتمَّ، في خشوع وخضوع، قيل: كان يسبِّح عشرًا يتأنَّى فيها، وربَّما قضى في اليوم والليلة صلوات عدَّة، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازًا كثيرًا، ما عُرف أنه عصى الله معصية [14].

 

? وابن الحرستاني من العبَّاد أيضًا، فقد اتفق أهل دمشق على أنه ما فاتته صلاة بجامع دمشق في جماعة إلا إذا كان مريضًا [15].

 

? ومنهم عز الدين محمد بن الحافظ عبدالغني، فقد روي أنه كان غزير الدمعة عند قراءة القرآن[16].

 

? والعماد إبراهيم بن عبدالواحد أيضًا، فقد كان كثير الدعاء بالليل والنهار، وإذا دعا شهد القلب بإجابته من كثرة ابتهاله وإخلاصه[17].

 

إن هذه الصور المشرقة لاهتمام الدعاة الأيوبيين بالعبادة والإكثار منها، تحفِّز الداعية، وتشحذ هِمَّتَه إلى الاقتداء بهم وبهديهم في التعبُّد لله تعالى؛ طمعًا في مرضاته سبحانه، وابتغاءً لجنته تعالى، وطلبًا لتوفيقه في مهمته الدعوية التي اجتباه الله لها، وكلَّفه جل وعز بها.




[1] رواه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، بَاب إِكْثَارِ الْأَعْمَالِ وَالِاجْتِهَادِ في الْعِبَادَةِ، 17 /136، برقم 7073.

[2] الوابل الصيِّب من الكلِم الطيب، 63.

[3] المصدر السابق، 63.

[4] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، 9.

[5] البداية والنهاية، 16 / 468.

[6] الدارس في تاريخ المدارس، 1 / 510.

[7] تاريخ الإسلام، 272، وفيات (610 – 620هـ).

[8] ذيل مرآة الزمان، 1 / 430.

[9] الدارس في تاريخ المدارس، 1 / 92.

[10] سير أعلام النبلاء، 20 / 567.

[11] الدارس في تاريخ المدارس، 1 / 84.

[12] سير أعلام النبلاء، 22 / 5، 165.

[13] المصدر السابق، 22 / 49-51.

[14]سير أعلام النبلاء، 22 / 49 – 51.

[15] الدارس في تاريخ المدارس، 1 / 391.

[16] تاريخ الإسلام، 165، (وفيات 611- 620هـ).

[17] المصدر السابق، 186، وفيات سنة (611-620هـ).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook