طالب علم في وطن غريب

الكاتب: المدير -
طالب علم في وطن غريب
"طالب علم في وطن غريب




في المهجر.

انطلق محمدٌ حاملًا معه شهادته، متوجهًا نحو الجامعة، وكله أملٌ أن يُحقِّق أحلامه التي يصبو إليها، دخل وسجَّل اسمه بالشُّعبة التي أحبَّها منذ صغره، انتظر أيامًا تلو أخرى كي تنطلق الدراسة، كان محمدٌ كلما التقى طالبًا من قدماء الجامعة أخبره أن الدراسة تتأخَّر، عليك أن تنسى ما كنت عليه في الثانوية.

 

حاول محمدٌ أن يُحلِّل تلك العبارات ويفهَمها، لكنه لم يستطع، قال في نفسه: الناس تتقدَّم ولا تتأخر، والآن حان وقت التخصُّص، فهذا يعني أني سأُصبح متميزًا في شعبتي وتخصُّصي، فكيف يحصل ذلك يا ترى إبَّان هذا التأخر؟!

 

مضى ما يقارب شهرًا كاملًا على تسجيل محمد في الكلية، عُلِّقت لوائح المسجلين بالشُّعبة، وبعدها جدولة تواريخ الدروس، فرِح بذلك وانطلق يُبشِّر أصدقاءه بانطلاق الموسم الجديد في كلية ومدينة جديدة.

 

رحل بذاكرتِه إلى بلاده، تذكَّر والده المُقعَد، وأمه المسكينة، تذكر إخوته الصغار في تلك الفيافي البعيدة، تذكَّر قولهم: لا تغترب كثيرًا، نحن بانتظارك!

 

خاف أن يطول عليه الزمنُ ويعود خاويَ الوِفاض، لكنه لم يستسلم، اعتاد وضع الجامعة، استبشر وأنار وخرَّ راكعًا وأناب، لقد مضَتْ سنوات عِجاف، عسى أن تتبعها أخرى سِمانٌ، حصل على الإجازة بعد مسيرةٍ شاقَّة، وحال لسانه يقول قول القائل:

... ولمْ تقطِّع رجلهُ النِّعالا

يطلب علمًا أو يُصِيبُ مالا

فأعطِهِ المرودَ والمكحالا...




عاد محمد إلى البيت، قبَّل أمه وأباه، ونظر إلى إخوته المكلومين، ثم جلس هُنَيهة بجانبهم، وتاه بذهنه يُفكِّر: ماذا بعد هذه الشهادة؟ هل تحقق مرادي كي أصير قادرًا على إعانة أسرتي، أم إنهم سيَقتاتُون بتقاعد الوالد سنين عجافًا أخرى؟

 

احتسى كأس شاي ودخل بيته ونام، استيقظ مبكرًا مفزوعًا، هناك خبر عن وظائف جديدة خرجت للوجود، لبِس مِعطَفَه وأخذ محفظته، وودَّع أهله مرة أخرى، وانطلق!

 

وصل ليلًا إلى المدينة المقيم بها استثناءً، أنجز وجبةَ عشاء خفيفة تناولها مع زميل له في الدراسة ونام، والهواجسُ تلاحقه من كل مكان.

 

قام مبكرًا وأدى صلاة الفجر في وقتها، جلس يراجع محفوظه، وينظِّم أوراقه، ويرى أمام عينه اليمنى والدَيْه وإخوته، وفي الأخرى الحواجز والعقبات التي عليه تجاوزُها.

 

تاه مرةً أخرى بذهنه يتذكر أستاذه يقول له: مَن أراد العلا سهر الليالي، وآخر يوصيه بقوله: (ولكنْ تؤخذ الدنيا غِلابا)، تذكر زملاءه في الصبا؛ منهم ذو الابن، ومنهم ذو البنت والولد، وهو ما زال ينتظر الوظيفة، ما زال ينتظر مباراةً تلو أخرى، تذكَّر جده الذي كان يقول له محرجًا: يا بُني، إلى أين ستصل بدراستك؟ هل ستحرر الأقصى، أم ستشتغل في النازي؟! كلمات سمعها جده من شاشة الأخبار التي كان مدمنًا عليها.

 

بزغ يومٌ جديد، وأشرقت شمسه، توجَّه الفتى الطموحُ إلى مركز التسجيل، وضع مِلفَّه وعاد ينتظر وكلُّه طموح أن يكون من الذين تُنتقى ملفاتهم، وفي طريقه بدأَتْ تراوده أفكار كثيرة:

لماذا هناك سياسة التهميش والتفقير؟

لماذا لا يتم اختيار الكل؟

لماذا هذا اللاعدل في مجتمع إسلامي؟

لماذا نشتغل في وطننا بثمن بَخْسٍ دراهم معدودات؟

 

أسئلةٌ عديدة راودته وحال قلبه يقول: اصبِرْ حتى يحكم الله بالحق؛ وخواطره تقول: العمل في بلادك خيرٌ من هجرة إلى بلاد أخرى بعيدًا عن الأهل والأقرباء!


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook