طريق الإسلام!

الكاتب: المدير -
طريق الإسلام!
"طريق الإسلام!




مع لحظاتِ استيقاظي من نومي لصلاة الفجر هذا اليومَ وجدتُني أُتَمتمُ بكلمات عجيبة، وعجيبٌ حضورها في مثل هذا الحال، عيونٌ مغلقة إلا مِن بصيصٍ من النور يَلِج إليها، وخاطرٌ ما زال في مخاضِ الخروج من سُبات ليل طويل، وذهنٌ نام - على غير العادة - منفصلًا عن اهتماماته الفكرية والعلمية، وكلماتٌ من نور تُعانِق اللحظات الأولى من يومي، ما أرحَمَ اللهَ! وما أغفَلَ الإنسانَ لا يَدري أي رسلِ الله أُرسِلت إليه!

(مَن لم يعرِفِ الطريقَ، فلا يمكن أن يدلَّ غيرَه عليه، لا بد مِن معرفة الطريقِ ومعرفةِ تفاصيله؛ ليَثِقَ الناسُ بدلالتك وإرشادك).

 

السطورُ التي بين القوسين هي النورُ الذي عانق قلبي في هذا الصباح، كنتُ حينها ما زلت منطرحًا على ظهري، وتَمْتمتُ بالكلمات مراتٍ لأستوعَبها كدرسٍ لا يمكن أن يَعْبُرَ دون تفتيش وتنقيب، ثم حمِدتُ الله الذي أحياني بعدما أماتَني وإليه النشور، وتوجَّهت إلى مِحرابي كي أُصلِّي بالناس!

 

انفلت العبدُ من صلاته وتلك الكلماتُ لم تُفارِق مخيِّلَتَه، بقِيَت كالمسمار معلَّقةً على جدار قلبه، لا سيما وهو دائمُ المراقبة لجهلِه المتفشِّي في نفسه وأخلاقه، ودائمُ المدافعةِ له بطلب العلم والجلوس إلى أهله وذَوِيه، وهذا ليس من باب التزكية، ولكنه من باب دفع دوافع الاحتمال!

 

كعادةِ فجرِ كلِّ أحدٍ أجلس إلى والدي فضيلة الشيخ/ سليمان بن عبدالله الماجد حفظه الله، الرجل الذي أحملُ على عاتقي منَّةَ تعليمِه إياي دروسًا في الأدب والأخلاق وتزكية النفس من فعاله المنسجمة مع أقواله تمام الانسجام وكماله، وقدَرًا جاءت الكلمات السابقةُ متقاربة المعاني مع درسنا مع الشيخ (فصل في قصر المسافر الصلاة)، فقلت في نفسي: أحكام الطريق.. أحكام الطريق يا أبا هارون!

 

وشرَع قارئنا في قراءةِ الفصلِ، وما يتعلق به من أحكامِ هذا المسافر في طريق سفره القصير، وشرعتُ في التفكير في أحكام المسافر في طريق سفره الطويل، السفرِ الذي بدأه الإنسان منذ خروجه للدنيا، وينتهي بخروجه منها، وما يتعلق به من أحكام ولوازم للسفر!

لقد أيقنتُ أن الله قد أرشدني - كرمًا منه وفضلًا - إلى الطريق، واجتباني إليه، لكنني إلى ساعةِ كتابة هذه السطور لم أخطُ الخطوةَ الصحيحة في هذا الطريق، لم أتجهَّز بجَهازِ السفر الآمنِ لهذا الطريق، لم أتعرَّف على تفاصيل الطريق على الوجه الذي يجعلني حَذِرًا محتاطًا من التعثُّر والتردي والسقوط على جنباته!

 

تعرَّفتُ على بعض ملامحه، سألتُ عن بعضِ تفاصيله، عرَفتُ مآلاتِه الأخيرةَ، لكن كل ذلك لا يُعِين على الوصول إلى النهايةِ بسلامة وعافية الدين والدنيا، ولا يُعِين السالكَ على أداء أمانة التبليغ والدعوة إليه؛ لأن الناسَ لا تثقُ إلا بمَن عرَف الطريقَ معرفةً تامَّة راشدة متيقَّنة، ولا تعطي زمامَ مَراكبِها لمن لا يجيدُ قيادتها، فذلك ضربٌ من المجازفةِ والتهوُّر إذا كان في أمرٍ من أمور الدنيا، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدين المرء ومصيره الآخر، يوم يقوم الناس لربِّ العالمين؟!

 

انتهى الشيخ الوالدُ من درسه، وانتهيتُ من درسي على تقطُّع متكرر، خرجتُ منشرحَ الصدر، باسمَ الثغرِ، بما جال به فكري، وسألتُ الله حسنَ الهداية والتوفيق، وبدأتُ بعد ذلك في مُدارَسة الكلمات مع صديقي وأخي الحبيب الذي كان برفقتي، أو الأصح كنتُ برفقته، وحدَّثته بتلك الكلمات بطريقة التخيُّل لها ولمضامينها: (مَن لم يعرِفِ الطريقَ، فلا يمكن أن يدلَّ غيرَه عليه، لا بد مِن معرفة الطريقِ ومعرفةِ تفاصيله؛ ليَثِقَ الناسُ بدلالتك وإرشادك).

 

قلتُ له: (إننا وقفنا على الطريق، لكننا إلى الآن لم نؤدِّ حقَّه؛ ولذا لم يُصِبْنا شيء من البلاء والامتحان والاختبار، ولن يُمكَّن الرجل حتى يبتلى؛ كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله، ولو قرأنا في تراجم أهل العلم وسِيَرهم لعلِمْنا أن الذين ابتلاهم الله في خاصة أنفسِهم قليلٌ، كمَن أُصيب بمرض وعاهة وفقر ونحوه، لكن البلاء الذي يتعلق بخاصة الطريق، والعوائق التي تلاقي الداعيةَ والعالم والشيخ في طريق دعوته للإسلام، بلاؤها من نوع آخر، لا يُلقَّاه إلا الذين صبروا، وما يلقاه إلا ذو حظٍّ عظيم).

 

إن الإسلام - يا رفقاء دربي - هو طريقُنا ودربنا ومسلكنا، وإن السالكين لهذا الطريق لا ينبغي لمثلِهم أن يكونوا أهل غفلةٍ عنه، ولا أهلَ جهل بتفاصيل أحكامه وثوابته وعقائده، بل على العكس من ذلك، فهم الذين تليقُ بهم الفطنة واليقظة والمعرفة التامة به وبتفاصيله العميقة والجليلة، وهذا يُورثهم ثقةَ الناس بهم، ويقطع دابرَ المشكِّكين من أعدائهم، ويمنحهم دَور القيادة والريادة عن حقٍّ وأهلية مسؤولة!

 

ليس عيبًا - ولم يعُدْ أمرًا مستورًا - القول بأن أمة الإسلام اليومَ تجني ثمرةَ جهلها بحقائق هذا الطريق، وبأنها تتلقى الصفعةَ تلو الصفعة لتوقُّفِها عن الحركة المثمِرة في تسوية هذا الطريق وتعبيده للسالكين بالطرق الشرعية الأصيلة والمعاصرة منها، هناك خيرٌ وبقيةٌ باقية، لكنها لا تكفي لإنقاذ الهلكى، ولا لإخراج بقية الناس من الظلمات إلى النور!

 

الغثائية تكاد تعصف بنا، والتصدر المبكِّر للساحات العلمية قبل التأهُّل المحقَّق يكادُ يُغِير على قِيَمنا ومفاهيمنا، والغياب المتكرِّر من أهل المعرفة والاختصاص يفتحُ لكل حَدَثٍ أن يقول ما يشاء، والطريق - كما تعلمون - يقفُ عليه وعلى جنباته سرَّاقُ العقائد والهُوِيَّات، وقَتَلة الفكر والمعرفة، والمتهوِّرون من المجاهيل، والجهلةُ من المتعبدين، ورجال الأمن - من علماء ودعاة ومصلحين - يتدافَعون فيما بينهم المهامَّ والأمانات الملقاة عليهم، ويتراشقون بالحقائق ليُمرِّروا زور النفس والهوى، والحيارى يقفون موقفَ القادم لمحطات السفر، كلُّ صاحب سيارة يُناديه ليأخذه معه، لا يدري أي أولئك خيرٌ له في عاقبة أمره، فهل بعد هذا من معتبر؟!

 

تيقَّنوا - يا رفاقي - أن الطريق باقٍ لا خوف عليه، وأن الخاسر الوحيد فيه هو مَن مضى عليه ولم يتعرَّف عليه، ولا على تفاصيله، ولا على لوازم السفر عليه، ولكنَّ الله مِن كل هذا الزَّخم الغثائي يَختَصُّ برحمته من يشاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

 

وغفر الله لمن قال:

سأمضي وإِنْ كلَّفَتْني الطريقْ
وقلَّ الوفيُّ وخان الصديقْ
سأمضي إلى اللهِ يا صاحبي
لأنِّي أخافُ عذابَ الحريقْ

 

اللهم كما ألهمتنا الوقوفَ على الطريق، اللهم فأعِنَّا على المشي فيه على خطى نبيك صلى الله عليه وسلم، وبصِّرنا بتفاصيله وأحكامه، واجعلنا قدوة للعاملين، ومنارًا للسالكين.




اللهم آمين


"
شارك المقالة:
6 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook