عالمية الإسلام

الكاتب: المدير -
عالمية الإسلام
"عالمية الإسلام




? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [الحجرات: 13].

 

نزَل الإسلام كدين عالمي أذاب الفوارق؛ فلا فضلَ لعربيٍّ على أعجمي، ولا لأبيضَ على أسود، ولا على أحمرَ إلا بالتقوى، هذه العالمية لم يَسبقه إليها أيٌّ من الأديان، أو حتى النظريات، أو الدعوات؛ قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: ((أيها الناس، إنَّ ربكم واحدٌ، وإن أباكم واحد، كلُّكم لآدمَ، وآدمُ من تراب، أكرمُكم عند الله أتقاكم، ليس لعربيٍّ فضلٌ على عجمي إلا بالتقوى، ألاَ هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلْيُبلِّغِ الشاهدُ منكم الغائب)).

 

ونزل القرآن الكريم وهو يَحوي منهاجَ حياة؛ ليسير عليه البشر، وييسِّر لهم أمور حياتهم، ويرشدهم إلى الطريق القويم، فكيف لا وهو منزَّل من عند خالقهم، العالِم بأمورهم وبما يصلح لهم؟!

 

ومما ميز الله عز وجل به هذا الكتاب السماويَّ أن جعَله صالحًا لكل زمان ومكان؛ لأنَّ الوحي سينقطع بعده، ولا أظنُّ أن البشر قادرون على مواصلة حياتهم - بالشكل الأمثل - دون الرجوع إليه؛ فهو الحل لكل مشاكلنا الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والروحية... إلخ.

 

يُبدي القرآنُ الكريم الغايةَ من خلق الناس أممًا وقبائلَ مختلفة؛ ليتم التعارف وتبادُلُ الثقافات، والتعاملُ القائم على أساس الاحترام المتبادَل، والإيمان بحقِّ الآخَر في الوجود، وإثبات ذاته، واستفادة الجميع من الجميع؛ فكلٌّ وُهِب جزءًا مكمِّلاً للأجزاء الأخرى، ولم يضَع أي فرق بين الأفراد والجماعات إلا بالتَّقوى؛ فالكلُّ متساوٍ، والكل مدعوٌّ إلى عمارة الأرض.

 

فالتَّقوى عند الله هي أساس المفاضلة، وليس اللونَ ولا الجنسَ ولا العِرق ولا الطَّبقة الاجتماعيَّة.

 

فالإسلام دين عالَمي، ونَبيُّه أُرسِل للناس كافة؛ قال تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ? [سبأ: 28].

 

انطلاقًا من هذا المبدأ وهذا التكليف بعالميَّة الإسلام؛ انطلق المسلمون الأوائلُ حاملين مَشاعل الهدى؛ ليُضيئوا الدنيا بسَناها، وأيضًا مِن همِّهم استنقاذُ إخوانهم في البشرية مِن الظُّلمات، ومنحُهم النُّورَ المبين سبيلاً؛ فذلك الهمُّ استَقَوه من قدوتهم ونبيِّهم صلى الله عليه سلم، الذي كان يحملُ همَّ البشر جميعًا، ويريد لهم النجاة، الذي عاد غلامًا يهوديًّا مرَّة في مرضه الأخير، فدعاه إلى الإسلام، فأسلم ذلك الغلام، فخرج صلى الله عليه وسلم مستبشرًا قائلاً: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار))، فجابَ المسلِمون بما يَحملون أقطارَ الأرض؛ شرقَها وغربها إلى سمرقند، وبُخارى، وخوارزم، وسِجِسْتان، والهند، والصين، وغيرها شرقًا وإلى بلاد المغرب العربي وطُليطِلة، وغَرْناطة في الأندلس وقُرطبة التي كانت دُرَّتَها بل ودرَّةَ الدنيا كلِّها، وغيرها حتى المحيط الأطلسي غربًا.




كان ذلك هو هدفَهم الأسمى، وهو شعارهم ودَيدَنهم، وهناك الكثيرُ من القصص التي سُطِّرت بمِدادٍ من نور في صفحات التاريخ الدالَّة على نُبل مَسعاهم ومقاصدهم، ولم يكن الاستيلاء على البلاد أو العباد ولا القتال في حدِّ ذاته هو دافِعَهم كما يُصوِّر البعض.




وهنا وقفةٌ مع قصة منها؛ حدثَت مع أهل سمرقند، وقد فتحها قتيبةُ بنُ مسلم، وكانت قد فُتِحت بعد أن صالَح قتيبةُ أهلَها،وولَّى عليها سُليمانَ بنَ أبي السَّرِيِّ، فلما قَدم سليمانُ إلى سمَرْقند قال له أهلُها: إن قتيبةَ ظلَمَنا، وغدَر بنا، وأخذ بلادَنا، وقدأظهر الله العدلَ والإنصاف، فأذَنْ لنا لِيَقدَم وفدٌ منَّا على أمير المؤمنين، فأَذِن لهم، فوجهوا وفدًا منهم إلى عمرَ بن عبدالعزيز، وشكَوْا إليهأمرهم، فكتب عمرُ إلى سليمانَ بنِ أبي السريِّ يقول له: إنَّ أهل سمرقند شكَوْا ظلمًا وتَحامُلاًمن قُتيبة عليهم حتَّى أخرجَهم مِن أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلِسْ لهم القاضيَ؛ لِيَنظر فيأمرهم، فإن قَضى لهم فأخرِجِ العربَ مِن مُعسكَرِهم كما كانوا قبلَ أن يَظهَر عليهم قُتيبة، فأجلس لهم سليمانُ القاضيَ جُمَيعَ بنَ حاضِر، فقضى أن يَخرج العربُ من سمرقند إلىمُعسكرِهم، ويُنابذوهم على سواء، فيَكون صلحًا جديدًا، أو ظفَرًا عَنْوة، فقال أهل الصغد:نَرضى بما كان، ولا نُحدِث شيئًا، وتَواصَوا بذلك.




فمع أنها فُتِحت صُلحًا إلا أنَّ عمر بن عبدالعزيز وقاضيَه طلَبا مِن جيوش المسلمين أن تَخرج على فورها، فلما تنبَّه أهلُها إلى ما رأَوا وما سمعوا ذُهِلوا لذلك، وقالوا: والله لا نَستبدِل بكم.

 

ونتيجةً لهذا الانتشار الهائل للإسلام بين الأمم، وبجانب مَن سطَع نجمُه من العرب - سطع نجمُ الكثير من الشخصيات غير العربيَّة التي كان لها أثرٌ كبير في تاريخ الإسلام وحاضرِه ومستقبَلِه، فنذكر البخاريَّ من بخارى، صاحبَ أصحِّ كتابٍ بعد القرآن الكريم؛ وهو صحيح البخاري، والنَّسائي من نَسا في إقليم خُراسان، والمؤرِّخ والمفسِّر العظيم محمد بن جرير الطبري من طبرستان، والثُّلة الكُمَاة أصحاب التَّاريخ المبهر: عضد الدَّولة ألب أرسلان السلجوقي التركي، والأمير المجاهد أسد الدين شيركوه، وابن أخيه المظفَّر الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، وعماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود زنكي الملك العادل ليث الإسلام، وهم أكراد.

 

ولا ننسَ القائد الفذَّ الذي لا تَخفى سيرتُه ومَناقبه أسد المرابطين يوسف بن تاشفين، من قبائل صنهاجة اللثام البربريَّة، وفاتح الأندلس طارق بن زياد، والفيلسوف المؤرخ عالم الاجتماع البحَّاثة ابن خَلدون صاحب المقدِّمة الشَّهيرة، والعالم عبَّاس بن فرناس، والرَّحَّالة المؤرِّخ والفقيه ابن بَطوطة صاحب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وهُم من أهل المغرب أو البربر.




ونُنوِّه هنا أن بعض النسَّابين نُسبوا البربر إلى العرَب، لكن المهم أنَّ الأجناس والأعراق وحَّدَها الإسلامُ تحت ظلِّه، فيُنظر إليهم على أنهم مسلمون، وهذا هو صلب الموضوع، وغيرهم الكثير الشَّاهدةُ سِيَرُهم على عظَمة هذا الدين.

 

كما مزَجت الدولة الإسلامية مختلِفَ الأجناس والأعراق في مُواطنيها، فقد مزَجت أيضًا في أُمرائها وملوكها وحكَّامها بين مختلِف الأجناس والأعراق، فكان منهم العربُ وهم الأمويُّون والعباسيُّون، والمماليك الذين هم أجناسٌ مختلفة، والسَّلاجقة وهم أتراك، والأيوبيُّون الذين هم أكراد، والطولونيون والإخشيديون وهم أتراك، والمرابطون وهم من البربر، والعثمانيون وهم أيضًا أتراك.




وقد أكَّد على فكرة عالمية الإسلام العديدُ من الغربيِّين، فقد قال برنارد شو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم رسول الإسلام: لو كان محمدٌ بيننا لحلَّ مشاكل العالم وهو يتناول فنجان قهوة، لا بد أن نُطلِق عليه لقب منقذ الإنسانية، وأعتقد لو وُجد رجلٌ مثله وتولى قيادة العالم المعاصر لنَجح في حلِّ جميع مشاكله بطريقة تجلب السعادة والسلام المطلوبين.

 

وقد أُنزِل القرآن بلسمًا للزمان، فأخرج الناس من غياهب وتيه الظلمات إلى النور المبين، انتشلهم من جاهليةٍ جهلاء، إلى شريعة عَصماء؛ شفاءً لعِلَلِهم، وبُرءًا لأرواحهم وعقولهم وقلوبهم، وأُرسل نبيُّ الإسلام هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ضمَّخ أرجاءَ وفسحات الزمان والمكان بالرَّحمات؛ قال تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ? [الأنبياء: 107].


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook