عبرة لمن يعتبر

الكاتب: المدير -
عبرة لمن يعتبر
"عبرة لمن يعتبر




جاءتني اليوم امرأة تستفتي، فذكرتْ أنه قبل خمس سنوات اشترى زوجها شيئًا من أثاث البيت، فزارها أخوها فسرقه من بيتها، فعرَف زوج تلك المرأة- ببعض القرائن- أنه في بيت والد زوجته، فذهب إليهم يطلب أثاثه، فنفوا أن يكون عندهم، فطالبهم باليمين، فحلف جميع من في البيت أنه ليس عندهم ولا يعرفون عنه شيئًا، فرجع عند ذلك الزوج بعد حلفهم.

 

تقول تلك المرأة: ومن ذلك العام إلى الآن قد مات من أسرتها خمسة، في كل عام واحد، بل في شهر رجب من كل سنة، فسقط ثلاثة من إخوتها من الجبل فماتوا، ومرضت أختها بالسرطان فلم يُمهلْها حتى قضى عليها، وماتت ابنة أخيها بسبب الفشل الكُلوي، وهكذا يأتي رجب من كل عام فيموت واحد من تلك الأسرة التي حلفت اليمين الفاجرة!

 

فتذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((...واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع))؛ رواه البيهقي بسند صحيح. أي: خالية من سكَّانها، إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة[1].

 

وقال ابن الأثير: البلاقع: جمع بلقع، وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شيء بها، يريد: أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق. وقيل: هو أن يفرق الله شمله، ويغير عليه ما أولاه من نعمه[2].

 

قال ابن القيم - وهو يذكر فوائد اليمين -: ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق؛ فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه[3].

 

ومثل هذه القصة قصصٌ قد جرت عبر أيام الزمان ماضيه وحاضره في إهلاك اليمين الغموس لمن حلفها:

فمن ذلك:

1- ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لَفِينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم، استأجره رجل من قريش من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمرَّ رجلٌ به من بني هاشم، قد انقطعت عروة جُوَالقه، فقال: أغثني بعِقال أشُدُّ به عروة جُوَالقي، لا تنفِرُ الإبلُ، فأعطاه عقالًا فشدَّ به عروة جُوَالقه، فلما نزلوا عُقِلت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يُعقَل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحَذَفَه بعصًا كان فيها أجَلُه، فمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالةً مرةً من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب إذا أنت شهدت الموسم فَنادِ: يا آل قريش، فإذا أجابوك فَنادِ: يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسَلْ عن أبي طالب فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم، فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالةً، أن فلانًا قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائةً من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم، كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تُصْبِر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كُلَّ رجل بعيرانِ، هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تُصْبِرْ يميني حيث تُصْبَر الأيمانُ، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما حال الحول، ومن الثمانية وأربعين عين تطرف يعني: ما دارت السنة إلا وقد مات أولئك الحالفون الكاذبون جميعًا.

 

قال ابن هبيرة في فوائد هذا الحديث: في هذا الحديث ما يدل على تغليظ الحنث في اليمين، وأن الله تعالى لم يمهل عنها من حنث في الجاهلية، ليستدل المؤمن على أنه من حنث بعد إقراره بالحق واعترافه بالرب سبحانه وتعالى، فإنه أغلظ ذنبًا وأفحش جرمًا، وأعظم استهدافًا لأليم العقوبة[4].

 

2- وروى أبو نعيم في الحلية عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن أروى بنت أويس، استعدت مروان على سعيد بن زيد، وقالت: سرق من أرضي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: ما كنت لأسرق منها بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سرق شبرًا من الأرض طوق إلى سبع أرضين))، فقال: لا أسألك بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأذهب بصرها، واقتلها في أرضها، فذهب بصرها ووقعت في حفرة في أرضها فماتت[5].

 

3- وقال ابن حجر في الفتح: وروى الفاكهي من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: حلف ناس عند البيت قسامة على باطل، ثم خرجوا فنزلوا تحت صخرة فانهدمت عليهم[6].

 

4- وقال القلقشندي: ويروى أن جعفر بن محمد عليه السلام، ادعى عليه مدع عند قاض، فأحلفه جعفر بالله،لم يزد على ذلك، فهلك ذلك الحالف لوقته[7].

 

5- وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: ولقد حدثني أحد الأشخاص الموثوقين أنه صار له دعوى على شخص بدراهم، وليس له بها بينة وهي ثابتة، فتحاكموا إلى القاضي وحكم ببراءة المدعى عليه باليمين، وحلف أنه بريء منها، فدعا عليه المحكوم عليه، فخرج هو وعائلته من البلد التي جرى فيها التحاكم إلى بلد قريبة منها، فأصيب بحادث ومات هو وعائلته[8].

 

وصدق الطائي عند قوله:

وبلاقعًا حتى كأن قطينها
حلفوا يمينًا بالهلاك غموسا



يعني: كأن سكَّان الأطلال حلفوا يمينًا غموسًا، فعوقبوا، بكون ديارهم بلاقع[9].

 

وقد دلَّ القرآن الكريم على أن اليمين الكاذبة مهلكة لأصحابها، قال الله تعالى: ? لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ? [التوبة: 42].

 

قال أبو السعود: في قوله: ? يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ? لأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس[10].

 

وقال الرازي: ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (اليمين الغموس تدع الديار بلاقع[11].

 

وقال عند قوله تعالى: ? يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ? [يس: 1 - 3]:

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الكفار أنكروا كون محمد مرسلًا، والمطالب تثبت بالدليل لا بالقسم، فما الحكمة في الإقسام؟ نقول: فيه وجوه؛ الأول: هو أن العرب كانوا يتوقون الأيمان الفاجرة، وكانوا يقولون: إن اليمين الفاجرة توجب خراب العالم، وصحَّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك[12].

 

ألا فليتق كل مسلم اليمين الغموس؛ فإنها مهلكة للنفوس والأموال، وسائقة إلى البيوت كثيرًا من الأوجاع والأهوال، وقد قالت العرب في أمثالها: السعيد من وعظ بغيره[13].




[1] ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (34/ 116).

[2] النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 153).

[3] الطرق الحكمية (ص: 99).

[4] الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 212).

[5] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 96).

[6] فتح الباري لابن حجر (7/ 158).

[7] صبح الأعشى في صناعة الإنشا (13/ 213-214).

[8] الشرح الممتع على زاد المستقنع (8/ 327).

[9] معجز أحمد (ص: 80).

[10] إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (4/ 68).

[11] تفسير الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (16/ 57).

[12] تفسير الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (26/ 251).

[13] مجمع الأمثال (1/ 343).


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook