عبر وعبرات من ذكريات معتمر

الكاتب: المدير -
عبر وعبرات من ذكريات معتمر
"عِبَر وعَبَرات
مِن ذكريات معتمر




إهداء

إلى كل مشتاقٍ لبيت الله الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

والأقصى المبارك!

? ? ?

 

قال صاحبي ذات يوم: أمله أن يزور بيت الله الحرام، وكانت أمنيةً لطالما راودته وشغَلت فكره ووجدانه، وقد تخطى العقد الرابع من العمر، وانبعث طالع الشيب يغزو رأسه ولحيته، ولم يكن صاحبي ذا مال ولا صاحب عقار، إلا أنه اختير مع زملائه في العمل لأداء مناسك العمرة، وكانت مشاعره فياضةً، وأحاسيسه مرهفة، فكلما ذكر المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ازداد شوقًا وحنينًا.

 

ويوم يسَّر الله له ذلك أمضى تلك الفترة التي تسبق موعد السفر مشتاقًا إلى أقدس البقاع وآمنِها على وجه البسيطة، إلى أن حان الموعد فشدَّ حقيبته، وودع أقاربه، وفارق الأهل والإخوان، وبما أن السفر مشقة وعذاب فإنه يهُون حين تُمزج الأشواق فتلج سويداء القلب لتناجي ربَّها في سجود وإخلاص، وتبتل بين يديه سبحانه وتعالى.

 

قال: ثم يسَّر الله الإقلاع والاتجاه إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي طَيبةَ يطيب المقام، بجوار سيد الأنام، بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والروضة الخضراء، ونسائم الجنان تبشر الزائرين بالأمان والسلام، صلى صاحبي ركعات، ثم أقبل على الدعاء، فأجهش حتى خنقته العَبرة، فاختلطت دموعه بدعائه لتغسل حرَّ وجهه، يرجو بذلك قبول عمرته، وصلاح أمته، ومغفرة ربه عز وجل.

 

نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا!

وبعد الاغتسال أحرم الجميع من أبيار علي، متجهين إلى مكة، البلد الحرام أم القرى التي تأتيها الخيراتُ والأرزاق والبركات، والآمنة من كل سوء بحفظ الله تعالى.

 

وكانت أصوات الملبِّين لبيك اللهم لبيك تتعالى، فتُحدث في النفس قشعريرة من جَلَل التلبية وذكر الله تعالى، فتنتشي النفس عزة وكرامةً من توحيد الخالق، وحمده وشكره سبحانه على نِعمه التي أنعم بها علينا، وتجوب أصوات الذكر والدعاء فتجلجل في صحراء الأرض المباركة كما سُمعت من قبل على مر القرون من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا.

 

قال صاحبي: حين وصلنا مكة ودخلنا البيت وتراءت الكعبة المشرفة، أمسكنا عن التلبية،وبعد سبعة أشوط الطواف، ثم صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم الشرب من ماء زمزم والسعي بين الصفا والمروة، ثم الحَلْق والتحلل - عُدْنا فلبسنا الثياب كما كنا من قبل.

 

وتذكَّر صاحبي عند اغتسال الإحرام غُسْلَ الميت حين يفارق الدنيا ويُقبِل على الآخرة، وعند لباس الإحرام أن الناسَ راجعون إلى الله سبحانه وتعالى في لباسٍ كهذا، اسمه الكفن، وقد تجردوا من المُحيط والمَخيط.

 

وعند رؤية البيت، دُعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؛ قال تعالى: ? وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ? [البقرة: 127].




ثم تذكَّر في سعيه أمنا هاجرَ عليها السلام حين تركها سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأمر من ربه عز وجل في صحراء مقفرة، فاشتد على وليدها البكاء، فقامت تسعى بين الصفا والمروة حتى أغاثها الله سبحانه وتعالى.

 

وحين شرب من زمزم تذكَّر ما جاء في فضلها عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ماءُ زَمزمَ لِمَا شُرِبَ له))؛ ابن ماجه.




ثم حين أتى الحلاق، تذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوم دعا للمُحلِّقين: ((اللهم اغفِرْ للمُحلِّقين))؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه.




ثم تحلَّل من عمرته، فعاد ليلبس ثيابه وقد أُحِل له ما كان محظورًا عليه من قبل، فيطوي صفحات الماضي ليستقبل حياة جديدة وقد غَسلت عُمرتُه أو حَجته ما كان منه في الماضي من التقصير والآثام.




وفي بيت الله الحرام، ومِن بين تالٍ للقرآن وذاكر لله، وراكع أو ساجد لخالقه سبحانه وتعالى - كان صاحبي يبتهل إلى الله تعالى في خشوع وإخبات، فتنحدر الدموع على وجهه لتغسل ران القلب، فتُضفي على صاحبها سمة الوقار، ونفحات ربانية مع انكسار العبد بين يدَيْ خالقه عز وجل، فتنزل السكينة والطمأنينة بجوار الكعبة المشرفة، فتصيب العبدَ الرحماتُ فلا يشقى بعد ذلك أبدًا.




فهذه الخلائقُ والحشود - من كل بلاد العالم وبقاع الدنيا - تأتي لتعتمر وتحجَّ بيت الله؛ فهذا إفريقي، وذاك آسيوي، وهذا عربي وذاك أعجمي، وغيرهم كثير.




قال تعالى عن إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم: ? رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ? [إبراهيم: 37]، والكلُّ يمضي إلى غايته وسبيله؛ فهذا يطوف، وذاك يسعى، وغيره راكع، وآخر ساجد لله سبحانه وتعالى.

 

قلت: فيمَ تُفكر يا صاحبي؟ قال: تلك البلاد - وغيرها من بلاد العرب - كانت تعيش في الظلام الدامس، والجاهلية الجهلاء، فابتعث اللهُ رسوله صلى الله عليه وسلم بالهُدى ودين الحق إلى العرب خاصة، وإلى الناس كافة، فصابَر القومَ سنين حتى أسلموا، فأخرَجهم من ظلمةِ الجهل وظلمات الشرك والكفر إلى التوحيد الخالص، في مدة ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة قصيرة ومحدودة من عُمر الزمن، إلا أن الله عز وجل سخَّر لنبيِّه صلى الله عليه وسلم رجالًا كالجبال؛ أمثال أبي بكر الصِّديق، وعمرَ الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعلي أبي الحسَنين، وغيرهم من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وعن آل البيت وأمهات المؤمنين.

 

ثم قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وترَك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالكٌ، فتوالت الفتوحات حتى بلغت السندَ والهند وغيرها من بلاد العالم؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يبقى على ظهرِ الأرض بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعزِّ عزيزٍ أو ذلِّ ذليلٍ، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون لها))؛ ابن حبان عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه.

 

ثم قال: يا أخي، لستُ أحب اجترار المآسي والأحزان، ولكن هذا واقع أمِّتنا وحالها اليوم، وكانت قضيتنا واحدة، بيت المقدس وفلسطين؛ فأُنسينا ذلك ببلايا وفتن لا يدري المقتولُ ولا القاتل فيما قَتل صاحبه؛ دُمرت المدن، قُتِّل أطفال وشيوخ، نساء وعجائز، وشُرِّد الباقي من منازلهم، وهُجِّروا من أوطانهم بغير ذنب ولا سابق جريرة! فما بُنِيَ في قرون وقامت عليه الحضارة حُطم في سنوات عجاف معدودة! فإلى أين نمضي؟! ومَن المستفيد؟!

 

ورحِم الله الإمام الشافعي إذ قال:

نَعيب زمانَنا والعيبُ فينا
وما لزمانِنا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ
ولو نطق الزمانُ لنا هجانا
وليس الذئبُ يأكل لحمَ ذئبٍ
ويأكل بعضُنا بعضًا عيانا

 

وما زال الفكر مشغولًا، والقلب موصولًا، على أمل العودة إلى بيت الله الحرام، وزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، داعيًا الله عز وجل أن نصليَ في المسجد الأقصى المبارَكِ[1] ركعاتٍ قبل الممات.

 

ثم قال صاحبي: هذه قصتي، فيها عِبر وعَبرات ومواعِظ وذكريات، ثم قال: أوصيك يا أخي ألا تكتبَ إلا ما ينفَعُك في دنياك وآخرتك!

 

ورحِم الله القائل:

وما مِن كاتبٍ إلا ستبقى
كِتابتُهُ وإن فنِيَتْ يدَاه
فلا تكتُبْ بكفِّك غيرَ شيء
يسُرُّك في القِيامة أن تراه

 

ثم أنشأ يقول:

إلى بيت الله نمضي، فيا فَوْز الملبِّين، إلى رَوح وريحان من عبق الأولين، إلى الكعبة والحِجر إلى المسعى ذاكرين، إلى زمزم الشِّفا وسُقيا وطُعم للطاعمين، إلى المآثر بمكة وُلِد النبي الأمين، ومنازل الوحي وقِبلة الحجَّاج والمعتمرين، وإن نسيت فلا أنسى روضة المحبين، بها المصطفى والصِّديق وعمر، الخليفتان، طابت طيبة بأهلها الأنصار والمهاجرين، زُرْ أحدًا والبقيع، بهما حمزة وذو النورين، تلك البلاد، فيا غبطة الساكن والزائرين، ثم السلام على نبينا وآله وصحبه أجمعين.




[1] ولسان حال الأقصى:

كلُّ المساجد طُهِّرَتْ ••• وأنا على شرفي أُنجَّسْ


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook