عربة القطار الأخيرة

الكاتب: المدير -
عربة القطار الأخيرة
"عربة القطار الأخيرة

 

تحرَّك القطار، وخرج عن مَوْقفه، وانطلقَ يُغادرُ، لم يبقَ منه على رصيف المحطة من عرباته الاثنتي عشرة سِوى العربة الأخيرة.

انطلقت صفارةُ القطار، وارتفع الصوتُ يملأ الأرجاءَ: السادة الموجودون بالمحطة نرجو الانتباه: القطار يغادرُ الآن.

 

قلت لنفسي: فماذا أنت فاعل؟ لماذا تأخَّرتَ؟ لمَ تلبسُ ثياب السفر وليسَ معك زادُه؟

كلُّ أناس البلدة مسافرون، سينتقلون لمكان آخَرَ، وكلُّهم قد لبس ما يريد، وتزوَّدَ بما يليق، فقد تم الإعلانُ منذ وقت، ولكن تفلَّتت مني الأيام، وضاع مني الزمن، فبعضهم قد ركب في العربة الأولى، لباسُهم فاخر، وزادُهم وافرٌ، يَبْدُون من خلف النوافذ في سرورٍ وحبورٍ، مستبشرين بالسفر، عرباتُهم مجهَّزة مكيَّفة، فهُم يملكون الثمن فلا عجبَ، والويل للفقير لا ثوبَ ولا زادَ... وبالكاد وشِقِّ الأنفسِ لحقتُ بالعربة الأخيرة.

 

همسْتُ لنفسي: قد يعرفك في القطار أحدٌ، فيأخذك للعربة الأولى أو الثانية، أو حتى الخامسة، فيعطيك بعضًا من ثيابه، وجزءًا من طعامه!

 

أعلم أنها أمنيةٌ بعيدة، ويا ليتها تكون حقيقةً، أعلم في قوانين القطار أنه لا نسبَ ولا صهرَ، بل يُنكرك كلُّ من قَرُبَ، وهذا أمر عجب! ولكن لا مجال للوقوف، لا بد من الركوب، فالقطار قد تحرَّك، وسوف يسرع وينطلق، ولن يبقى في البلدة أحدٌ؛ فكلُّهم راحلون.

 

قفزتُ رغم التعب، وتعلَّقت بباب العربة الأخيرة، ودخلت القطار، وبعيدًا عن الباب وقفت ألهث، نظرت حولي، كلُّ الناس منشغلون، دارت عيوني نصف دائرة، ثم دارت نصفها الآخر فلمحت في زجاج النافذة وجهيَ المتربَ، وثوبي المُهترئ، يا لحاله الرَّثَّة! كأنما خاصَمَ الماءَ من زمن، وجال فيه القِدم، استحييت من حالي، وخِفت أن أقتحم وتزدريني الأعينُ، تصاغرت في زاوية، وهويت لأرضية القاطرة، استرحت من اللهاث، لكنَّ حلقي جَفَّ من العطش، أين الماء؟ تذكرت، آه ليس لي زاد، تقوقعت على نفسي في أرض الزاوية، يا له من حال! كيف وصلت إليها؟ سرحت فيما مضى: كم أسرفت على نفسي، وتجاوزت في أمسي! أخرَجَني من سواد الخاطرة، واختناق الدائرة: صوتٌ يدعو: يا مَنْ ليس له زادٌ، ولم يُحسِنِ الاستعدادَ، أمامك فرصةٌ أخيرةٌ، اعترفْ بما أخللت، ووعودك التي أخلَفْت، وابكِ على خطاياك، وما جَنَت يداك، وأنصِفْ مِن نفسك، فإن صدقت وبَرِرْتَ، فسوف نعطيك خيرَ اللباسِ وخير زادٍ، ونختم لك كتابًا يُرَقِّيك، ويرفع قدرك وينَجِّيك.

 

فقلت: إنها فرصتي، سأعَضُّ عليها بنواجذي، وها هنا انتهت قصتي، وستبدأ توبتي.

أتدري ما القطار؟

إنه شهور العام، والعربة الأخيرة: شعبان من كلِّ عام؛ فيه يُختَم العمل، ويُعرَض في كتاب على رب العباد.

أتدرون ما الزاد؟

إنه ? خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ? [البقرة: 197]، أما الثياب واللباس فإنها ? وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ? [الأعراف: 26]، وسوف يقلع العام، وفرصتك الأخيرة في شعبان؛ لإصلاح الخلل، فكيف تسهو وقد تأخَّرت عن تحصيل خير زاد؛ تقواك، وعريت عن خير اللباس؛ تقواك، إنه لأسوأ فقر، ووقتها أنت أتعس فقير، فكيف تطمع بعد الزهد في التقوى بحُلم النجاة؟ فهلمَّ للإصلاح، فنحن لم نزل في رجب، وفي شعبان يُعرَض العمل، وتسافر الكتب فيُعرض ما حوت من عمل، فكن كحال النبي يكثر الصوم فيه كما ورد بالخبر، وبالصوم وصالحِ العمل يُتدارك اللباس والزاد.

ألم يقل الله في حكمة الصوم: ? لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? [البقرة: 183]؟ فهذا الزاد والثياب، وأنت على سفر.

فهيَّا تهيَّأْ (فعربة القطار الأخيرة) لم تغادر بعدُ المحطةَ.


"
شارك المقالة:
7 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook