عزيمة وإصرار

الكاتب: المدير -
عزيمة وإصرار
"عزيمة وإصرار

 

إن قَصصَ القرآنِ نهرٌ متدفِّقٌ بالعطاء، ومَورِد عذبٌ رواء، كثيرُ البركة والنماء، يجد فيه المؤمنُ من الثبات والطُّمأنينة، والعِبرة والسكينة، ما يضمن له الحياةَ الطيبةَ الكريمة.

 

ففي سورة الكهفِ أخبَرَنا المولى تبارك وتعالى عن قَصص هادفةٍ بنَّاءة، منها ما كان من شأن الكليم موسى عليه الصلاة والسلام، وسفره في سبيل طلبِ المعرفةِ والعلم، وتوسيعِ مدارك الفَهم.

 

لقد كانت رحلةً عجيبة بكل المقاييس؛ إذ حوت العديدَ من الدَّلالات التَّربوية في مجال التعليم والتدريس، فمنها ما يتعلقُ بآداب المتعلِّم وطرق التعلُّم، ومنها ما يكونُ من الصفات الأساسية للمعلم.

 

فبعد أن مكَّن اللهُ لموسى عليه الصلاة السلام، ونجَّاه من فرعونَ وجنودِه، ونصَرَه على أتباعه وحشودِه، قام موسى وهو النبي الجليل، خطيبًا في قومه بني إسرائيل، يذَكِّرُهم بأيام التمحيصِ والابتلاء، وما تلاها من أيام النصرِ والتمكين والاستعلاء، فكانت خطبةً بليغةً عصماء، ذرَفت منها العيون، ووجِلت منها القلوب، حتى قام أحدُهم متحمِّسًا يسألُ:

يا نبيَّ اللهِ، هل هناك من هو منك أعلم؟![1]

فردَّ - عليه الصلاة والسلام - دون تروٍّ وإمهال: لا.

الإجابة بـلا حملت معها الكثيرَ من العناء!

وتأتي بعدها الرسالةُ الإلهية المحمَّلة بالعتاب؛ على هذه العَجَلةِ في الجواب![2]

 

لقد بدأت فصولُ هذه القصةِ بقوله تعالى: ? وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ? [الكهف: 60].

إنها قصةُ البدايةِ التي حدَّدت لنا الوجهةَ، وبيَّنت الغايةَ، وكشفت عن سرِّ الأسرار، وهو الإلحاحُ والإصرار.

إنه الطُّموح والعزيمةُ، وقوة الإرادة وصلابة الشكيمة!




إخواني الكرام:

إنها آيةٌ بليغة جد معبِّرة!

وايم الله إنها لصورةٌ ناطقة مؤثِّرة!




فيا أهلَ العلم، ويا رواد عمقِ الفهم:

إنها أشبهُ بدورة تدريبية جمعت بين المحاضرة النظرية، وبين الورشة التطبيقية، التي تعلَّم فيها موسى عليه الصلاة والسلام من العلوم الغيبيَّة اللدنِّية!

إنها رحلة إيمانية علمية، اتصف فيها موسى عليه الصلاة والسلام بالهِمَّة العليَّة، والنفس المتوثبة القويَّة، فأكرمه ربُّه بالعطيَّة.

 

ولله دَرُّ القائل:

والحرُّ لا يكتفي من نَيل مَكرُمةٍ
حتى يرومَ التي من دونها العطبُ
يسعى به أملٌ من دونه أجَلٌ
إنْ كفَّه رهَبٌ يَستدعِه رغَبُ
لذاك ما سال موسى ربَّه أرِني
أنظُرْ إليك وفي تَسآلِه عجَبُ
يبغي التزيُّدَ فيما نال من كرمٍ
وهْو النَّجِيُّ لديه الوحيُ والكتبُ

 

كأني بموسى عليه الصلاة والسلام يقولُ بلسان حالِه ومقاله:

مهما كلَّفني الأمرُ سأسيرُ سيرًا طويلًا، وبأي ثمن سأمضي حتى أحقِّقَ هدفي المنشود، وأصلَ إلى مجمع البحرين مكاني المقصود!

لن أتعللَ بأعذارٍ واهيةٍ حتى أقعد، ولن يغمض لي جفنٌ فأنام وأرقد.

سأتحركُ بكل جهد، وأبذلُ كلَّ صوت؛ فالحركةُ حياةٌ، والسكون موتٌ.

ألا ترَون معي أن موسى عليه الصلاة السلام قد أحب ربَّه فصدَقت نيتُه، وصح له طلبُه، واستعذب في سبيله كلَّ تعب، ولم يتأففْ من تجرُّع مرارةِ النَّصَب! فالمحبُّ عذابُه عَذْب، واستشهادُه شَهْد!




يا قصَّاد الثُّريا وطلابَ المعالي:

ألم يتحمل عليه الصلاة والسلام مشقةَ وعْثاءِ السَّفر، ومضى رفقةَ فتاه يقصَّان الأثر؛ ليتعلم من توجيهات الخضر، ويترقى في مدارج كمالِ البشر؟ وقد صدق الشافعي لمَّا قال:

سأضربُ في طول البلادِ وعرضِها ??? أنالُ مرادي أو أموتُ غريبَا

 

وفي ختام المشوار، أتساءلُ: أين ذلك البطلُ المغوار؟! لأقول له:

كن ذا موقفٍ وقرار، وصاحب همة وعزيمة وإصرار، تحَدَّ الخطوبَ، واركب سفن الأخطار، تُحقِّق بإذن الله الغاياتِ الكبار، وتظفرُ بكلِّ انتصار، وصلِّ اللهم وسلم على المصطفى المختار، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار.




[1] تصرَّف في القصة يسيرًا، وقد ورد نصُّها الأصلي في صحيح البخاري في كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سُئل: أيُّ الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله، الحديث 122، وفي كتاب الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، الحديث 3220، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل - باب من فضائل الخضر عليه السلام، الحديث 2380.

[2] مصطفى مسلم، التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، المجلد الرابع، تفسير سورة الكهف، ص 359.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook