على بصيرة

الكاتب: المدير -
على بصيرة
"على بصيرة

 

قال تعالى: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? [يوسف: 108].

 

أولًا: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ? [يوسف: 108]: أمرٌ من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بأن يعلنَها صريحةً، واضحةً، عالية، مدوِّية للجميع دون استثناء، ودون خوفٍ، ودون تردد، ودون مُحاباة لأحد، ودون خوف من مغبَّة هذا الإعلان.

 

? ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ? [يوسف: 108]: أمرٌ من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بأن يَنسبَ هذا السبيلَ، وهذه الدعوة، وهذا الدين لنفسه؛ حبًّا، وكرامة، وتشريفًا؛ فهذه الدعوة هي الروحُ واللَّحمُ والدمُ، وأعزُّ ما يملك الإنسان، يُضحِّي الإنسان في سبيل هذا الدين وهذه الغاية بالغالي والنَّفيس رخيصًا في سبيل الله وحدَه، ولإعلاء كلمة الله تعالى خفَّاقة.

 

ثانيًا: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ... ? [يوسف: 108]: فاللهُ تعالى وحدَه هو الغاية والمُبتغَى، فلا يُزاحِم هذه الغايةَ أيُّ انتماء آخر، أو تشرذم مَمقُوت، أو جاهلية منتنة، دون مباهاةٍ أو تفاخر، ودون منٍّ أو أذًى، ودون انتظارٍ لمَغْنم أو مكانة، بل يكون ذلك كلُّه إيمانًا بالله وحده، واحتسابًا لوجهه الكريم.

 

ثالثًا: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ? [يوسف: 108]: قال القرطبيُّ رحمه الله: ? عَلَى بَصِيرَةٍ ? [يوسف: 108]؛ أي: على يقينٍ وحقٍّ.

 

وقال الرازي رحمه الله: ? عَلَى بَصِيرَةٍ ? [يوسف: 108]؛ أي: أدعو اللهَ على بصيرة وحجَّة وبرهان.

وقال السيوطي رحمه الله: ? عَلَى بَصِيرَةٍ ? [يوسف: 108]؛ أي: على هدًى، وقاله الشوكاني أيضًا.

وقال سيد قطب رحمه الله: ? عَلَى بَصِيرَةٍ ? [يوسف: 108]؛ أي: على هدًى من اللِه ونورٍ، نعرف طريقَنا جيدًا، ونسير فيها على بصرٍ وإدراك ومعرفة، لا نخبط ولا نتحسَّس، ولا نحدس (الحدس هو: الظنُّ والتخمين، والتوهُّم).

 

? وجاء في تاج العروس: البصيرةُ بالهاء: عقيدةُ القلب.

قال الليث: البصيرة: اسمٌ لما اعتقد في القلب من الدِّين وتحقيق الأمر.

وفي البصائر: البصيرةُ: هي قوَّة القلب المُدركة، وقوله تعالى: ? أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ? [يوسف: 108]؛ أي: على معرفةٍ وتحقُّق، البصيرة: الفِطْنة.

 

? هذه البصيرةُ هي التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم في قوله تعالى: ? إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ? [الحجر: 75]؛ أي: للمتفرِّسين، للمعتبِرين، للمتأمِّلين، للمتفكِّرين.

عن أبي سعيدٍ الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((للمُتفرِّسين))؛ رواه الترمذي.

 

? وقيل: الفِراسةُ هي الاستدلالُ بالأمور الظاهرة على الأمور الخفيَّة.

? قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنه قد كان فيما مضى قبلَكم من الأمم مُحدَّثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم، فإنه عمر بن الخطاب))؛ متفق عليه.

 

? قال المناويُّ رحمه الله في (فيض القدير): (مُحدَّث)؛ أي: مُلهَمٌ، أو صادق الظنِّ، وهو من أُلقِي في نفسه شيء على وجه الإلهامِ والمُكاشفة من الملأ الأعلى، أو من يجري الصوابُ على لسانه بلا قصدٍ، أو تُكلِّمه الملائكة بلا نبوَّة، أو من إذا رأى رأيًا أو ظنَّ ظنًّا أصاب كأنه حُدِّث به، وأُلقِي في رُوعه من عالم الملكوت؛ فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يُكرم اللهُ بها من شاء من صالح عبادِه، وهذه منزلةٌ جليلة من منازل الأولياء....

 

? قال ابن القيِّم رحمه الله: الفِراسة الإيمانيَّة سببُها نورٌ يَقذِفُه الله في قلبِ عبدِه، يُفرِّق به بينَ الحقِّ والباطل، والصادق والكاذب، وهذه الفِراسةُ على حسب قوَّة الإيمان، وكان أبو بكر الصدِّيق أعظمَ الأمة فراسةً.

 

? قال: وللإيمانِ الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نورٌ وحلاوة يَقذِفُهما الله في قلب مَن يشاء من عبادِه، ولكن الإلهامَ والخواطر والكَشْف والرُّؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعيَّة، ولا تعتبر إلا بشرطِ عدم اصطدامِها بأحكام الدين ونصوصه.

 

? قال الماورديُّ رحمه الله: ينبغي أن يكونَ للعالم فراسةٌ يتوسَّم بها المتعلِّم؛ ليعرف مبلغَ طاقتِه، وقدرَ استحقاقِه؛ ليُعطِيَه ما يتحمَّلُه بذكائِه، أو يضعف عنه ببلادتِه؛ فإنه أروحُ للعالمِ، وأنجحُ للمُتعلِّم.

 

? قال أبو الدَّرداء رضي الله عنه: اتَّقوا فراسةَ العلماء؛ فإنهم ينظرون بنورِ الله، إنه شيءٌ يَقذِفُه الله في قلوبهم، وعلى ألسنتهم.

 

? قال عبدُالله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: أفرسُ الناسِ ثلاثة: امرأةُ فرعونَ في موسى، حيث قالت: ? قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ? [القصص: 9]، وصاحب يوسفَ، حيث قال لامرأته: ? أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ? [يوسف: 21]، وأبو بكر الصدِّيق في عمر رضي الله عنهما، حيث جعلَه الخليفةَ بعده.

 

? هذه البصيرةُ هي التي جعلت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((يدخلُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة)) ثلاث مرات في ثلاثة أيام متتالية، ويكون نفس الرجل هو الذي يدخلُ في المرَّات الثلاث.

 

? وهذه البصيرة هي التي جعلت أميرَ المؤمنين عمر رضي الله عنه ينادي وهو في المدينة: يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ....

 

? وجاء في البداية والنهاية: وهذا عمرُ: قيل: إنه كان إذا حدَّثه الرجل بالحديث فيكذبُ فيه الكلمة والكلمتين، فيقول عمر: احبِس هذه، احبس هذه، فيقول الرجل: والله كلُّ ما حدَّثْتك به حق غير ما أمرتني أن أحبسَه.

 

? وهذه البصيرةُ هي التي جعلَتْ أميرَ المؤمنين عثمان رضي الله عنه يقول: يدخلُ عليَّ أحدكم، وأثرُ الزنا ظاهر على عينَيْه، فقلت: أوحيٌ بعد رسول الله؟! فقال: لا، ولكن تبصرة وبرهانٌ، وفراسة صادقة.

 

? وهذه البصيرة هي التي جعلت أميرَ المؤمنين عليًّا رضي الله عنه يقول: ويح ابن عباس، كأنما ينظرُ إلى الغيب من وراء سترٍ رقيق.

 

? وهذه البصيرة هي التي جعلت الحسنَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما لما جيء إليه بابن مُلجَم - قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قال له: أريدُ أن أسارَّك بكلمة، فأبى الحسن، وقال: تريد أن تعضَّ أذني، فقال ابن ملجم: واللهِ لو أمكنتني منها لأخذْتُها من صِماخِها.

 

? وهذه البصيرةُ هي التي جعلت الجُنَيْدَ عندما جاءه يومًا شابٌّ نصرانيٌّ في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم، ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسةَ المؤمن؛ فإنه ينظرُ بنورِ اللهِ))؟ فأطرق الجُنَيد، ثم رفع رأسَه إليه، وقال: أَسلِمْ؛ فقد آن لك أن تُسلِم، قال: فأسلَم الغلام.

 

? فالقائد بدون هذه البصيرة وهذه الفِراسة، وهذه الفِطنة، سيكون فريسةً سهلة، ولقمة سائغة لكلِّ من أراد أن يفتكَ به وبدعوته وبأتباعه؛ ولذلك كان الفاروق عمرُ رضي الله عنه يقول: لست بالخبِّ، ولا يخدعُني الخبُّ، (الخبُّ؛ أي: الخادع).

 

‏رابعًا: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي... ? [يوسف: 108]: فلا يكفي أن يكونَ القائدُ متَّصِفًا بالرأي السديد، والنظرة الثاقبة، والحنكة والدرايةِ، والفراسة والبصيرةِ، وأتباعه في كلِّ وادٍ يهيمون، وبكل خديعةٍ ينخدعون، وإلى كلِّ منعطفٍ يُستدرجون، وخلف كلِّ ناعق ينعقون؛ فلا بدَّ للجنود من أن ينهلوا من زاد قائدِهم، وأن يَقتفُوا أثرَه دون تغييرٍ أو تبديل، أو تعطيلٍ أو ابتداع، ولابد للجنودِ أن يُنزلوا قائدهم منزلتَه، وأن يحفظوا له قدرَه، ولا يسمحوا لأحدٍ أن ينال من هذه المنزلةِ، ولا من هذا القدر كائنًا مَن كان.

 

? ولا بدَّ للجنود أن يُحسِنوا التلقِّيَ؛ لكي يُحسنوا النَّقلَ والتوريث، فتبقى الدعوةُ فتيَّةً، متجددة الشباب، ساطعةً سطوع الشمس، وتبقى الأمةُ على المحجَّة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.

 

خامسًا: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ... ? [يوسف: 108]: إن العملَ لدين الله تعالى يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على القوة الإيمانيَّة والمعنويَّة أكثر منه على القوَّة المادية، فعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطهورُ شطرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأ الميزانَ، وسبحانَ اللهِ والحمد لله تملأان - أو تملأ - ما بينَ السموات والأرض، والصلاةُ نور، والصدقةُ بُرهان، والصبرُ ضِياء، والقرآن حجَّة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه، فمعتقُها أو مُوبقُها))؛ رواه مسلم.

 

? إن الداعيةَ إلى الله تعالى لا بدَّ وأن يكون له خلقٌ ليس ككلِّ الأخلاق، وأن يكون له إيمانٌ ليس كإيمانِ العوام، وأن تكون له خبيئةٌ (عبادة سريَّة) بينَه وبين الله تعالى لا يَطَّلِع عليها مَلَك فيكتبها، ولا يَطَّلِع عليها شيطان فيفسدها؛ وذلك ليتحمَّل وعثاءَ الطريق ومشقَّته، هذا الطريق الذي ناح فيه الأنبياءُ وشابُوا من كثرة تكاليفِه، وثقلِ تَبِعاته؛ فأنَّى لداعية إلى الله تعالى أن يُكتَبَ له توفيقٌ أو تمكينٌ، وقد ترك قلبَه للدنيا تتناوشُه وتتلاعب به كما يلعب الصبيانُ بالكرة؟!

 

سادسًا: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? [يوسف: 108]: فلا مداهنةَ، ولا تنازل، ولا مساومة.

 

وعلى كلِّ مخلص أن يَتَّخذ لنفسه الشعارَ الذي رفعه الصدِّيق أبو بكر رضي الله عنه وهو يحارب مانعي الزكاة والمرتدِّين، حيث قال: إنه قد انقطع الوحيُ، وتمَّ الدين، أينقصُ الدينُ وأنا حيٌّ؟.

 

وختامًا: هذا دينُنا الذي فيه تبيانُ كلِّ شيء، وهذا نبيُّنا الذي لا يَنطِقُ عن الهوى، وهؤلاء هم صحابتُه الكرام الذين ترجموا لنا أمورَ دينِنا ترجمةً عمليَّة لا تشوبُها شائبة، وها هي الأمانةُ بين أيدينا، وواجبُنا أن نحفظَها لمن بعدنا بلا دَخَنٍ ولا عطب؛ حتى نعذرَ أنفسنا أمام الله عز وجل.

 

اللهم أَحسِنْ عاقبتَنا في الأمور كلِّها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم بصِّرنا بعواقب الأمور؛ حتى لا يطمعَ فينا عدوٌّ، ولا يُساء بنا صديق.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook