عليكم أنفسكم

الكاتب: المدير -
عليكم أنفسكم
"عليكم أنفسكم




إن الإسلام بطبعه دينٌ جاء ينتظم كل أمور الحياة، ويهيمن على كل تفاصيلها، فهو دينٌ اجتماعي، وشعائرهُ يتبدى فيها الرباط المجتمعي الوثيق الذي من الواجب أن يربط كل الأفراد الذين يعتنقونه كدينٍ..




من هذه المظاهر صلاةُ الجماعة في المساجد خمس مراتٍ يومياً، ووحدة وقت الصوم لكل المسلمين في العالم ليكون شهر رمضان، والتجمع السنوي للمؤتمر الإسلامي وهو الحج.




وبطبيعة كون المسلم فرداً في هذا المجتمع الإسلامي فإن علاقاته داخل هذا المجتمع كانت من الأهمية في التشريع الإسلامي، حتى أنها جاءت مفصلةً في الكتاب والسنة، فأنت كمسلمٍ حين تقرأ القرآنَ وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ستجد نفسك مطالبًا بمصاحبة الصالحين والتعلم من أهل العلم حملَ مسؤولية من ترعاهم ونصيحة من يخطئ ومقاومة من يشيع بالخطأ أو الظلم في المجتمع، وما إلى ذلك من التعاملات الواجبة على المسلم في محيطه المجتمعي، هذا بالإضافة إلى نفسه التي هي مسؤوليته المباشرة.




بعض العلماء جمعوا كل هذا وقالوا إن وظيفة المسلم هي فعل المعروف والأمر بهِ بمعروفٍ، وترك المنكر والنهي عنه بغير منكر، أو بمعنًى آخر كما يقول شعار إحدى المنظمات الشبابية: (أصلِح نفسك وادعُ غيرك).




والآيات الدالة على أهمية إصلاح النفس، والدالة على وجوب الدعوة إلى الله كثيرةٌ، وكذلك الأحاديث، ولكن هذا ليس مجال ذكرها.. أردنا فقط التنويه لهذه الجزئية.




راعني ولفت انتباهي أن بعض الذين – للأسف - لهم مظهر الالتزام الإسلامي يتناولون بعض الآيات القرآنية ويحملونها على غير ما يحتمله معناها ولا سياقها الموضوعي، ولا حتى دلالتها اللغوية، لكنهم يفعلون هذا مجاراةً لكلام شيخهم الذي يقدسونه أو تبريراً لبعض سلوكياتهم الخاطئة، نسأل الله العافية.




ومن الآيات الذي كثر وضعها في غير موضعها منذ عهد الصحابة وحتى عهدنا هذا، آيةُ سورة المائدة: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ?، فيتفوه بها البعض على أنها حجة لترك الدعوة إلى الله ومقاومة الظلم ونصرة المظلوم تحت غطاء الفهم الخاطئ لمدلول الآية ومعناها.




ولعل هذا يجعلنا بحاجة إلى إعادة قراءةٍ للآية في كتب التفاسير الصحيحة، حتى لا نقع فريسة تفسيرٍ اقتضاه هوى أي شخص ليبرر جبنه وخنوعه وكسله وخموله.




الفهم العام لقواعد الاسلام وقراءة تفاسير القرآن ترشدنا إلى:

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ? أي أن ميدانكم الأول الذي يجب أن تحققوا فيه الفلاح هو أنفسكم، فنفسك أيها المؤمن هي مسؤوليتك المباشرة وواجبك أن ترعاها وتهتم بتزكيتها ? قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ? وأن تحملها على القيام بواجباتها، ولا شك أن واجباتها تشمل إصلاح ذاتها ودعوة غيرها.




عليكم أنفسكم.. أي تعهدوا أعمالكم بالإخلاص الذي تكرهه أنفسكم لأنه ليس لها فيه نصيب وافطموها عن رضاع العجب والرياء والغرور.




عليكم أنفسكم.. أي انصروا الحق وانتصروا للمظلوم وواجهوا الظالم واقهروا كسل أنفسكم وجبنها.. بل إنكم عليكم أنفسكم ومهمتكم أن تستعدوا بها لتكون جاهزة للتضحية في سبيل رفعة دين الله ونصرة الحق.




عليكم أنفسكم.. اكبحوا جماح غرورها وكبريائها بالتواضع للناس والتذلل والافتقار لله.




ولكن يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم أن تحذروا كيد الضالين الذين يفتون من عزمكم بضلالهم سواء بخذلانهم لكم أو بتآمرهم عليكم وكيدهم لكي يقعدوكم عن جهادكم لأنفسكم ونصرتكم للحق.. ? لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ?.




وهذه الآية تمثل سمة من أهم سمات الإسلام والقرآن، وهي سمة الموضوعية، طالما أنك تلتزم بالمعايير والمبادئ والواجبات التي أمرك بها شرع الله فلا تلتفت لفلان الذي لم يلتزم، أو علان الذي يكره منك هذا أو الظالم القوي الذي سيؤذيك بسبب دعوتك للحق.. (عرفتَ فالزمْ).




أنت كداعية لا يجب أن يوهن عزمك أن شخصاً ما لم يسمع منك واستنكر كلامك، ولا أن يثنيك عن طريقك شخص يدعو إلى الباطل.




وأنت كمجاهد تبذل للدين وللحق لا تلتفت للكسالى والجبناء الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة.




وبهذا يتجلى أن الآية تسير بتناغم في دلالاتها ومعناها مع السياق القرآني الذي يبين أن المسلم عليه أن يصلح نفسه ويتعهدها بالرعاية؛ وبالتوازي هو يسعى لإصلاح محيطه المجتمعي، وعليه أن يصبر لما يلاقيه في طريقه لإنجاز مهامه هذه، ولا يثنيه تثبيط قاعدٍ أو شماتة عدوٍّ أو بطش ظالم.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook