عمارة الأرض واجب إنساني

الكاتب: المدير -
عمارة الأرض واجب إنساني
"عمارة الأرض واجب إنساني

 

خلَق الله تعالى الإنسان لعبادته؛ قال تعالى: ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ? [الذاريات: 56]، وحثَّه على العمل الصالح من أجل عمارة هذه الأرض؛ قال تعالى: ? هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ? [هود: 61]، هذه العمارةُ تشمل كلَّ ما فيه نفعٌ وفائدة للفرد والمجتمع؛ فالمسلم كالغيث، أينما حلَّ نفع، ولا يرتكب ما يخالف هذه العمارةَ إلا مَن انتكست فطرتُه، فاستوى عنده العمَار بالخراب، والإصلاح بالإفساد.

 

لقد سبَق المسلمين كثيرٌ مِن الأمم التي أخذت بأسباب هذا السبق؛ حيث تكاتفت وتعاونت، وأخذَتْ أمورها على محمل الجِد، فأعطاها الله تعالى على قدرِ اجتهادها، حتى ولو كان مقصدها الدنيا فقط، وهذا قانونٌ إلهيٌّ لا يتغير ولا يتبدل؛ قال الله تعالى: ? مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ? [هود: 15]، ولو أننا رجَعْنا بالذاكرة إلى تاريخنا الإسلامي الممتد عبر القرون وقارناه بعهدنا الحالي، لعلِمْنا الفرق الشاسع والبون الواسع بين العهدين، وما نحن فيه الآن من تقصير، والتاريخ ينبئنا أن الحضارةَ الإسلامية علَّمت الدنيا بأَسْرِها في الوقت الذي أطبق فيه الظلامُ على العالم أجمعَ، خاصة أوروبا، فيما يعرف بـ: العصور المظلِمة، لا ينكر أحد ذلك، أو يجهله، مِن هنا أو هنالك.

 

إن عمارةَ الأرض تأخذ صورًا شتى؛ فهي تشمَل الزراعة، والصناعة، واستخراج ما في باطنها من كنوز وثروات، كذلك تشمل إعمال العقل في كلِّ ما يفيد هذه البشرية وتلك الإنسانية، فيحاول هذا الإنسانُ - بما أعطاه الله تعالى من عقل وعلم - أن يحوِّلَ الصحراء القاحلة إلى أرض خضراء ممتلئة بالزروع والثمار، كذلك عليه أن يسبَحَ في الفضاء ليستكشفَ ما به من أسرار، ويعرِف ما يفيده ليفعله، وما يضره ليتجنَّبَه، كل ذلك في إطار مِن التواضع لله تعالى، وعدم العُجْب والغرور بهذا العقل الذي قد يجرُّ صاحبه إلى الدمار والهلاك، ليس له وحده، ولكن للكون كله بما فيه؛ قال تعالى: ? حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ? [يونس: 24].

 

والذي يتدبَّر السنَّة الشريفة يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم حثَّنا على الإعمار والإصلاح في كل وقت وحينٍ؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن مسلم يغرِس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة))، وروى النسائيُّ وأبو داود والترمذي في السنن: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أحيا أرضًا ميتة، فهي له))، وروى الإمامُ أحمد في مسنده، والبخاريُّ في الأدب المفرد عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قامت الساعةُ وفي يدِ أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع ألا يقومَ حتى يغرِسَها فليفعل))، كذلك اهتم الإسلامُ بالصناعة والحرفة كسبيل مِن سبل الإعمار في الأرض؛ فقال تعالى مخبِرًا عن نبي الله داود عليه السلام: ? وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ? [الأنبياء: 80]، وقال سبحانه: ? وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ? [الحديد: 25]، وروى البخاريُّ في صحيحه عن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا مِن أن يأكل من عمل يده، وإن نبيَّ الله داود كان يأكلُ مِن عمل يده)).

 

كذلك فإن التجارةَ مِن وسائل الإعمار وسُبله؛ قال الله تعالى: ? وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ? [البقرة: 275]، وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ? [النساء: 29]، روى ابنُ أبي الدنيا في كتابه إصلاح المال عن نعيم بن عبدالرحمن: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عليكم بالتجارة؛ فإن فيها تسعةَ أعشار الرزق))، (ضعفه الألباني وقال: حديث مرسَل)، وينبغي أن تقوم التجارة على الصدق في المعاملة، والبُعد عن كافة البيوع المحرَّمة، والذي يتدبر القرآنَ الكريم والسنَّة المطهرة يتبين له - بجَلاء - ما حرَّمه الله ورسولُه في هذا الجانب؛ فقد حرم الإسلام الخمر والاتجار فيها، ولعن كلَّ مَن له صلة بها، كما حرَّم الغش والاحتكار، وحرم الربا، والغَبْن، والغصب، والسرقة، وكافة المعاملات التي بها ضرر للغير؛ روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن غشنا فليس منا))، وروى الدارقطني عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((التاجر الصَّدُوق الأمين المسلِم مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء يوم القيامة))، وروى البخاري والترمذي عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رحِم الله رجُلًا سَمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه -: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((البَيِّعانِ بالخيار حتى يفترقا، فإن صدَقا وبيَّنَّا بورِكَ لهما في بيعهما، وإن كتَمَا وكذَبَا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما))، وقد انتشر الإسلام في بقاع كثيرة من قارة أفريقيا وآسيا بسبب صدق المعاملة من تجار المسلمين مع أهل هذه البلاد.

 

وحتى ييسر الله تعالى على خَلْقه تعمير هذه البسيطة، فقد أودَع فيها ما يلزم لتعميرها من ثرَوات ومواردَ طبيعية، وسخر لخَلْقه البحار والنهار، وثبَّت الأرض بالجبال الرواسي، وجعلها ممتدة سهلةً لا تَمِيد بأهلها، وأسبغ على بني الإنسان نعمًا ظاهرة وباطنة لا تُعَدُّ ولا تحصى؛ قال الله تعالى: ? أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ? [لقمان: 20]، هذه النِّعم إنما سُخِّرت لعمَّار الأرض، فما بالك بمَن يستخدمها للفساد والدمار؟! إن الله تعالى قادر على أن يبدل النعمةَ نقمة، إذا لم يحسن الإنسان استخدامها، أو جعَلها أداة للخراب لا العمار، وقد أعطانا القرآنُ الكريم النماذج لذلك، فها هو الماء الذي منه سبب الحياة يجعله الله تعالى سببًا لهلاك أُمَم بأَسْرها؛ فقد أغرق الله تعالى المكذبين من قوم نوح في هذا الماء، وأغرق قوم فرعون في هذا الماء، وانتظر قوم عاد المطر يأتيهم من السماء لإنقاذهم، فإذ به يتحوَّلُ إلى حجارة تهلِكهم جميعًا؛ فسبحان اللهِ القدير الذي يحوِّلُ سبب الحياة إلى سبب للعذاب والهلاك بأفعال بني آدم!

 

ولكي يكتملَ إعمار الأرض لا بد مِن العمل الدؤوب لتحقيق ذلك، وقد امتلأ القرآن الكريم بالآيات التي توزعت على الكثير من سوره، اقترن فيها الإيمانُ بالعمل الصالح، الذي يكون مردودُه بالإيجاب على الفرد والمجتمع؛ قال الله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ? [الكهف: 30]، بل إن اللهَ تعالى أمَرنا - على سبيل الوجوب - بهذا العمل؛ قال سبحانه: ? وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ? [التوبة: 105]، وأكَّدت السنَّة الشريفة على ذلك؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه -: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لأن يحتطب أحدُكم حزمة على ظهره، خيرٌ له مِن أن يسأل الناسَ، أعطَوْه أو منعوه))، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان داود عليه السلام لا يأكلُ إلا مِن عمل يده))، وفي وصيةٍ للقمان عليه السلام يحث ابنه فيها على العمل قائلًا: (يا بني، استغنِ بالكسب الحلال عن الفقرِ؛ فإنه ما افتقَر أحدٌ قط إلا أصابه ثلاثُ خصال؛ رقةٌ في دِينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم مِن هذه الثلاث: استخفافُ الناس به)، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزُقْني؛ فقد علمتم أن السماءَ لا تُمطِر ذهبًا ولا فضة)، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: (إني لأكرَهُ أن أرى الرجلَ فارغًا، لا في أمر دنياه، ولا في أمر آخرته)، والعمل يصلُ إلى مرحلة العبادة إذا ابتُغِيَ به وجهُ الله، ولم يتعطل بسببه فرضٌ مكتوب على المسلم؛ روى الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن وعبدالرزاق في مصنفه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان جالسًا مع أصحابه ذات يوم، فنظروا إلى شاب ذي جلَد وقوة وقد بكَّر يسعى، فقالوا: ويحَ هذا؛ لو كان شبابُه وجَلَدُه في سبيل الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا هذا؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوينِ شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)).




إن الجنسَ البشري - على وجه العموم - مطالَبٌ بإعمار هذه الأرض، والمسلم - على وجه الخصوص - واجبٌ عليه ذلك؛ مِن الناحية الإيمانية، ومن الناحية الإنسانية، فنفعُ المسلم يتعدَّاه إلى غيره من الناس جميعًا، على اختلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم، وهو مطالَبٌ بالتعايش مع البشر جميعًا في إطارٍ مِن التعاون الإنساني، والتعارف الذي لا يُخِلُّ بواجباته نحو خالقه سبحانه وتعالى.

 

إن المسلمَ مطالَب بتعمير هذه الأرض بعقيدة راسخة، بعلم نافع، بعمل متقن، بصدق تعامل، بأداءِ أمانةٍ، بوفاء وعد، بسلوك رشيد، بإنتاج جيد، بعيدًا عن التكبُّرِ والغرور والجشَع والطمع، وكل ما يُخِلُّ بالفطرة الإنسانية التي فطَر اللهُ الناس عليها، وهذا الزمن الذي نعيشه، وواقعنا الذي نحياه أحوج ما نكون فيه إلى العمل والإعمار مِن غيره، بعدما تخلَّف بنا الرَّكْب، ودب النزاع والشقاق بيننا، فهل مِن مدَّكِر؟ وهل مِن مستجيب؟!

والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته،،،


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook