عند البلاء لا تفقد الأمل والرجاء

الكاتب: المدير -
عند البلاء لا تفقد الأمل والرجاء
"عند البلاء لا تفقد الأمل والرجاء




تكالَبَ الأحزاب، وازداد الحراب، وسُدَّت الأبواب، وزُلزِلت القلوب حتى توارت بالحجاب، لكن الواثق بربه، المستعين به، المتوجه إليه، المتوكل عليه - لا يعدِم الأسباب، ولا يترك الأبواب، ولا يهجر ربَّ الأرباب.




كيف؟

ما من شك أن اليأسَ كفرٌ، وأن القنوط خطرٌ يقتل الرجال، ويهزم الأبطال، ويحطم الأجيال، وأن أخطر شيء يصيب الأمةَ أن تُهزَم من الداخل، ولن يتأتَّى ذلك إلا إذا وقعت في اليأس، أو أن تركن إلى الهوان، أو أن تحبَّ الدنيا وتكره الموت، عندها يتكالب عليها الأَكَلة، ويطمع فيها القتَلة؛ ولذلك ساق الله تعالى للمؤمنين وَحْي السماء، متضمنًا قصص الأنبياء؛ ليكون نبراسًا لها إذا تعدَّى الأعداء وكثر البلاء.




• اشتدَّ البلاء بأصحاب موسى عليه السلام؛ فالبحر أمامهم، والعدو من خلفهم، والخوف يملأ قلوبهم، وبالمقاييس المادية لا يمكن النجاة، ويستحيل بقاء الحياة، بالنظرة المادية البحتة لا يمكن النجاة، ولو واحدًا بالمليار.

كيف؟

حين سار موسى بقومه وهم شرذمة قليلون، أَتْبَعهم فرعوم بجنوده، وطغيانه واستبداده، وحقده وبطشه وجبروته، هل هناك أمل أن ينجو أحد، بالمقياس المادي، ولو واحدًا بالمليار؟! لا.




? قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ? [الشعراء: 61]، البحر أمامهم، والعدو من خلفهم، والخوف يملأ قلوبهم، بالنظرة المادية مدركون لا محالة! لكن موسى عليه السلام ذهب إلى ربه، يلوذ به ويحتمي بحماه، ويهتدي بهداه، ? قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ? [الشعراء: 62]؛ فجاءت الإجابة الفورية، وكانت النتيجة الحاسمة، والإجراءات الصارمة، والرسائل القاصمة لعدو الله البغيض، وعدو الإسلام اللعين، ? فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ? [الشعراء: 63]، قرَّب الله سبحانه فرعون وقومه من الهلاك، فأغراهم بالفوز والظفر بموسى ومَن معه، لكن الأمر تحوَّل في آخر لحظة بقدرة القادر جل وعلا.




كيف؟

? وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ? [الشعراء: 64 - 68]، كانت اللحظة الفارقة والساعة الحاسمة، فأغرق الله فرعون وجنده، ونجَّى موسى

وقومه، بنفس الماء وفي نفس الوقت! إنه تعالى منتقم من أعدائه، رحيم بعباده.




• ونوح عليه السلام ناح في الناس سنين طوالًا، ودعاهم إلى الله على كل حال، لكن لم يؤمِنْ به إلا النَّزر القليل، غير أنه أخذ بالأسباب، وطَرَق الأبواب، ورجا في رب الأرباب ? أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ? [القمر: 10].

بثلاث كلمات كان رجاؤه، فتحقَّق له ما أراد أيضًا في ثلاث كلمات.

 

كيف؟

? فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ? [القمر: 11، 12]، وبهذا الماء أغرق الله الفاسدين ونجى المؤمنين.

 

• طُرِد النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، بعد سنوات من التنكيل والتعذيب له ولأصحابه، وهو في طريقه إلى مكة كادوا يُدركونه ويقتلونه، كانوا قابَ قوسين أو أدنى منه، إلا أنه كان قاب قوسين أو أدنى من الله.

 

كيف؟

((ما ظنُّك باثنينِ، الله ثالثهما))، وصدق الله ? إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ? [التوبة: 40].

 

وهاجر وحارب وانتصر، وقامت الدولة الإسلامية، واتسعت رقعتها، وقويت شوكتها، ثم يتكالب الأعداء، ويتدافع العملاء، ويتَّحِد الشرك الوَثَني مع الغدر اليهودي؛ ليتصدَّى لوحي السماء، ويشتد الأمر على النبي وأصحابه؛ قريش وغَطفان من خارج المدينة، واليهود والمنافقون من الداخل، وإليك عزيزي القارئ تصوير الموقف تمامًا في كتاب الله:

? إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ? [الأحزاب: 10، 11]، في هذه الساعة العصيبة قد يتلاشى الأمل، ويخبو الرجاء، ويحل القنوط، لكن المؤمن يظل قويًّا بربه، معتصمًا بدينه، محافظًا على مبدئِه، وهذا ما بثَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في نفوس صحابتِه الكرام، حتى استعاد همَّتهم، واسترجع عزيمتهم، فكان النصر والظفر.

 

يجب ألا نتجاهل السنن الربانية في النصر والهزيمة، وأن الباطل قد يكون أقوى من الحق من حيث العدد والعُدَّة، لكن النصر حتمًا سيكون من نصيب أصحاب الحق؛ لأنهم يقفون وراء شيء أصيل، يؤمنون به ويدافعون عنه في استماتة، والله مِن ورائهم يُدافع عنهم ويخذل مَن خانهم وتآمر عليهم؛ ? إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ? [الحج: 38].

 

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفر من أصحابه يُواجهون مشركي مكة، وكانوا يتعرَّضون لشتى صنوف العذاب، فصبَروا وصابروا ورابطوا، ولم يفقدوا الأمل، ولم يتسرَّب إليهم قنوط، ولم يتركوا الرجاء، وبعد سنواتٍ قليلة كانت كلمة التوحيد ونور الهداية ينتشران كالأريج العطر فوق الجزيرة العربية والشام وفارس، وجزء كبير من بلاد الروم، وإن الهزيمة المؤقتة ليست الموت أو النهاية؛ وإنما حلقة واحدة من سلسلة حلقات النضال المستمر من أجل الحق الصريح الباقي، كانوا يُنشَرون بالمناشير، ويفصل لحمهم عن عظمهم، ويتعرَّضون لامتحانات رهيبة، فصبروا حتى جاءهم النصر ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الروم: 47].

 

• ولقد ظل القدس أسيرًا ما يقارب التسعين عامًا، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي، فضرب قيده، وفكَّ أسره بحول الله وقوته.

هكذا الضعيف لا يظل ضعيفًا أبد الدهر، والمريض لا يبقى مريضًا طول العمر؛ وإنما يجعل الله من بعدِ الضعف قوةً، ومن بعد المرض صحة، ومن بعد العسر يسرًا، ومن بعد الخوف أمنًا، يجعل الله مِن كل ضيقٍ مخرجًا، ومِن كل همٍّ فرجًا.

 

• لقد دار الزمن دورتَه، وتُدُوِلت الأيام، وتسارعت الأعوام، وتكرَّر العداء لأمة الإسلام، فتجمَّع منافقو الداخل مع مجرمي الخارج؛ لينالوا من الشعوب المسلمة، حتى أحرقوا المساجد وقتلوا الرُّكَّع السُّجود، علاوة على هدم البيوت، وحرق سكانها في شتى البقاع الإسلامية.

 

• اشتدَّ البلاء، وكثر العملاء وطغى الأعداء؛ لذلك فاللجوء إلى الله - بعد الأخذ بكل الأسباب - والركون إليه، والاستغاثة به، والرجاء في نصره وعفوه - واجبٌ على كل مسلم موحِّد بالله.

اللهم انصر أولياءك، واخذل أعداءك.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook