عوائق التوبة

الكاتب: المدير -
عوائق التوبة
"عوائق التوبة




1- التسويف في التوبة.

مِن أخطر مُعَوّقاتِ التَّوْبَةِ التسويف وعدم المُبَادَرَةِ بالتوبة وذلك يجعل العبد بين خَطَرَيْن عَظِيمَين الأول: تَرَاكم الران على القَلْبِ حتى يسود ويؤل أمره إلى الموت موت القلب فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، فتتمكن المعصية من قلبه تمكناً لا يستطيع معه الإقلاع عن الذنب فيفعل الذنب لا بدافع الشهوة ولكن لأنه أصبح له عادةً وهذه أخطر حالة يمكن أن يصل إليها العبد لأنه يتعذر عليه الرجوع عن الذنب والحالة كذلك.




فعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعَتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَبْشَرَ بِهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى تَصِيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَا لَا يَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَدٌّ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا وَأَمَالَ كَفَّهُ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ.[1]




وثانِيهمَا: أنْ يبادره المرض فيضعضع بنيانه، ويزلزل أركانه ويوهن قواه، ويكون تركه للذنب عجزًا عن ممارسته، وربما ظل يشتهيه بقلبه، ويتحسر على فوته، ويتلذذ بما سلف من مزاولته، فيأثم بنيته، ويؤاخذ على سوء طويته، فيجتمع له نوعان من العذاب، عذاب دنيوي، وهو الحرمان من مواقعة الذنب، وعذاب أخروي بسبب الحرص على فعله مع العجز.




وقد قال العلماءُ: ما مِثالُ المُسَوّفِ بالتوبةِ إلا مثال مَنْ احتاج إلى قلْع شجرةٍ فرآها قَويةً لا تنقلعُ إلا بمشقةٍ شديدةٍ فقال: أؤخرها سنةً ثُم أعودُ إليها وهو يعلمُ أنّ الشجرة كُلما بَقِيتْ ازدادتْ قوةً لرُسُوخِها وثباتها وكلما طال عُمُرُهُ ازْدَادَ ضَعْفُه لكبر سنه فإذْا عَجَزَ عن قلعها معَ قُوَّتِهِ وضعفها فكيف يقوى عليها مع قوتها وضعفه.




ترك التوبة مخافة الرجوع للذنوب مرة أخرى، وهذه شبهة يقع فيها كثير من الناس، فكثير من الناس يخاف من التوبة لاحتمال رجوعه إلى الذنب مرة أخرى، فنقول لمثل هذا: ليس من مقصود الشرع أن يكون الناس كالملائكة لا يعصون الله طرفة عين، لأن هذا تكليف بما ليس في المقدور، وهذه ليست دعوة للإسراف على النفس بالذنوب والمعاصي، بل نقول يجب على العبد البعد عن الذنب والانتهاء عن المعاصي، فإذا زل لكونه بشراً ولكونه ليس معصوماً فليبادر بالتوبة إلى الله تعالى والندم على ما بدر منه والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ.[2]




وربما أتت المنية وهو مازال يسوف التوبة، ويمني النفس بطول العمر، ويأمل آمالا لو امتد حبلها لبلغت من السنين المئين أو الآلاف.




وممن يعتبر بحاله، ويتعظ المرء بمآله أَبو بَصِيرٍ أَعْشَى بْنُ قَيْسِ الشاعر المشهور.




قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَرَجَ أَعْشَى بْنُ قَيْسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ يَمْدَحُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:

وَآلَيْتُ لَا آوِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ
وَلَا مِنْ حَفًى حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا
مَتَى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ
تُرَاحِي وَتَلْقَى مِنْ فَوَاضِلِهِ نَدَى
نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَذِكْرُهُ
أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ وَنَائِلٌ
فَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدَا
أَجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمَّدٍ
نَبِيِّ الْإِلَهِ حَيْثُ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ
فَتُرْصِدَ لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ أَرَصَدَا
فَإِيَّاكَ وَالْمَيْتَاتِ لَا تَقْرَبَنَّهَا
وَلَا تَأْخُذَنْ سهما حديدا لتقصدا
وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ
وَلَا تَعْبُدِ الأوثان والله فاعبدا
ولا تقربنّ جارة كَانَ سِرُّهَا
عَلَيْكَ حَرَامًا فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبَّدَا
وَذَا الرَّحِمِ الْقُرْبَى فَلَا تَقْطَعَنَّهُ
لِعَاقِبَةٍ وَلَا الْأَسِيرَ الْمُقَيَّدَا
وَسَبِّحْ عَلَى حِينِ الْعَشِيَّةِ وَالضُّحَى
وَلَا تَحْمَدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاحْمَدَا
وَلَا تَسْخَرَنَّ مِنْ بَائِسٍ ذِي ضَرَارَةٍ
وَلَا تَحْسَبَنَّ الْمَالَ لِلْمَرْءِ مُخْلِدَا




فَلَمَّا كَانَ بمكة - أو قريب مِنْهَا - اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُسْلِمَ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ إِنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا. فَقَالَ:

الْأَعْشَى وَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَأَمْرٌ مَا لِي فِيهِ مِنْ أَرَبٍ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَصِيرٍ إِنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَمْرَ.




فَقَالَ الْأَعْشَى:

أَمَّا هذه فو الله إن في نفسي منها العلالات وَلَكِنِّي مُنْصَرِفٌ فَأَتَرَوَّى مِنْهَا عَامِي هَذَا، ثُمَّ آته فَأُسْلِمُ فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [3]




2- ترك التوبة خوفًا من لمز الناس.

فمن الناس من يظن أن الاستقامة ضعفًا، والتزام الجادة وهنًا، والتقيد بأحكام الشرع سببه عدم القدرة على مواقعة المعصية، فيفعل الذنب حتى لا يساء به الظن بزعمه.




3- ترك التوبة مخافةً سقوط المنزلة وذهاب الجاه والشهرة.

ومن ذلك ما وقع من أبي نواس الشاعر الماجن لما نصحه أبو العتاهية الشاعر الواعظ ولامه على تهتكه في المعاصي، فأنشد أبو نواس:

أتراني يا عتاهي
تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسداً بالنسك
عند القوم جاهي

 

4- التمادي في الذنوب اعتمادًا على سعة رحمة الله.

فمن الناس من يصر على المعصية ويتمادى في الغي، ويسرف على نفسه فإذا عوتب أو زجر عما هو فيه قال: إن الله غفور رحيم على حد قول القائل:

وَكَثِّرْ ما استطعت من الخطايا   ??? إذا كان القدوم على كريم

ويستدل بقول الله تعالى: ? نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ?.[4] الاغترار بإمهال الله للمسيئين.




عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ? وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ?.[5]




6- الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي.

وهذا حال الكفار والفساق الذين لا يحبون اللوم على المعصية، ويستحلون الذنوب، فجمعوا إلى معصيتهم التي اقترفوها معصية استحلال الذنب وهذا أقبح أثراً من الذنب، وأعظم خطراً على العبد.




قال الله تعالى: ? وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ?[6].




[1] رواه مسلم- كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريباً . حديث: ‏233‏.

[2] رواه البخاري- كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى : يريدون أن يبدلوا كلام الله ، حديث:‏7091‏، ومسلم- كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة- حديث: ‏5060‏.

[3] البداية والنهاية - رضي الله عنه 3/ 102).

[4] سورة الحجر: الآية / 49

[5] رواه البخاري- كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب قوله: ? وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ?، حديث: ‏4417‏، ومسلم- كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ، حديث: ‏4786‏

[6] سورة النحل: الآية/35


"
شارك المقالة:
9 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook