غربة شرائع الإسلام: الأسباب والحل

الكاتب: المدير -
غربة شرائع الإسلام: الأسباب والحل
"القراطيس..
فرائض وواجبات فرط فيها كثير من المسلمين والمسلمات (3)




تمهيد
غربة شرائع الإسلام - الأسباب والحل




سنَّة الله:

مضتْ حِكمة الله تعالى وجرتْ عادته سبحانه أن يُديل الأمور والأيام بين الناس، فتتقلَّب وتتحوَّل وتتصرَّف، لا تقرُّ على حال واحدة، فمَن كان في غنًى تحوَّل إلى فقر، ومَن كان عزيزًا تحوَّل إلى ذلَّة، ومَن كان حاكمًا صار محكومًا، ومَن كان قاضيًا أمسى مقضيًّا عليه، وصدَق الله تعالى إذ يقول في ذلك: ? وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ? [آل عمران: 140]، فهو سبحانه وتعالى: ? كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ? [الرحمن: 29]، مِن أمرٍ يُظهِرُه على وفق ما قدَّره في الأزل؛ من إحياء وإماتة، وإعزازٍ وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داع، وإعطاء سائل، وغير ذلك.

 

يَجري هذا كله وفق سُنن ربانية، لا تُحابي أحدًا من الخلق بحال مهما ادَّعى لنفسه من أسباب المحاباة، يُجريها الله لعدوِّه أو عليه، كما تَجرى لوليِّه أو عليه.

 

ولقد كان من مقتضيات هذه السنن أن يأتي على الإسلام أحايين يَضعف فيها، ويَذِلُّ أهله لعدوِّهم؛ لما يَكون منهم مِن تفريطٍ في حق الله تعالى، كما يَضيع مِن الإسلام بعض عرواته، عروةً مِن بعد عروةٍ، كلما تمسَّك الناس بواحدة منها تفلَّتتْ مِن أيديهم، فيتمسَّكون بالتي بعدها، فلا تلبث هي الأخرى أن تَضيع، حتى تُنقض كثير مِن عرى الإسلام، ويَصير أمره إلى غربة، ويكون المُستمسِكون به كالقابضين على الجمر، غرباء بين الناس، وقد جاء مِصداق ذلك، بلْه الإخبار به تفصيلاً مِن لدن الحكيم الخبير عن طريق البَشير النَّذير صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلَّغه لنا نُجباء الرُّواة، وحفظته لنا الكتب الثقات، فمن ذلك:

• قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رَوى ابن حبان في صحيحه، وصحَّحه الألباني، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لتنقضنَّ عرى الإسلام عروةً عروةً، فكلما انتقضت عروة، تشبَّث الناس بالتي تليها، فأولهنَّ نقضًا: الحكْم، وآخرهنَّ الصلاة))[1].

 

• وصحَّ فيها عنه صلوات الله تعالى وتسليماته عليه: الإخبار كذلك باندِراس رسوم كثيرة من الشرائع؛ كما في الحديث الذي رواه ابن ماجه، وصحَّحه الألباني من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يدرُسُ الإسلام كما يدرُسُ وَشْيُ الثوبِ، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسُك ولا صدَقة...)) الحديث[2].

 

• وأخبَرَ صلى الله عليه وسلم أيضًا عن أَمرِ الإسلام، وأنه سيؤول إلى غربة بعد انتقاض هذه العُرى، حتى يصير المُستمسِكون به قلَّةً؛ فروى مسلم عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدَأ، وهو يَأرِز بين المسجدين كما تأرِزُ الحيةُ في جحرها))[3].

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء))[4].

 

وعن سَهلِ بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء))، قال: ومَن الغُرباء يا رسول الله؟ قال: ((الذين يصلحون إذا فسد الناس))[5].

 

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: ((طوبى للغرباء))، فقيل: مَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ((أناس صالحون، في أناس سوء كثير، مَن يَعصيهم أكثر ممَّن يُطيعهم))[6].

 

ففي هذه الأحاديث الإخبار عن غربة الإسلام وأهله في زمن تُنقض فيه عراه وتَندرِس شرائعه، وقد وقَع ما أخبر به الصادق الذي لا يَنطِق عن الهوى.

 

• معنى الغربة المقصود في هذه الأحاديث:

والمقصود بالغُربة في هذه الأحاديث هو أن يَكون المرء على حال مِن الاستقامة ولزوم الجادَّة، ومُجانَبة الفِتَن والأهواء، وملازَمة السمت الذي كان عليه الصدر الأول، مع قلَّة النصير والمعين والمُوافِق، وكثرة المُنابذ والمخذِّل والمُخالف، فيُسمى صاحب هذه الحال غريبًا؛ لعدم موافقته لمن حوله؛ إذ له شأن ولهم شأن، وهو في وادٍ وهم في وادٍ[7]، هذا وجه في تفسير الغربة التي عنتْها هذه الأحاديث، وأخبرت عنها، وثمَّة وجه آخَر، وهو المشقَّة التي يَجدها السالك في التزام السمت، وفي تجنُّب العثرة؛ فإنه كلَّما بعُد عهد الناس بالنبوَّة، زاد الشرُّ وقلَّ الخير، وكثرت المَفاسِد، وقلَّت المَصالح، وأصبَح مِن العَسير تحصيل المَصلحة إلا ومعها قدر مِن المَفسدة، ومِن العسير أيضًا فعل المصلحة الراجحة؛ لكثرة المعوِّقات والمثبِّطات التي تَقعد بالإنسان عن ذلك[8].

 

هذه هي الغربة، وهي غربة ظاهرها العذاب، وباطنها الرحمة، فإن الله تعالى لا يُسلم أولياءه لأعدائه أبدًا، ولكن هذا لمن آمن وصبر وصابر ورابط واتقى.

 

يقول ابن القيم رحمه الله: وهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنَس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشدُّ ما تكون وحشته إذا استأنَسوا؛ فوليُّه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجَفَوْه[9].

 

أقسام الغربة:

يقول الدكتور العودة - أعادَ الله عليه الخير دومًا -: والغُربة المَذكورة على ثلاثة أنواع:

(الأول): غربة شرائع؛ بحيث تُصبح بعض شرائع الإسلام غريبة؛ كالجهاد، والأمر بالمَعروف، والنهْي عن المُنكَر؛ ولذلك وصَف الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلامَ في بدايته وفي نهايته بأنه غريب.

 

(الثاني): غُربة مكان، وهي أن يكون الدِّين غريبًا في بلد مِن البلدان، ويكون أهلُه غرباء في ذلك البلد، بَينما هم في بلد آخَر أعزَّة ظاهِرون؛ فالغُربة تكون في مكان دون مكان.

 

(الثالث): غُربة زمان، وهي الغربة المستحكمة المطبقة على الأرض كلها؛ بحيث يَغدو الدِّين غريبًا في زمن مِن الأزمنة، في بقاع الأرض كلها، كما حدث قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وهذا يكون في أمته صلى الله عليه وسلم بعد عهود عيسى عليه السلام، وقبل الساعة.

 

وقد توجد غربة بعض الشرائع دون بعض، في بعض البلدان، ويَكون بعضها الآخَر ظاهرًا معروفًا.

 

وقد يَحدث لبعض الشرائع غربةُ زمان؛ بحيث تكاد تَندرِس ثم يُحْييها الله بالمجدِّدين، بعدما تغرَّبت في الأرض كلها.

 

أما أنْ تَستحكِم الغربة، وتعمَّ الجاهليَّة الأرض كلها قبل قبض أرواح المؤمنين، فهذا لا يَكون؛ لذا وعد الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه لا تَزال في هذه الأمة طائفة ظاهرة مَنصورة، لا يضرُّهم مَن خذَلهم ولا مَن خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس.

 

• وصْف الغُرباء:

مِن صفات هؤلاء الغرباء - الذين غبطَهم النبي صلى الله عليه وسلم - التمسُّك بالسنَّة إذا رغب عنها الناس، وترْك ما أحدَثوه، وإن كان هو المَعروف عندهم، وتجريد التوحيد، وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترْك الانتساب إلى أحدٍ غير الله ورسوله، وهؤلاء الغُرباء مُنتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر الناس - بل كلهم - لائم لهم.

 

فلغُربتهم بين الخَلق يعدُّونهم أهل شذوذ وبدعة، ومُفارقة للسواد الأعظم.

 

فإذا أراد المؤمن الذي رزَقه الله بصيرةً في دينه، وفقهًا في سنَّة رسوله، وفهمًا في كتابه، وأراه ما الناس فيه مِن الأهواء والبِدَع والضَّلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فإذا أرادَ أن يَسلك هذا الصراط، فليوطِّن نفسه على قدح الجهال وأهل البِدَع فيه، وطعنهم عليه، وازدرائهم له، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه، كما كان سلفهم مِن الكفَّار يفعلونه مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم، فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه، فهناك تقوم قيامتُهم، ويَبغون له الغوائل، ويَنصبون له الحبائل، فهو غريب في دينه؛ لفساد أديانهم، غريب في تمسُّكه بالسنَّة؛ لتمسُّكهم بالبِدَع، غريب في اعتقاده؛ لفساد عقائدهم، غريب في صلاته؛ لسوء صلاتهم، غريب في طريقه؛ لضَلال وفساد طرقِهم[10].

 

وهذه الغُربة التي تقع قسَّمها العلماء فقالوا: هما غُربتان؛ غربة عامة، وغربة خاصة.

 

فالغربة العامَّة: غُربة أهل الإسلام في أهل الأديان؛ وذلك بأن يصير أهل الإسلام في أهل الكفر غرباء؛ لقلَّتهم وكثرة أهل الكفْر، ضُعفاء؛ لوهنِ قوَّتِهم وندرَةِ عَتادهم بجوار قوة الكافرين وكثرة عتادهم وعددهم.

 

وقد قدَّر الله تعالى أن تكون هذه صفة الخَلق أجمعه على مدى الزمان وطوله، فيكون العارفون به مِن عباده بالنظر إلى مَن يُنكرونه قليلين، ومَن يَعترف بنِعَمِه ويَشكر فضله بالنسبة لمن يُنكِرُها ويَجحدُها نادرين؛ قال الله تعالى: ? وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ? [سبأ: 13]، وقال تعالى: ? وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ? [هود: 40]، وغير ذلك من الآيات، ومثلها الأحاديث النبوية عن خير البرية صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخبر عن ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كُنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قبَّة، فقال: ((أترضَون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟))، قلنا: نعم، قال: ((ترضون أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة؟))، قلنا: نعم، قال: ((أترضَون أن تَكونوا شَطْر أهل الجنَّة؟))، قُلْنا: نعم، قال: ((والذي نفس محمَّد بيدِه، إني لأرجو أن تَكونوا نصف أهل الجنة؛ وذلك أنَّ الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشَّعرة السوداء في جلد الثور الأحمر))[11].

 

فهذه غُربة الإسلام العامة، وهي غربته بين أهل الأديان.

 

الغربة الخاصَّة:

وأما الغربة الثانية - وهي الغربة الخاصة - فهي: غُربة أهل السنَّة في الأمة:

قال سفيان الثوري رحمه الله: استوصوا بأهل السنَّة خيرًا؛ فإنهم غرباء[12].

 

وقال: إذا بلغَك عن رجل بالمَشرق صاحب سنَّة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما السلام، وادعُ لهما، ما أقلَّ أهل السنَّة والجماعة[13].

 

وقال أبو بكر بن عياش: السنَّة في الإسلام أعزُّ مِن الإسلام في سائر الأديان[14].

 

وقال الأوزاعي: أما إنه ما يذهَب الإسلام، ولكن يَذهب أهل السنَّة، ترفقوا - يرحمكم الله - فإنكم مِن أقلِّ الناس[15].

 

فـ دوائر النَّجاة في الدنيا والآخرة ثلاث دوائر، بعضها أضيَق مِن بعض:

• فأوسعها دائرة (الإسلام)، الذي هو ضمانة دخول الجنة؛ فإنَّ الله تَعالى حرَّم الجنة على الكافرين؛ فالجنَّة لا يدخلها إلا نفسٌ مسلمةٌ، فمَن كان مسلمًا، فهو مِن أهل الجنة، مرتكبًا ما ارتكب من المعاصي، مُتَّبِعًا ما اتَّبع من البدع، ولكنَّه يُعَذَّبُ بقدر بدعته ومعصيته ما شاء الله، ثم يصير إلى الجنة، إلا أن يَتجاوز الله عنه.

 

• ثم الدائرة الثانية: دائرة (الفرقة الناجية)، السالِمة مِن البِدَع والانحرافات، وهي أضيق من الأولى، ولهذه الفِرقة مِن الخيرية والاستقامة والفوز في الدارين ما ليس لعموم المسلمين؛ لسلامتها مما ابتُلي به عامتهم من الوقوع في أَسرِ الشُّبهة أو الشَّهوة.

 

• وأضيق منها الدائرة الثالثة، وهي دائرة (الطائفة المنصورة)، وهي جزء مِن الفِرقة الناجية، تميَّزت عن سائرها بالقيام بالأمر، وتحمُّل أعباء الجهاد وتَبعاته، والتصدِّي للأمر بالمعروف، والنهي عن المُنْكَر، وبناء الحياة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنَّة، ومُقارَعة الظالِمين، والفاسِقين، والمنافقين، والكافرين.

 

وهذا المَقام أشرف المقامات، وأعلاها، وأسماها، وأهله هم خاصَّة المؤمنين، وخلاصة المتَّقين، وخيرة أتباع سيد المرسلين، جعلنا الله منهم أجمعين[16].

 

زماننا زمان الغربة والغرباء:

وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مِن ضياع كثير مِن شرائع الدين، وقد ضيعت فيه فرائض، وأهملت واجبات، وهجرت سنن كثيرة كثيرة، وصار أهله المستمسكون به على السبيل والنهج الأول الذي كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام قلَّة، واستوحش في زماننا الصالِحون العاملون بالسنَّة، بل اضطهدوا وضيق عليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

والأدلة على ذلك ظاهرة واضِحة، والمَظاهر الدالة عليه بينة متفشية، وهذا الكتاب أجمعه بما حوى من أدلة النقل، وأدلة الواقع، وبراهين العقل: برهان ساطع ودليل قاطع على صحة ذلك، وستجد في ثنايا هذا الكتاب الكثير والكثير، مئات الوثائق والشهادات على أننا نعيش عصر غربة حقيقية، لا على مستوى الإسلام بين أهل الأديان فحسب، وإنما على مستوى أهل الإيمان بين أهل الإسلام، وعلى مستوى أهل السنَّة بين أهل الإيمان كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

• فضْل الغرباء:

وهؤلاء الغرباء الذين يَستمسكون بالدِّين وبالسنَّة - على رغم ما يلقون مِن الأذى والعنت في سبيل ذلك إلى الحد الذي وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه القبض على الجمر - لهم عند الله على صبرهم ذاك عظيم الأجر، وواسع الفضل، وعميم الثواب، وقد وردَت بذلك في شأنهم وتعظيم أجر صنيعِهم الأخبار مِن السُّنن والآثار وأقوال الأئمة الأخيار ما تقرُّ به عيون الموحِّدين في زمن غربتهم، ويَأنسون به في وحشتِهم، ولنُشِرْ إلى غيض من هذا الفيض؛ فمِما لهم به البُشرى ما يلي:

• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دِينه كالقابض على الجمر))[17].

 

• وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر))[18].

 

• ورَوى الطبرانيُّ في الكبير، وصحَّحه الألبانيُّ، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ مِن ورائكم أيام الصبر، للمُتمسِّك فيهنَّ يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم))، قالوا: يا نبيَّ الله، أو منهم؟ قال: ((بل منكم))[19].

 

• ورَوى مسلم وغيره من حديث معقل بن يسار: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((العبادة في الهرج كهجرةٍ إليَّ))[20]، قال المناوي: العبادة في الهرج - أي: وقت الفِتن واختلاط الأمور - كهجرة إليَّ في كثرة الثواب[21].

 

• وتأمَّل كيف قال صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريبًا))، فقال: ((بدأ الإسلام)) ولم يقل: بدأ المسلمون، فأنتَ - أيُّها الغريب - تمثِّل الإسلام، هو أنت، وأنت هو.

 

• أسباب الغربة ووسائل دفعها:

ما هي الأسباب التي أدَّت بنا إلى هذه الغربة التي وصفنا حالها؟ وأنى السبيل إلى الخروج منها؟ هذا هو المهم؛ ولذا فلنتعرف أولاً على أسبابها، ثم نشير بعدُ إلى ما وضَع العلماء من وسائل لدفعها وردِّها.

 

أولاً: أسباب غربة أهل الفِرقة الناجية:

إنَّ الفرقة الناجية غريبة بالنظر إلى كثرة الفرق المُخالفة لها، وأفرادها غرباء بالنظر إلى كثرة المنحرفين والهالكين، ولهذه الغربة أسباب عديدة؛ منها:

1- كثرة الأقاويل والمُعتَقدات والآراء المخالفة للكتاب والسنَّة، وكثرة الدُّعاة إلى تلك الآراء والمُعتَقدات والأقاويل، فيلتبس على كثير من الناس الحقُّ بالباطل، والسنَّةُ بالبدعة، ويُصبح كثير منهم يتَّبعون البدعة يظنُّونها سنَّة، ويُحاربون السنَّة يظنُّونها بدعة، فيغدو المؤمن المتَّبع للسنة، السائر على البيِّنة الربَّانية، غريبًا بينهم؛ لاتِّباعه وبدعتهم، وعلمه وجهالتهم، وقلَّته وكثرتهم، وتعظم الغربة حين تصبح هذه الآراء المبتَدَعَة والعقائد المنحرفة دينًا يَدين به الكبراء؛ من السلاطين، والرُّؤساء، والمَنسوبين إلى العلم والشرع، فيُطْبِقُ على العامة الجهلُ بالسنَّة، والإنكار على أهلها، وما يزالون يتوارثون ذلك، يتواصون به، حتى يصبحَ عُرفًا جاريًا، مَن خالفه تعرَّض للسَّبِّ والتَّنقيصِ، والزراية والاتِّهام.

 

2- اتِّباع الهوى، وانتِشار العصبيَّة للمذاهب والآراء، حتى ليصبح الداعي إلى السنَّة كأنه يدعوهم - فيما يَحسبون ويظنُّون - إلى اتباعه، وترك أشياخهم ومقدَّميهم، وليس يدعوهم إلى اتِّباع السنَّة وهجر البدعة، فتتحرَّك في النفوس العصبيَّة للشيخ والمذهب والطريقة، وتمنع كثيرًا من الناس من سماع الحق - أصلاً - فضلاً عن اتِّباعه، وكم حالَ الهوى دون اتِّباع النصِّ المحكم المنزَّل، وأضلَّ عن سبيل الله! قال تعالى: ? يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? [ص: 26].

 

3- قلَّة الإنصاف بين الناس، وضعف الخوف مِن الله، مما يجعل بعضهم يحمل على المخالف، ويُجلب عليه بخيله ورَجِلِه، وينسب إليه كلَّ نقيصة، ويَجْحَدُ ما يعلم فيه من الفضل، ويفرِّع على أقواله فروعًا ليست صحيحة؛ ابتغاء تنفير الناس عنه، وعن منهجه: فإذا كان هذا المخالف لهم متَّبعًا للكتاب والسنَّة، وأنكر ما عليه مُدَّعو التصوُّف من الأحوال المنافية للشرع؛ نسبوه إلى معاداة أولياء الله، وحربهم وبغضهم، وإذا أنكر ما عليه السلاطين مِن مُخالَفة الشرع، أو اتِّباع المناهج الوضعية، أو ظلم الرعية، أو موالاة أعداء الدين - رُميَ بأنه مِن الخوارج المارقين، والبُغاة الضالِّين، وإذا أنكَر ما عليه العوام مِن البدع والعوائد والمحدثات التي قامَت فيهم مقامَ العُرْف الذي يتوارثونه خلفًا عن سلف - رُميَ بأنه متشدِّد متنطِّعٌ ملزمٌ الناسَ بالحرج في دينهم، ليس هذا فحسب، بل إنَّ كثيرًا مِن الناس لا يَجدون حرجًا في اختراع الأقاويل، وتزوير الحكايات التي ليس لها أصْل، وترويجها بين الناس؛ لصدِّهم عن دُعاة الحق والخير والسنَّة، وإنه لأمر صعب أن يُصبح الداعي إلى منهج الفرقة الناجية، وإلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإلى اتِّباع الكتاب والسنَّة - متَّهمًا بين الناس، تشير إليه الأصابع بالرِّيبة، وتتناوله الألسنة بالبهتان.

 

ويَستحكم طوق الغربة حول متَّبعي السنَّة إذا كانت الدولة لأهل البدع، والتفَّ حول السلطان علماء السوء الذين يزيِّنون له الباطل، ويَأمُرونه به، ويُبغضون له الحق، ويَنْهونَه عنه، حتى يُشرَب قلبُه حبَّ البدعة وأهلها، وبغضَ السنَّة وأهلها، فيُوَلِّي أهل البدع ويَستعملهم، ويقرِّبهم، ويستنصح لهم، فيَحمل هؤلاء الناس على بدعتهم وضلالهم، ويُمكِّنون لمَن كان على مثل حالهم، ويضيِّقون على أهل السنَّة، وقد يُخيفونهم ويفتنونهم؛ كما حدث للإمام أحمد، وابن تيمية، وغيرهما.

 

ومثل ذلك أن تكون الدولة لأهل الإلحاد والكفر بالله من منتحلي المذاهب الوضعية البشرية؛ كالعلمانية وغيرها؛ فإن هؤلاء لا يرضون أن يكون للدين موقعٌ في المجتمع، ولا أن يكون لأهله مكانةٌ بين الناس، ويعدُّون تحكيم الشرع في الأنفس، والأموال، والأعراض، والدماء، وسائر شؤون الحياة، نوعًا من الزج بالدين في أمور لا علاقة له بها أصلاً؛ إذ الدين - في عقدهم - علاقة بين الخالق والمخلوق، تقتصر على أداء شعائر معيَّنة في المسجد، أو الكنيسة، وينتهي الأمر عند هذا الحد، وهؤلاء وإن كانوا حربًا على الدين كله، فإنَّ حربَهم لأهل السنَّة والأثر أشدُّ، وعداوتهم لهم أعظم؛ لأنَّهم يَجدون كثيرًا من أهل البدع يوافقونهم فيما يريدون، من عَزْل الدين عن الحياة؛ كما هو منهج الطرق الصوفية مثلاً.

 

فهذه الأسباب وغيرها تضاعف غربة (الفرقة الناجية) - سواء من الناحية الفردية أو الجماعية - وتحيطها بنوع خاص من الغربة، يضاف إلى الغربة العامَّة الشاملة التي تواجهها هذه الفرقة؛ لأنها فئة من المسلمين، والمسلمون بين أهل الأرض غرباء، وللمستقيمين على الجادة، السالكين الطريق المستقيم مِن هذه الغربة أوفاها وأكملها.

 

فالفرقة الناجية تعيش غربة المسلمين بين أهل الملل والأديان الأخرى في سائر أقطار الأرض، وتعيش غربتها الخاصة بين المسلمين، والتي تُحْكِم خيوطها أيدي المسلمين أنفسهم!

 

ومع ذلك فهذه الفرقة مطالَبة بالقيام بأمر الله، ونشر دينه ودعوته، والصَّدْع بما لديهم من علم وفهم، ومعالجة لهذه الغربة، والقيام بتجديد الدين بين المسلمين، وإقامة الحُجَّة على أهل العصر، وعدم الاستسلام لليأس، أو الرُّكون إلى الدَّعة، ويتولَّى عظم هذا الأمر وجملَته الطائفة المنصورة، وهي من الفرقة الناجية.

 

فوصفهم بالغربة ليس حثًّا على الاعتزال، ولا أمرًا بالقعود، بل هو دعوة إلى التميُّز بالمنهج المستقيم، والصبر عليه، وإعلانه، والدعوة إليه، والاجتماع حوله؛ إذ إن ذلك كله من أسباب اندفاع الغربة وزوالها، ومن أسباب الاستِمساك بالحق الذي يحمله المغترب؛ فالمضحِّي في سبيل شيء ما يعزُّ عليه أن يتخلَّى عنه، وحين يكون هذا الشيء هو الحق، يكون ذلك من سعادة المسلم وتوفيقه[22].

 

• ثانيًا: من وسائل دَفع الغُربة:

وإذا كان الأمر كذلك، وجب على أهل هذه الفرقة الناجية التعرُّف على أسباب ووسائل دفع الغربة، والعمل على الأخذ بها، وفيما يلي نعرض لأهم هذه الأسباب والوسائل.

 

فهذه الغربة وإن كانت قدر الله تعالى الذي قدره على عباده وقضى به عليهم، لكنهم مأمورون شرعًا بدفعها، ودفعهم لها ليس مصادَمة للقدر، وإنما هو أيضًا قدر من الله، وهذه قاعدة قلَّ مَن يتفطَّن لها؛ فالمؤمن مأمور بمُنازَعة قدر الله الكوني بقدر الله الشرعي، ولأنه مأمور بالعمل بأسباب هي في ذاتها العمل على دفع هذا القدر، ومِن ثَمَّ وجب على المسلم أن يعمل على دفع الغربة عن دينه وعن منهجه وعن نفسه، ووسائل دفع الغربة كثيرة، فصَّلها العلماء، ومِن أهمِّها:

1- التعريف بالإسلام والدعوة إليه بين غير المؤمنين به؛ وذلك لإزالة الجهالة عنه لدى من لا يعرفه، ودفع الشبهات والمُغالَطات التي تفترى عليه عنده.

 

2- الدعوة إلى الله تعالى بين أهل الإسلام، والتذكير بالله تعالى، وبث أوامره ونواهيه بين عباده؛ حتى يتحقَّقوا صراطه المستقيم وطريقه القويم.

 

3- الأمر بالمَعروف والنهي عن المنكر؛ فالواجب على أهل الإسلام أن يذكِّروا بالله تعالى عن طريق هذه الشعيرة؛ أمرًا بالمعروف بمعروف، ونهيًا عن المنكر في غير منكر، سواء عالمهم وعاميُّهم في ذلك.

 

4- الجهاد في سبيل الله لمن أبى إلا الافتراء على الله ورسوله، ووقف في سبيل نشر كلمته، وعادى أهل الإسلام، وأبى إلا إعلان الحرب السافرة عليهم في الليل والنهار، بشرائط الجهاد وضوابطه ومراحله التي أوضحتها الشريعة، وبيَّنها الربانيون من العلماء والدعاة.

 

5- الصبر والثبات على الدين، والاستمرار عليه، وعدم الاكتراث لخِذلان مَن خذل.

 

وقد ثبت الوعد النبوي باستمرار هذه الشرائع، ووجود من يقوم بها، ويدفع بها غربة الإسلام على مدار الزمان:

• حيث ثبت أن الجهاد ماضٍ إلى أن تقاتِل الطائفةُ المنصورة المسيحَ الدجال.

 

• وثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهمات الطائفة المنصورة أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران: 104]؛ فالأمة المذكورة في الآية هي أمة مِن الأمة، تتولى حمل هذه المُهمَّة، وهي أمة باقية إلى قيام الساعة.

 

• وثبت أن في آخر الزمان قومًا صُبرًا، يقبضون على دينهم، ويصبرون عليه، حتى لَيكون حالهم كحال القابض على الجمر، وحتى لَيكون للواحد منهم أجر خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

• إضافةً إلى أن الثبات والاستمرار على الدين، وعدم الاكتراث لخِذْلان الخاذل، وخلاف المخالف، ونواء المناوئ - هي من خصائص الطائفة المنصورة الباقية في الأرض إلى أن يأتي أمر الله.

 

فهذه مُجمل الأسباب التي يأخذ بها أهل الغربة ليدفعوا بها غربتهم، وليستبشروا بوعد الله لهم، ووعد رسوله أنهم هم المنتصرون، وأنهم هم الغالبون، على الرغم من قلتهم وغربتهم.

 

وهل انتصر الإسلام إلا من قلة؟ وهل غلب إلا لما اغترب؟

وفي أحاديث الإخبار بغربة الإسلام: البشرى بانتصاره وعزة أهله؛ فإن فيها الإلماح إلى غربة الإسلام الأُولى التي زالت على أيدي النبي الأمين صلى الله عليه وآله وسلم ومَن معه من المؤمنين الصادقين، وفي هذا البشارة بزوال غربة الإسلام الثانية، ولكنها تحتاج إلى أمثال هؤلاء الصادقين، وهم - بحمد الله تعالى - كثر في الآفاق، قد بدت أنوارهم تشرق، تسد جموعهم عين شمس الظهيرة، وعلى الأكوان بدأ بدرهم يظهر، يتضاءل أمام نورهم نور بدر التمام.

لئن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا
فلله أوسٌ قادِمون وخزرجُ
وإن كُنوزَ الغيب تُخفي طلائعًا
مجاهدة رغم المكايد تَخرجُ

 

فصبرًا، فما هي إلا ساعة ثم تنقضي، ويصبح بعدها ذو الأحزان فرحان جاذلاً.




[1] رواه ابن حبان في صحيحه (6839)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (9206).

[2] رواه ابن ماجه (4049)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8077).

[3] رواه مسلم (146)، وأصل الأَرْز: الاجتِماع والانقباض، والمعنى أنه يرجع إليها، ويَجتمع بعضه إلى بعض فيها، وانظر: النهاية في غريب الحديث (1 / 37)؛ لابن الأثير، وشرح مسلم (2 / 177)؛ للنووي.

[4] رواه مسلم (208)، وطوبى: فُعلى مِن الطيب، كما قال الفراء، قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء، وقيل معناها: الخير والفرح والنعيم، وقيل: الجنَّة، وقيل: شجرة في الجنة؛ انظر: شرح مسلم للنووي (2 / 176)، والنهاية؛ لابن الأثير: (3 / 141).

[5] رواه الطبراني في الأوسط (3056)، وصححه الألباني في الصحيحة (1273).

[6] رواه أحمد (6650)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3921).

[7] رسائل الغرباء، الرسالة الأولى (ص: 19)؛ لفضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة.

[8] نفسه (ص: 25،24).

[9] مدارج السالكين، (3 / 196)، لابن القيم.

[10] مدارج السالكين (3 / 194 - 201).

[11] متفق عليه، رواه البخاري (6047)، ومسلم (324).

[12] اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، (1 / 66).

[13] نفسه، (1 / 66).

[14] نفسه، (1 / 66).

[15] كشف الكربة في وصف أهل الغربة (ص: 7)؛ لابن رجب الحنبلي.

[16] انظر: رسائل الغرباء، الرسالة الثانية: صفة الغرباء (ص: 4، 5).

[17] رواه الترمذي (2260)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8002).

[18] رواه الحكيم الترمذي عن ابن مسعود، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6676).

[19] رواه الطبراني في الكبير (10394)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2234).

[20] رواه مسلم (1948).

[21] فيض القدير (4 / 373).

[22] رسائل الغرباء (2 / 75).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook