فرج بين مشنقتين

الكاتب: المدير -
فرج بين مشنقتين
"فرج بين مشنقتين




في صباح يومٍ ماطرٍ ذهبتُ للعمل كعادتي في الصباح الباكر، وكان يركب معنا ذو شيبةٍ، تبدو عليه أمَارات الحكمة، لم يكمل الطريق؛ فقد وصل مبتغاه في منتصفِها.

 

كنت أجلسُ خلفه وهو يُحدِّث السائق، أسمع بعض كلامه، وبعضه لا يصلني صوته بسبب الضجيج، غير أن قصةً قصيرة تسلَّلت منه إلى أذني، من أوَّلها لمنتهاها، قبل أن تبلغ طريقه منتهاها، مُفادها:

أن رجلًا حُكِم عليه بالإعدام، فلما سِيق إلى المشنقة وعُلِّقت عليها رقبته، سألوه: ألك أمنية؟ قال: واحدة، قالوا: وما هي؟ قال: خذوني لتلك المشنقة، وأعدومني عليها.

 

تعجَّبوا من طلبه، فالموت واحد وإن تعدَّدت المشانق، غير أنهم فعلوا مرادَه، فهي آخر أمنياته، وأثناء سيره مُقيَّدًا إلى ما يظنُّ أنه أجله، يأتي منادي الملِك: أن قد صدر عفوٌ عامٌّ، ففُكَّت عنه القيود والمشنقة.

ما بينَ غمضةِ عينٍ وانتباهَتِها ??? يُغيِّرُ اللهُ مِن حالٍ إلى حالِ

 

الذي يكشفُ البلوى هو الله، في ظلِّ ما تشهده المِنْطقة اليوم من اضطرابات، ومن تهجير وفقر، وهموم وغموم وأحزان، ينبغي أن تتَّجه القلوب إلى الله، وتوقن أن لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه؛ فمَن لم تُقرِّبه الشدة، قد لا يقربه الرخاء!

 

وقد ذم الله قومًا من القاسية قلوبُهم، ما عرَفوا الله في ضرَّاءَ ولا سرَّاء، ولا ذكَّرهم البأس والبلاء بالافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، القائل: {? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [الأنعام: 42، 43].

 

إن الله سبحانه وتعالى إذا توجَّهت له القلوبُ وحدَه وليس لسواه، أجاب مبتغاها، فانظر كيف كان حال المشركين إذا ركِبوا في السفينة وتلاطمت بها الأمواج، كانوا يُخلِصون الله في القصد، ? فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ? [العنكبوت: 65].

كم نطلبُ اللهَ في ضرٍّ يحلُّ بنا
فإن تولَّت بلايانا نَسِيناهُ
نَدْعوه في البحرِ أن يُنجي سفينَتَنا
فإن رجَعْنا إلى الشاطي عَصَيناهُ
ونركبُ الجوَّ في أمنٍ وفي دَعَةٍ
فما سقَطنا لأن الحافظَ اللهُ




ومن هذا الباب ما ذكره ثمانية عشر أمريكيًّا - أصحاب كتاب الله يتجلَّى في عصر العلم - أنهم نزَلوا في سفينة في المحيط الأطلنطي، فانقطع جهاز الإرسال وانقطعوا عن الاتصال بالأمريكان وبالسفن المحيطة، فغاصَت بهم السفينة، وعادت الفطرة إلى الله ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? [الروم: 30]، وأخَذوا يقولون بلغتهم: يا ألله، (قود قود)، فأخرجهم الحي القيوم ونجاهم، فأسلَموا.

 

فيا أصحاب الهموم، يا أصحاب الأحزان والابتلاءات والكرب، أفرادًا وشعوبًا، ليس لها من دون الله كاشفة، أَنيبوا إلى الله سبحانه وتعالى بالتوحيد، وبالتوبة، وبالدعاء والاستغفار، فـ((مَن لزِم الاستغفار، جعل الله له مِن كل همٍّ فرجًا، ومِن كل ضيق مخرجًا))، وتأمَّلوا في قصص أنبياء وصالحين وغيرهم، لَمَّا قصدوا الله، ماذا كانت النتيجة؟ واقرؤوا كتاب الفرج بعد الشدة؛ للتنوخي، تجدوا عجبًا.

 

فمهما تعددت الظلمات، ثقْ وناجِ ربَّ الأرض والسموات، فرُبَّ كلمةٍ تُحدِث فرجًا، فكلمة يونس عليه السلام: ? لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ? [الأنبياء: 87]، كانت سببَ إخراجه من ظلماتٍ ثلاث: ظلمة الليل، وبحر عميق، وبطن الحوت.

يا صاحب الهمِّ إنَّ الهمَّ منفرجٌ
أبشِرْ بخيرٍ فإنَّ الفار?جَ اللهُ?
إذا بُليتَ فثِقْ باللهِ وارضَ بهِ
إنَّ ال?ذي يكشِفُ البلوى هُوَ اللهُ

"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook