فضفضة (خاطرة)

الكاتب: المدير -
فضفضة (خاطرة)
"فضفضـة




بالأمس فقط دخلت إلى المدرسة لأول مرة، أذكر أن أمي رحمة الله عليها ألبستني ثيابًا جديدة، لا أزال أذكر لون اللباس الشتوي الذي ارتديته ذاك اليوم، كان يميل إلى الاصفرار، وكنزة الصوف كانت بلون أرجواني، أما الحذاء الشتوي فكان - أيضًا - بلون أرجواني غامق، كنت سعيدة بذاك الحذاء، فلم يكن الكثيرون يمتلكون مثله، وكنت سعيدة بالثياب أيضًا، وبالأدوات المدرسية الجديدة، كل شيء كان مناسبة وجيهة للسعادة، وكل شيء كان له طعم السعادة.

 

لم يكن بُعْد المدرسة يضايقني، كان إخوتي يصطحبونني إليها كل صباح، ويعيدونني إلى البيت في المساء، كان قسمي الأول يفرحني كلما دخلته رغم ضيقه، فقد أجلسني المعلم مع تلميذتين في الطاولة ذاتها، لم يكن مكاني ذاك مريحًا، ولكني مع ذلك لم أشتكِ منه، فلم يكن هناك مكان آخر لي، فقد كنت آخر من دخل إلى المدرسة ذاك العام، ولم يكن من المفروض أن أدخل لصغر سني، ولكن حماسي الشديد فرض على عائلتي إدخالي إلى المدرسة قبل الأوان، كل ذلك كان بالأمس فقط!

 

لا أزال أذكر التفاصيل الصغيرة، وألعاب الساحة، وأصوات التلاميذ وهم يلعبون، لا أزال أذكر الأوراق المتساقطة من الأشجار، القريصات والخشيبات، والأسهم التي كان علينا ربط أطرافها في الكتب، لمسات الريح الباردة على وجهي ويدي، لا أزال أذكر الأناشيد التي كنا ننشدها مع المعلم، لا تزال ترن في أذني، والحنين إليها يعصف بي كلما زارتني، كان ذلك بالأمس فقط!

 

هل تذكرون تفاصيل بداياتكم أيضًا؟ عمرٌ مديد جاء بعدها في أقل من رمشة عين، يمر عليَّ كشريط فيلم سريع، والأصوات فيه تتداخل بسرعة، والمَشاهِد تتسارع إلى حد الدوار، والقلب يكاد يسقط مغشيًّا عليه من الألم، والذاكرة تلهث بجنون!

 

أشخاصٌ غادروا الحياة من حولي، وآخرون وُلدوا، وآخرون لا يزالون يسيرون معي إلى حين، ولست أدري من يغادر منا أولاً، وليس لذلك أهمية؛ فكلنا مغادرون على أية حال، وأدرك - كما يدرك الكثيرون - أنه لم يبقَ من العمر أكثر مما مضى، لا أحلم بطول العمر، ولا أرجوه من الله، فضريبته أكبر من أن أتحملها، طاقتي أضعف من أن تقدر عليها، وإني أرى نفسي - كما يراها الكثيرون - غدًا على النعش لأسباب نجهلها اليوم، محمولين إلى دار جديدة لمهلة مؤقتة أخرى، في انتظار موعد صحو آخر، عمرٌ ينحت مروره على أجسادنا وقلوبنا وذاكرتنا، ويَعْبُرنا بسرعة الذكرى، ينبهنا ونحن في لهاثنا أن الغد قد اقترب، وأننا يقينًا سنمضي كما مضى مَن سبقونا؛ لنصبح - أيضًا - مجرد ذكرى، وبعدها قد تُمحى الذكرى - أيضًا - وتتحول أسماؤنا إلى لا معنى.

 

فطرة الإنسان تدفعه دومًا إلى الإبقاء على أيِّ أثر له يُبقي له ذكره بعد رحيله، قد يكون في عمران يخلفه وراءه، أو كتب يُحمِّلها ذاكرته وقلبه، أو قد يكون شيئًا من جسده يهربه في رحم يبعث منه وجوده في صورة أخرى، قد يكون ميراثًا يستمر مع آخرين بعده، لا بد من أثر، ولا بد من بقية تشهد على مرورنا السريع هذا، ولا بد من أثر يستمر بعد فنائنا، بل ويضمن لنا ما بعد مرورنا الدنيوي هذا، لا يهم كثيرًا أن يكون عظيمًا، الأهم أن يكون القلب فيه حاضرًا، وموصولاً بالذي يعرف حقيقته، لن يكون لهالات الوهم يومها - والتي نوهم بها ذواتنا اليوم - أيُّ معنًى، لا العائلة، ولا الأصدقاء، ولا الألقاب، ولا الثروات، لا شيء مهم في حد ذاته سوى سبل توظيفه، والنيات الدافعة إليه.

 

ما أقرب الأمس! وما أقرب الغد! وما أسرع اليوم! يشبه حصانًا مضروبًا بشدة، فهو يعدو هاربًا وخائفًا، يلهث من التعب، ولكنه مع ذلك يستمر في عَدْوِه، وينسى أن ينظر حوله، ولا يجرؤ على التوقف حتى يسترجع أنفاسه، يستمر في عَدْوِه ذاك حتى يتوقف قلبه، ويسقط في مكان ما، وتنتهي ملحمة عَدْوِه، لو أننا فقط تجرأنا على التوقف للحظات حتى نسترجع أنفاسنا!


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook