فعل الخيرات ومفاهيم إعجازية للعطاء والوقاية

الكاتب: المدير -
فعل الخيرات ومفاهيم إعجازية للعطاء والوقاية
"فعل الخيرات ومفاهيم إعجازية للعطاء والوقاية




العطاء والوقاية وحماية المجتمعات ضد كلِّ الأمراض والمخاطر الاجتماعية هي القيمة المقابلة المنتظَرة لكلِّ عطاء خيري في الإسلام، والعطاء المنتظَر ليس هو العطاء الذي يعود على المسلم المنفِق؛ بل هو العطاء الذي يَصدر من المنفَق عليه ليكون منتجًا ويكفي نفسَه بنفسه، ويقيها بما قُدِّم له شرورَ الفقر والحاجة؛ فهذه هي الرؤية النموذجيَّة للعطاء الفاعل الذي يُحدث أهمَّ وأكبر قيمة تعود على الإنسان والمجتمعات المسلمة.

 

وهذه النَّظرة الرحيمة والإيجابية لم تكن لتمرَّ مرور الكرام إذا كانت تقدَّم لغاية وقصد عظيم، ومن أجل ربٍّ كبير وكريم يُحسِن العطاء، ويُجزِل الجزاء؛ فالجزاء دائمًا من جنس العمل، وما أجمَلَ الجزاءَ وأعظَمَه إذا كان ربَّانيًّا وإذا كان العمل قد قُصد به وجهه الكريم! فالجزاء يَفوق العمل؛ لأنَّه من ربٍّ كريم جوَاد كثير العطاء والمنح، للدرجة التي يصبح فيها إعجازيًّا لا يمكن الوقوف أمامه إلَّا لإكبار وتَسبيح الربِّ الكريم الجواد؛ فالحسَنة في الإسلام بعَشرة أمثالها، فقال الله سبحانه وتعالى: ? مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ? [الأنعام: 160]، وتصِل المضاعفة إلى سبعمائة ضعف.

 

اليقين بإعجاز عطاء رب العالمين:

وكان الصَّحابة رضوان الله عليهم يتسابقون إلى نَيل ذلك العطاء، والحصول على هذا الدَّعم الربَّاني، الذي يُضاعف إلى أضعاف كثيرة؛ فها هو عثمان بن عفَّان رضي الله عنه؛ كما روي عن ابن عبَّاس قال: قحط المطر على عهد أبي بَكر الصدِّيق، فاجتمع الناس إلى أبي بكر فقالوا: السماء لم تمطِر، والأرض لم تُنبت، والناس في شدَّة شديدة! فقال أبو بكر: انصرفوا واصبِروا؛ فإنَّكم لا تُمسون حتى يُفرج الله الكريم عنكم، قال فما لبثنا أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُرًّا - أو قال: طعامًا - فاجتمع الناسُ إلى باب عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملَأ من الناس، فقال: ما تشاؤون؟ قالوا: الزمان قد قحط؛ السماء لا تُمطر، والأرض لا تُنبت، والناس في شدَّة شديدة، وقد بلَغنا أنَّ عندك طعامًا، فبِعْنا حتى نوسِّع على فُقراء المسلمين، فقال عثمان: حبًّا وكرامة، ادخلوا فاشتروا، فدخل التجَّار، فإذا الطعام موضوع في دار عثمان، فقال: يا معشر التجَّار، كم تربحونني على شرائي من الشام؟ قالوا: للعشرة اثنا عشر، قال عثمان: قد زادوني، قال التجار: يا أبا عمرو، ما بقي بالمدينة تجَّار غيرنا، فمَن زادك؟ قال: زادني الله تبارك وتعالى بكلِّ درهم عشرة، أعندكم زيادة؟ قالوا: اللهمَّ لا، قال: فإنِّي أُشهِد الله أنِّي قد جعلتُ هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين، قال ابن عبَّاس: فرأيتُ من ليلتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يَركب على برذون أبلق (الذي فيه سواد وبياض) عليه حُلَّة من نور، في رجليه نعلان من نور، وبيده قصبة من نور وهو مستعجل، فقلت: يا رسول الله، قد اشتَدَّ شَوقي إليك وإلى كلامك، فأين تُبادر؟ قال: ((يا بن عباس، إنَّ عثمان قد تصدَّق بصدقة، وإنَّ الله قد قَبِلها منه وزوَّجه عروسًا في الجنَّة، وقد دُعينا إلى عرسه))؛ (تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه)؛ د. علي محمد الصلابي.

 

فعل الخيرات بركة وعلاج ووقاية:

لا يتوقَّف عطاء الله الجزيل الذي يصِل مَداه لدرجة الإعجاز الذي لا يطوله ندٌّ، ولا يقترب منه جزاء، والإعجاز في العطاء الربَّاني أنَّه عطاء دنيوي إضافة إلى العطاء الأخروي؛ وهو جنَّات عرضها السموات والأرض من قِبَل ربِّ العالمين، والعطاء لا يُشترط أن يكون عطاءً ماديًّا مباشرًا، ولكنَّه يتنوَّع لأشكال متعددة؛ منها البرَكة في المال وفي العمر وفي الذريَّة، والشفاء والعلاج وسلامة النَّفس والروح، والوقاية من سوء المنقلَب ومن مَصارع السوء.

 

البركة في المال وفي العمر وفي الذرية:

البركة في الرِّزق وفي العمر وفي الولَد عطاء ربَّاني لا يُدانيه عطاء، وهو إعجاز بكلِّ الحسابات وبكلِّ المقاييس؛ فقد وردَتْ نصوص كثيرة في القرآن الكريم وفي السنَّة النبويَّة المطهَّرة تدلُّ على أنَّ فِعل الخيرات والإنفاق في أوجُه الخير من الأسباب التي تحلُّ بها البركة، وتتَّسع بها المعايش والأرزاق؛ ومنها قوله تعالى: ? قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ? [سبأ: 39].

 

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير ذلك: أي: مهما أنفقتم من شيءٍ فيما أمركم به وأباحَه لكم، {فَهُوَ يُخْلِفُهُ} عليكم في الدنيا بالبَدَل، وفي الآخرة بالجزاء والثَّواب؛ وهذا البدل يَشمل المالَ والعمر والذريَّة.

ومنها قول النَّبي الكريم صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: يا بنَ آدم، أَنفِق أُنفِق عليك))؛ رواه مسلم.

 

وقال تعالى: ? وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ? [الكهف: 82]، وهذه الآية وردت في قصَّة الرجل الصَّالح الذي داوم على فِعل الخيرات والطيِّبات الصَّالحات، فحَلَّت البركة على ماله، وتمَّ حفظه لأطفاله الصِّغار من بعده ببركة فِعل الخير، وجزاء دنيويًّا في خَلَفه جزاء ما قدَّم، وقد روي أنَّ الله تعالى يَحفظ العبدَ الصالح في سبعةٍ من ذريته، وعلى هذا يدلُّ قول الله تعالى: ? إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ?[الأعراف: 196].

 

وفي أمر البركة وحلول الخَير على فاعِل الخير قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلَّا ملَكانِ يَنزلان، فيقول أحدُهما: اللهمَّ أعطِ منفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ ممسكًا تلَفًا))؛ رواه البخاري.

وقوله: ((أنفِق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا))؛ رواه البيهقي، وصحَّحه الألباني.

وكل هذه الآيات والأحاديث تدلُّ على أنَّ البركة تحلُّ بالمال، والعمر، وتصيب الأهل والولد، حتى بعد الهلاك والفناء.

 

فعل الخيرات علاج ووقاية:

الإنفاق المجرَّد الذي لا يُرجى من ورائه إحداث أمر مادِّي ملموس - لا يَترك أثرًا، ولا يُحدث نتيجة، ولكن الإنفاق في سبيل الله دائمًا يكون لتحقيق نَفع لوجه الله، أو لرَفع مضرَّة في سبيله، ومن ثمَّ فإنه إنفاق يُحدث آثارًا إيجابيَّة تعود على المنفَق عليه، وتعود على المنفِق بطريقٍ غير مباشر، ولكنَّه مَلموس للمنفق وللعامَّة، وبرغم أنَّ المنفق عندما يقدِّم عطيَّته لا يرجو لها نظيرًا أو مقابل إلَّا رضوان الله، ولكنْ ثمَّة آثار تَنعكس على الروح، فتَسمو بها وتزكيها، وتجعلها تحلِّق في ملَكوت الله نحو كلِّ خير وفضيلة؛ فقال تعالى: ? خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ? [التوبة: 103].

 

فالصدقات والزكوات تَجلو القلوب، وتطهِّر الأنفس والأرواح من أدرانها، والنَّفس المرتاحة الطيبة تكون نَفسًا سليمة، بعيدة عن كلِّ شرٍّ قد ينعكس عليها فيؤلمها في جوانب أخرى، فيصيب القلوب التي فيها مَواطن النيَّات، فتُصاب الأبدان عندما تخبث بالأدران عندما تخبث القلوب.

 

ولكن الزكوات والصدقات بالفعل تعتبر إعجازًا ربانيًّا؛ تحفظ المالَ وتحصِّنه، وتُحدث التداوي والشِّفاء إذا أُخرجَتْ بنيَّة التداوي والشفاء؛ فعن أبِي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((حصِّنوا أموالَكم بالزكاة، وداووا مَرضاكم بالصَّدقة))؛ فالزكاة تَحفظ المالَ وتقيه الشرورَ، والصدقات علاج للمرضى والمكروبين، وفي إعجاز التداوي بالصَّدقة يَطول الحديث ويستمرُّ، والقصص الإعجازية عن التداوي بالصَّدقة وبفعل الخيرات لا تتوقَّف.

 

فعل الخيرات وقاية من سوء المنقلب:

قال النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم: ((صَنائع المعروف تَقي مَصارع السوء، والصَّدقة خفيًّا تُطفئ غضَبَ الربِّ، وصِلة الرَّحم زيادة في العمر، وكل مَعروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأوَّل مَن يدخل الجنة أهل المعروف))؛ رواه الطبراني وغيره، وصحَّحه الألباني.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الصدقة لتُطفئ غضَبَ الربِّ، وتَدفع مِيتةَ السُّوء))؛ رواه الترمذي وغيره.

 

قال العلماء: والمراد بمِيتة السُّوء أو مَصارع السوء: ما استعاذ منه النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ كالهدم والتردِّي، والغرق والحرق، وأن يتخبَّطه الشيطان عند الموت، وأن يُقتل في سبيل الله مدبرًا، وقال بعضهم: هي موت الفجاءة، يُضاف إلى ذلك: الحوادث والكوارث التي نراها في كلِّ مكان، ولكن الوقاية ضد ذلك أمرٌ إعجازي لا يَقدر عليه سوى الله المنَّان، صاحب العطاء الجزل، وصاحب كلِّ خير وإحسان، والثمن غير باهظ ولا مكلِّف، والنتيجة تُصيب المنفِق والمنفَق عليه، ولكن بطريقين؛ أحدهما مباشر، والآخر غير مباشر، ولكنَّه ملموس ومَعروف، فليبادِرْ أهلُ الخير والفضل إلى أن يَنالوا فيه القبول بالإكثار منه والزيادة فيه.

والله من وراء القصد.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook