فقه أحوال الجمهور وأثره في ترشيد العمل الدعوي والخطابي

الكاتب: المدير -
فقه أحوال الجمهور وأثره في ترشيد العمل الدعوي والخطابي
"فقه أحوال الجمهور
وأثره في ترشيد العمل الدعوي والخطابي

 

إن الجمهور بمثابةِ التربة التي يزرع فيها الداعية والواعظ والخطيب بذورَه، فكما أن الزارع لا يزرع في أرض حتى يعلم نوعَها وجودتها ومناسبتها لنوع ما يزرع، فكذلك الداعية والخطيب يحسُنُ بهما ألا يزرعا أفكارَهما ولا يباشرا فعلهما في مخاطبة الناس إلا بعد أن يعرفا طبيعة المدعوِّ والمخاطَب؛ فردًا كان أو جمهورًا، فئات اجتماعية، ومستويات عقليةً وعلمية واقتصادية وأخلاقية، ومؤثرات ثقافيةً وفكرية واجتماعية، ودرجة الإقبال، ونوعَ الأمراض الإيمانية والسلوكية؛ وأصلُه ما رواه ابن عباس أن معاذًا قال: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))[1].

 

والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لمعاذ وهو يُوجِّهه لدعوة أهل اليمن نوعَ المخاطَبين، ونوع العقيدة التي هم عليها: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب))؛ لأن ذلك أساسي في بناءِ خطاب دعوي مناسب لهم، وبناءً عليه وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى ما يلزمه من منهج الدعوة المناسب للقوم المدعوِّين.

 

فيستفاد هنا أنه من الفقه اللازم للداعية فقهه بحال المدعو، من جهة اعتقاداته وتصوراته، ومن جهة عاداته ونوع تصرفاته، وما يغلب عليه شرًّا وخيرًا، ومن جهة العوامل المتحكمة فيه اجتماعيًّا وثقافيًّا وأسريًّا، إنه فقه يساعد الخطيب والداعية في اختيار الكلام المناسب في المخاطبة والإقناع، وتجنب كل ما يسيء ويفسد المقصود.

 

وبعبارة جامعة: إن أهمية فقه أحوال الجمهور تكمن في كونه يساعد حاملَه والعامل به في تنزيل الدين تنزيلًا حكيمًا وَفْقَ الأولويات والحكمة والتدرج بمراعاة أحوال الجمهور وحاجاتهم الأولى فالأولى كما في الحديث السابق.

 

ومما يلزم فقهه في هذا الجانب ما يلي:

أولًا: فقه حال الجمهور من حيث تقبُّل الدعوة والاستجابة لها من عدمهما:

فالناس في قبولهم للدعوة واستجابتهم لِما يدعوهم إليه الداعية والخطيب - أصنافٌ ومراتب، وقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافَ الناس ومراتبهم في قبول الدعوة والإيمان بخطابها والاستجابة لها، وحصَرَهم في أصناف ثلاثة:

الأول: صنف سمِع الهدى وتقبَّله، وعمل به وبلَّغه ونفع به غيره.

الثاني: صنف قبِل الهدى ولم يُحسن فهمه، لكنه بلَّغه لمن يُحسن فهمه والعمل به.

الثالث: صنف لم يقبَل الهدى ولا نفع به غيره.

 

وهذا هو التصنيف الوارد عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن مَثَل ما بعثني الله به عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضًا؛ فكانت منها طائفةٌ طيبة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادبُ أمسكَت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً؛ فذلك مثل مَن فقُه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل مَن لم يرفع بذلك رأسًا ولم يَقبَلْ هدى الله الذي أُرسلتُ به))[2].

 

ومهارة الخطيب تكمن في الاجتهاد في التأثير في الجمهور، ورفع نسبة الاقتناع تصورًا وتصرفًا، وتحسين تديُّنِ الناس وتجويده في العلم بالله تعالى وطاعته، وفي حسن التصرف مع الخلق، ونقله من كل حالات السلبية إلى كل أشكال التعامل الإيجابيِّ مع الواقع ومعضلاته.

 

ثانيًا: فقه حال الجمهور من حيث شدة الاهتمام بالموضوع:

فالخطيب وهو يخطب في الجمهور عليه أن يراقب ميزان حرارة التقبُّل عند الجمهور، وشدة الإقبال على خطبته، وقوة الاهتمام بما يقول، فكلما لاحظ إقبال الجمهور استمر في الإلقاء، والعكس صحيح؛ لذلك نقل الجاحظ نصيحةَ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: حدِّث الناسَ ما حدجوك بأبصارهم، وأذنوا لك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، وإذا رأيت منهم فترة فأمسِكْ[3].

 

وقد قيل: خير الخطباء من سكت والناس يقولون: ليته يتكلم! وشرهم مَن تكلم والناس يقولون: ليته يسكت![4].

وقال بعض الحكماء أيضًا: من لم ينشط لحديثك، فارفع عنه مؤونة الاستماع منك[5].

وقال بعض الأدباء: للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعتَ الحكماء يَعيبونه[6].

 

وهنا أيضًا تكمن براعة الخطيب في لفت أنظار أكبر عدد من الناس إليه، وإقناعهم بقيمة موضوع خطبته، والاجتهاد في إثارة إعجابهم به وبطريقة تناوله له، ودفعهم دفعًا لطيفًا ناعمًا بديعًا إلى استحسان ما يصوره ويقترحه من حلول شرعية، والاقتناع بالانخراط العملي فيما يدعوهم إليه من الفعل أو الترك.

 

ثالثًا: فقه حال الجمهور من حيث تفاوت المدارك:

جمهور الخطيب جمهورٌ متنوع ومتفاوت في المدارك والمعارف والقدرات العقلية؛ فيه المتعلمون، وأنصاف المتعلمين، والعلماء، وقد يكون فيه مثقفون ومتخصصون، وفيه الحرفيون وأصحاب المهن، واليافعون من الأطفال؛ ولذلك وجب على الخطيب استحضارُ كل ذلك، وصياغة خطاب متوسِّط يرتقي إلى فهمه البسطاءُ، ولا يمجُّه مَنْ فوقهم.

 

وهذه القاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع، في مراعاة الفروق الفردية، نصح بها أهلُ العلم، فقد ورد في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرنا معاشر الأنبياء أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم))[7]، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: خاطبوا الناس على قدر عقولهم[8].

 

وروي عن بعضهم أنه قال: البليغ التام مَن استطاع أن يُفهِم العامةَ معانيَ الخاصة، ثم لا بد من الملاءمة بين المعنى والمستمعين، فلكل طبقة كلام، ولكل حالة مقام[9].

 

وقد جاء في صحيفة الهند - التي أوردها الجاحظ - كلامٌ نفيس في هذا السياق يدل على لزوم مراعاة تفاوت منازل المخاطَبين، ولزوم مخاطبة أصحاب كل مرتبة بما يليق بهم، فقال:

لا يُكلَّم سيدُ الأمَة بكلام الأمَة، ولا الملوك بكلام السوقة، ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم[10].

 

وعن بشر بن المعتمر أنه كان يقول:

ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات[11].

 

وخلاصة الأمر في هذا أنه لا بد من مطابقة الكلام للمقام، بمراعاة الفروق الفردية بين الجمهور نفسيًّا واجتماعيًّا، ومعرفيًّا وخلقيًّا.

 

رابعًا: فقه حال الجمهور من حيث ظرف الخطاب وسياقه التاريخي:

إذ حاجات الناس لا تختلف من فرد لآخر، ولا من مكان لآخر فقط؛ وإنما تختلف من زمان لآخر أيضًا، بل إنه في عصرنا هذا لم يَعُدْ ممكنًا فصلُ المكان بعضه عن بعض، ولا الزمان بعضه عن بعض، ولا الخاص عن العام، فحديث خطيب في جمهور ما، وفي مكان ضيق من الكرة الأرضية، قد ينتشر في كل مكان وتتطاير به الأخبار، مما يمكن أن يكون له تأثير على مجموع الوطن أو الأمَّة، ومِن ثَم فإن خطيب اليوم لا بد له من فقه الظرفية التاريخية ومختلف شروطها الموضوعية والواقعية؛ من أجل صياغة خطاب إصلاحي يوائم بين متطلبات جمهوره الخاص ومتطلبات الأمة الكبرى وسياقها الحضاري؛ جلبًا لأكبر المصالح وأكثرها نفعًا، ودفعًا لأكبر المفاسد وأكثرها ضررًا.

 

ومن الخلاصات المفيدة في هذا الأساس فقه جمهور المخاطَبين:

• أن فقه أحوال المدعوين والمخاطبين عليه المدار في نجاح الخطيب والداعية إلى الله تعالى.

• فقه أحوال الجمهور ضروريٌّ لصياغة خطاب إسلامي مناسب ومَرِن جامع بين المبدئية والواقعية، بين النظري والعملي.

• أن الخطيب الذي لا يفقه جمهوره وأحواله - كالطبيب الذي لا يفقه مريضه وأحواله - يُفسِد أكثر مما يصلح، ولو صلَحت نيتُه، وسلم قصدُه.

• لا إصلاح يرجى نفعه كثيرًا في بيئة اجتماعية من غير فقه أحوالها من مختلف الجوانب الاجتماعية والمعرفية والثقافية، والتنوع والتفاوت، والفروق الفردية والفئوية والتاريخية.

• فقه أحوال الجمهور ليس غايةً في ذاته، ولا يعني مسايرة الجمهور في ميولاته، والإقرار بما عليه من التصورات الخاطئة والتصرفات السيئة، وإنما هو مجرد وسيلة لغاية أكبر منه، هي إصلاح الناس والرقي بهم في مدارج الإيمان والصلاح والاستقامة والإيجابية في الحياة.

 

• وبمعنى آخر: إنه وسيلة تمكِّن العاملَ في الحقل الدعوي والخطابي من إعداد كل ما ينفع من الإجراءات والتدابير في الإصلاح وتحسين تدين الناس، فمعرفة الجمهور ليس من باب الخضوع للواقع؛ وإنما من باب معرفة مَواطِن الداء والمواجع، بقصد التدبير الجيد لإصلاح الواقع، والارتقاء الأسلم لأعلى مراتب الصلاح والخير وأحسن المواقع.




[1] أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.

[2] أخرجه الشيخان، وقد أورد الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم مضمون الحديث، فقال: أما معاني الحديث ومقصوده، فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس:

فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتًا، ويُنبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس، يبلُغُه الهدى والعلم، فيحفظه فيحيا قلبه، ويعمل به، ويعلِّمه غيره، فينتفع وينفع.

والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالبٌ محتاج متعطش لما عندهم من العلم، أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.

والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع بها غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه لنفع غيرهم، والله أعلم.

[3] البيان والتبين: الجاحظ 1/ 104.

[4] البيان والتبين: الجاحظ 1/ 105.

[5] نفسه ونفس الصفحة.

[6] البيان والتبين 1/ 101.

[7] روي بطرق وأسانيد فيها ضعف، وروي مرسلًا عن سعيد بن المسيب، وروي موقوفًا عن ابن عباس.

[8] في البخاري عن علي موقوفًا: حدِّثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟!، وفي مسلم عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، وللحديث طرق وروايات مرفوعة فيها ضعف.

[9] البيان والتبين 1/ 135 - 139.

[10] البيان والتبين 1/ 92 - 93.

[11] البيان والتبين 1/ 138 - 139.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook