فلنحذر الحرص على الإمارة والوزارة فإنها حسرة وندامة وخسارة

الكاتب: المدير -
فلنحذر الحرص على الإمارة والوزارة فإنها حسرة وندامة وخسارة
"فلنحذَرِ الحِرصَ على الإمَارةِ والوزارة
فإنَّها حَسرةٌ ونَدامَةٌ وخسارةٌ

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ? [آل عمران: 102].

 

? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ? [النساء: 1].

 

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ? [الأحزاب: 70- 71].

 

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

 

أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كلِّ عمل يقرِّبُ إلى النار، اللهم آمين.

 

كثير منَّا يفرحُ إذا جاءت له وظيفةٌ أو جاءت له ترقيةٌ، أو وُكِّلَ بأمر من أمور الناس؛ أن يكون مسئولا عنهم، أو ما شابه ذلك، وهذه أمور لا يفرح لها في الحقيقة، وإنما يسأل الله عزّ وجلّ أنْ يوفقَه لأدائها وأداء الحقوق فيها.

 

لقد عاتَب اللهُ سبحانه وتعالى نبيًّا من أنبيائِه؛ لاستعجالِه في الحكمِ بينَ متخاصمين، فاستمعَ لأحدهما واكتفى بكلامه دون الآخر، لِنتعلَّم العدلَ والإنصافَ في أحكامنا، وليهتدِ أولياءُ أمورِنا وليقتدوا بما في كتاب الله من العدلِ والإنصاف، والبعدِ عن الظلمِ والجَورِ والإجحاف، ففي سورة (ص: 21- 26)، ذكَر اللهُ قصةَ نبيِّه داودَ عليه السلامُ، وكيفَ أنّ خصمين اختصما عنده في قضية، جعلهمَا الله -سبحانه وتعالى- فتنةً لداودَ عليه السلام، وموعظةً لخللٍ ارتكبَه، فتابَ الله عليه، وغفَر له، وقيّضَ له هذه القضية، فقال لنبيِّه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: ? وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ? الذين تخاصموا عند داود عليه السلام؛ فإنه نبأ عجيب، ونبأ عظيم لم يأتوه من الباب، فلم يفطن لهم؛ ? إِذْ ? بهم فجأة ? تَسَوَّرُوا ? على داود ? الْمِحْرَابَ ?؛ أي: محلّ عبادته، من غير إذنٍ ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه من باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فَزِع منهم وخاف عليه السلام، فقالوا له: نحن ? خَصْمَانِ ? فلا تخف، نريدك أن تحكم بيننا فقد ? بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ? بالظلم، وبدآ كلامَهُما بوعظِ داود عليه السلام، وتحذيرِه من الظلم، فقالا: ? فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ?؛ أي: بالعدل، ولا تمِلْ مع أحدنا، ? وَلا تُشْطِطْ ?، أي: لا تَجُرْ في الحكْم، ? وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ?.

 

والمقصود من هذا؛ أنّ الخصمين قد عُرِف أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصِّرْف، وإذا كان ذلك؛ فسيقصّان عليه نبأهما بالحقّ، فلم يشمئزّ نبيُّ الله داودُ من وعظهما له، ولم يؤنِّبْهما.

 

فقال أحدهما: ? إِنَّ هَذَا أَخِي ?؛ وهنا نصَّ على الأخوّة في الدين أو النسب أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي والظلم، وأنّ بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره.

 

? إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ?؛ والنعجة في اللغة تطلق على أنثى الضأن، وأنثى البقر، وتطلق على المرأة والزوجة، والمقصود بها عند أكثر المفسرين أنّ هذا الأخ له تسع وتسعون زوجة، وذلك خير ٌكثير، يوجبُ عليه القناعةَ بما آتاه الله.

 

قال: ? وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ?؛ أي: زوجة واحدة، فطمع فيها، ? فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ?؛ أي: دعها لي، وخلِّها في كفالتي، ? وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ?؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركَها أو كاد.

 

فقال داود عليه السلام -لما سمع كلامَه- ومن المعلومِ من السياق السابق من كلامهما، أنّ هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتَجْ داود أن يتكلَّمَ الآخر، يقول السعدي رحمه الله:

فلا وجه للاعتراض بقول القائل: لـِمَ حكمَ داود قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر؟.

 

لذلك قال: ? لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ?، وهذه عادةُ الخلَطَاءِ والقُرناءِ الكثيرِ منهم، فقال: ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ?؛ لأن الظلم من صفة النفوس.

 

? إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ?، فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح، يمنعهم من الظلم.

 

? وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ?، كما قال تعالى: ? وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ?، ? وَظَنَّ دَاوُدُ ? حين حكم بينهما؛ ? أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ?؛ أي: اختبرناه ودبَّرنا عليه هذه القضية ليتنبَّهَ، ? فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ? لما صدرَ منه، ? وَخَرَّ رَاكِعًا ?؛ أي: ساجدًا ? وَأَنَابَ ? لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة.

 

? فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ? الذي صدر منه، وأكرمَه الله بأنواعِ الكرامات، فقال: ? وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى ?؛ أي: مَنزِلةً عاليةً، وقُرْبةً منَّا، ? وَحُسْنَ مَآبٍ ?؛ أي: حُسنُ مرجعٍ.

 

يقول السعدي رحمه الله: وهذا الذنبُ الذي صدرَ من داودَ عليه السلام، لم يذكرْه اللهُ لعدمِ الحاجةِ إلى ذكره، فالتعرُّض له من باب التكلُّف، وإنما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لُطفِه بِه، وتوبتِه وإنابتِه، وأنّه ارتفعَ محلَّه، فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها.

 

? يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ ?؛ تنفِّذُ فيها القضايا الدينيّةَ والدنيويّة، ? فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ?؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكن منه، إلا بعلمٍ بالواجب، وعلمٍ بالواقع، وقدرةٍ على تنفيذِ الحقِّ، ? وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى ? فتميلَ معَ أحدٍ؛ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبَّةٍ، أو بغضٍ للآخر، ? فَيُضِلَّكَ ? الهوى ? عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ?، ويخرجَكَ عن الصراط المستقيم، ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ?؛ خصوصا المتعمِّدين منهم، ? لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ?، فلو ذكَروه، ووقَع خوفُه في قلوبهم، لم يميلوا مع الهوى الفاتن. تفسير السعدي (ص: 711) بتصرف.

 

لذلك كانَ العدلُ أساسَ الـمُلك، وسيفرحُ كثيرًا يوم القيامة؛ مَن لم يتولَّ شيئًا من أمرِ الناس، لا إمارةً ولا ولاية، وسيحزنُ كثيرًا ويندمُ ويتحسّرُ مَن حَرَص على الإمارة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَإِنَّهَا سَتَكُونُ نَدَامَةً وَحَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ)، (س) (5385)، (خ) (6729)، (حم) (9790)، (حب) (4482).

 

نِعْمَت الْمُرْضِعَة؛ لِمَا فِيهَا في الدنيا مِنْ حُصُول الْجَاه، وَالْمَال وَنَفَاذ الْكَلِمَة، وَتَحْصِيل اللَّذَّات الْحِسِّيَّة وَالْوَهْمِيَّة حَال حُصُولهَا، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَة عِنْدَ الِانْفِصَال عَنْهَا؛ أي: عن الدنيا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْره، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا التَّبِعَات فِي الْآخِرَة. فتح الباري بتصرف.

 

هذه نتيجةُ الحرصِ على الإمارةِ والمسؤولية، جاء عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ الْعَامِرِيِّ قَالَ: (سَمِعْتُ مَرْوَانَ يَقُولُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: يطلب منه حديثا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:) (وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ)؛ أي: الأئمة والخلفاء، والسلاطين والحكام والملوك والرؤساء، الذين ظلموا.

 

(وَيْلٌ لِلْوُزَرَاءِ)، والوزير: الذي يوازر الأمير ويساعده، فيحمل عنه ما حُمِّلَه... وَالَّذِي يَلْتَجِئُ الأمِير إِلَى رَأيه وتَدبِيره، فَهُوَ مَلْجَاٌ لَهُ ومَفَزَع. انظر الغريبين في القرآن والحديث (6/ 1994)، النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 180).

 

(وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ)؛ الْعَرِيفُ: هُوَ الْقَيِّمُ بِأَمْرِ الْقَبِيلَةِ وَالْمَحَلَّةِ، -كالمحافظ ونحوه- يَلِي أُمُورَهُمْ، وَيَتَعَرَّفُ الأَمِيرُ مِنْهُ أَحْوَالَهُمْ، وَهُوَ حَقٌّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ لِلنَّاسِ. شرح السنة للبغوي (10/ 60)، تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 554).

 

(وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ)، والمراد بالأمناء: من ائتمنه الإمامُ على الصدقاتِ والخراجِ، وسائر أموالِ المسلمين، فالأمين؛ هو الذي جُعِلَ قيِّماً على اليتامى لحفظهم، وحفظِ أموالهم، وكذلك مَن جُعل أميناً على خزانة مالٍ، أو تصرُّفٍ فيه. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 555)، شرح المصابيح لابن الملك (4/ 263).

 

(لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (وُلُّوا هَذَا الْأَمْرَ)؛ أي: صاروا ولاةً ومسئولين، (مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا)؛ (أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ)؛ أَيْ: شُعُورَهُمْ التي في مقدّم رُءُوسِهِمْ، (كَانَتْ مُعَلَّقَةً)؛ أَيْ: فِي الدُّنْيَا (بِالثُّرَيَّا)، وهو النجم المعروف في السماء (يَتَذَبْذَبُونَ)؛ أَيْ: يَتَحَرَّكُونَ، ويضطربون يمنة ويسرة (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، وفي رواية: (أَنَّهُمْ خَرُّوا)؛ أي: سَقَطُوا (مِنْ الثُّرَيَّا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا) لَـمْ يَصِيرُوا وَالِينَ، (مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا). الحديث بزوائده عند (حم) (8612)، (8888)، (حم) (10748)، وقال الأرناؤوط: حسن. (10769)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. (حم) (10940)، وقال الأرناؤوط: حسن، (حب) (4483)، (ك) (7016)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. (هق) (20011)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (788)، (يع) (6217)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (5360)، والصحيحة: (2620).

 

والإمارةُ والمسؤوليَّةُ لا بدَّ للناس منها؛ لتنظيمِ حياتِهم، وتصريفِ شئونِهم، لكن؛ لا بدَّ من أدائِها بحقِّها، إذا عُرِضَت على مَن هو كفْءٌ لها، فهذا أَبو ذَرٍّ رضي الله عنه يطلب الولاية والإمارة، فقَالَ رضي الله عنه: (يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟! فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي)، (ثُمَّ قَالَ):

(يَا أَبَا ذَرٍّ!) (إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ)، (فَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ؛ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)، الحديث بزوائده: (م) 16- (1825)، (م) 17- (1826)، (س) (3667)، (د) (2868)، (حم) (21603)، (حم) (21552)، (ش) (33207).

 

أخي المسلم! ما مصيرُك لو كنتَ مسؤولًا أو أميرًا في الدنيا، وظلمت الناس؟

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ جَائِرٌ)، (طس) (1595)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (1001)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (2185).

 

إن من تولَّى عملًا، وسعَى إلى إمارةٍ، أو عُرضتْ عليه وظيفةٌ ليس هو لها بأهلٍ ولا كفْءٍ؛ فقبلها فليتبوأ مقعده من النار، وهذا ما ثبت عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: (لَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ خُرَاسَانَ)، أي بلاد أفغانستان الآن، (قَالَ: دُلُّونِي عَلَى رَجُلٍ كَامِلٍ لِخَصَالِ الْخَيْرِ)، هذا الأمير الذي يسأل عن رجل فيه صفات للولاية والإمارة، (فَدُلَّ عَلَى أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ)، أبوه صحابيٌّ، هو أبو موسى رضي الله تعالى عنه (فَلَمَّا جَاءَهُ)، أبو بردة، (رَآهُ رَجُلًا فَائِقًا، فَلَمَّا كَلَّمَهُ رَأَى مَخْبَرَتَهُ أَفْضَلَ مِنْ مَرْآتِهِ)؛ أَيْ: رأى أن عِلْمه أفضل من مظهره، (فَقَالَ: إِنِّي وَلَيَّتُكَ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَمَلِي)، (فَاسْتَعْفَاهُ)؛ أَيْ: طلب منه أن يعافيه من ذلك المنصب.

 

(فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهُ)، فَقَالَ: (أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ حَدَّثَنِيهِ أَبِي)؛ أي: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، (أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟!) قَالَ: (هَاتِهِ)، قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ تَوَلَّى عَمَلًا وَهو يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ بِأَهْلٍ، فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)؛ رواه ابن عساكر (8/ 397 / 2)، (طب) (ج22 ص377 ح943)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (5890)، والصَّحِيحَة: (2290).

 

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الأمراءِ والولاةِ ومَن يشدِّدُون على الناس، ويرهقونهم، ولا يرفقون بهم، فقد ثبت عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا:

 

(اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ)؛ أي: أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَشَقَّةَ، أَيْ: الْمَضَرَّةَ، (فَاشْقُقْ عَلَيْهِ)، الدُّعَاءُ عَلَيْهِ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِالْمَشَقَّةِ، جَزَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْفِعْلِ، وَهُوَ عَامٌّ لِمَشَقَّةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ سبل السلام.

 

(وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ)، (م) 19- (1828)، (حم) (24382).

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الآخرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فلنحذرْ من سؤالات الولاياتِ، والتهافت عليها تهافتَ الذباب على الفُتَات، فمآلُها حسرةٌ وندامةٌ، فإنْ أوكِلَت إلى أحدِنا؛ فليتّقِ اللهَ فيها، وليؤدِّ حقَّها ومستحقَّها، فقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ:

(«يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»)، (خ) (6622)،

 

فإنْ ولاَّك الله أمرًا فلا تظلمْ الناسَ شيئًا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ = رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا = أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، (م) 56- (2578)، واللفظ له، (خ) (2447) عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

 

هذا ما أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الخير، وما حذَّرنا منه من الشر، لتستقيمَ حياتُنا الدنيويةُ والأخرويةُ، فصلُّوا عليه، فقد صلى الله عليه في كتابه، وكذلك ملائكة الله صلَّتْ على رسول الله، وأَمَرَ المؤمنين أنْ يصلَّوا عليه فقال: ? إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ? [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الأربعة أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان وعليٍّ، وعلى آلِ بيتِ النبي، وعلى سائر الصحابة أجمعين.

وارضَ عنَّا يا رب معهم بمنِّكِ وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أصلح ولاة أمورنا، وأصلح رعيَتنا، ووفقنا لما تحبُّ وترضى؛ إنك جواد كريم.

 

اللهم آمنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا؛ واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك؛ يا أرحم الراحمين.

 

اللهم وَلِّ أمورَنا خيارَنا، ولا توَلِّ أمورَنا شرارنا، وعليك بأعدائنا، وأصلح أحوالنا، اللهم اجعل خيرَ أعمالِنا خواتيمَها، وخيرَ أيامنا يوم نلقاك.

 

اللهم يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلوبَنا عَلَى دِينِكَ، اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.

 

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، يا رب العالمين.

 

اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا غائبًا أو سجينًا أو مسافرًا إلاَّ رددته إلى أهلِه سالماً غانماً يا ربَّ العالمين.

 

? وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ? [العنكبوت: 45].


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook