فوائد تتعلق بالدعوة إلى الله (2)

الكاتب: المدير -
فوائد تتعلق بالدعوة إلى الله (2)
"فوائد تتعلق بالدعوة إلى الله (2)

 

التاسعة: في الجمع بين أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة:

قال بعض السلف: الفقيه كل الفقه من لم يُقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يجرئهم على معصية الله، فينبغي للداعي أن يخوف الناس من شؤم ذنوبهم ومعاصيهم، ويطمعهم في عفو ربهم ومغفرته وفضله ورحمته، فيجمع لهم في حديثه بين الترغيب والترهيب، وهو منهاج رباني عظيم وهدى نبوي كريم، وهو الجمع بين النذارة والبشارة في سياق واحد، كقوله تعالى: ? فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ? [الليل: 14 - 21].




وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»[1]، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًّا دخل الجنة»[2]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من لقي الله وهو لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه وهو يشرك به شيئًا دخل النار»[3].

 

ففي هذه النصوص الجمع بين النذارة والبشارة، وتقديم النذارة على البشارة.

 

العاشرة: الحذر من القول على الله وفي دينه بغير علم:

تذكر أن الله تعالى قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ? وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ? [الحاقة: 44 - 47] فإذا كان الله تعالى قد توعد نبيه وخليله صلى الله عليه وسلم لو قال عليه ما لم يقل ـ وحاشاه ـ، فكيف بمن قال عليه من الخلق سواه صلى الله عليه وسلم؟!، فاحذر أن تقول على الله وفي دينه بغير علم فإنه كذب على الله تعالى وإضلال لعباده، قال تعالى: ? فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [الأنعام: 144] فإن القول على الله وفي دينه بغير علم أكبر الكبائر وأعظم المحرمات، قال تعالى: ? قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ? [الأعراف: 33].




فلا يحملنك إقبال الناس عليك على أن تتكلم في دين الله بغير علم، فإنه هلكة وشقاء في الدنيا والآخرة، قال الصديق رضي الله عنه: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله بغير علم؟!

 

الحادية عشر: وجوب التثبت فيما ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم من الحديث:

تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «من يَقُلْ علي ما لم أقل ـ وفي لفظ: من كذب علي، فليتبوأ مقعده من النار»[4]. وهذا وعيد شديد وتهديد أكيد؛ ولذا قل حديث جمهور الصحابة، وامتنع بعضهم عن التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفًا من الوعيد الوارد في هذه الأحاديث، ولأن غيرهم قد كفاهم مؤونة التحديث، فاحذر أن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا لم تثبت صحته أو تصدر فيه عن أحد دواوين السنة المعتبرة.

 

الثانية عشر: اجتناب الحديث بكل ما سمع والإجابة على أي سؤال:

من عيوب البعض التحديث بكل ما سمع والإجابة عن كل سؤال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»[5]، وذلك لأن الذي يحدث بكل ما سمع يعرض له الخطأ والوهم فينسب إلى الكذب، وقد يستمري ذلك ويهون عليه أمر الخطأ فيتلقى الناس عنه مما ليس من دين الله فيبوء بإثم ذلك.

 

وقد عُرضت على الإمام مالك أربعون مسألة فأفتى في أربع وقال عن ست وثلاثين: لا أدري، فقال له السائل: سبحان الله، تقول هذا وأنت مالك؟ فقال: أخبر من وراءك أن مالكًا لا يدري.

 

الثالثة عشر: تعين ترك الفتيا أو القول بالظن:

إذا جاءك المستفتي أو المسترشد عن شيء من دينه فلا تفته بالظن، فإن الظن ليس بعلمٍ، قال تعالى: ? إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ? [الحجرات: 12] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»[6]، وقال عقبة بن عامر: «تعلموا قبل الظانين»[7]، ولا تحملنك العاطفة أو حب الخير على أن تفتي سائلًا في مسألة لست من أهل الفتيا فيها، قال بعض السلف: (إنكم لتفتون في المسألة لو وردت على عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر)، وقال آخر: (إذا جاءك السائل فلا تقل لعلِّي أجد له مخرجًا حتى تعرف مخرجك عند الله).

 

الرابعة عشر: يتعين على الداعي الفرح بظهور الحق مطلقًا:

الداعية إلى الله تعالى على منهاج السلف الصالح ـ من رجل أو امرأة ـ شخص صحيح الفطرة، سليم الصدر من الغل والحقد والحسد، محب للخير لكل أحد، أمره واضح جلي، فليس لديه غش ولا خديعة ولا مكيدة لأحد؛ لأن همه أن يظهر الحق على لسانه أو لسان غيره، وأن يقبل الحق منه أو من غيره، فيبين عند الحاجة ويؤخر البيان لوقت الحاجة، ويفرح إذا كفاه غيره البيان أو الفتيا، ولا يجبن إذا توقف ظهور الحق عل بيانه ما لم يخف على نفسه أو على حرمته وذويه ضررًا محققًا، ويبتعد عن ما يؤدي إلى الاختلاف والفرقة والفتنة، ويصبر على الأذى ما أمكن، ويُعنى في كل موقف بما هو أرضى لله تعالى وأحرى بإصابة السنة وظهور منهاج السلف الصالح، ولا يتسبب في إثارة الناس عليه إلا بموجب شرعي تتحقق به المصلحة وتدرأ به المفسدة، وعند التزاحم تراعى القواعد الشرعية التي تحكم ذلك.

 

فلا ينتقص أهل العلم قدرهم ولا يزدريهم، ولا يغمط العوام أو يحتقرهم، ولا يدعو إلى بدعة أو سلوك في الدعوة خلاف منهاج السلف الصالح، ولا يقصد من دعوته أن يتكثر بالناس أو محمدتهم، ولا يأخذ على دعوته أجرًا من الناس لا ماديًا ولا معنويًا، بل همته منصرفة إلى إظهار الحق، وهداية الخلق؛ وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وكل يوم يمضيه في الدعوة يعده منحة من الله وذخرًا عنده.

 

الخامسة عشر: إيضاح موضوع الدعوة وذكر أمثلة من تطبيقاته:

لعل من الحكمة في الدعوة العامة في المساجد وغيرها من مجامع الناس أن يؤسس الداعي في كلامه قاعدة عامة مثل: (بيان معنى التقوى، وفضلها وحسن عواقبها في الدنيا والآخرة)، ثم يورد أمثلة متنوعة مما يدخل في معنى التقوى، بحيث ينطبق كل مثال من أمثلتها على شخص أو مجموعة من الأشخاص.

 

فمن أمثلتها: المحافظة على الصلوات، ومن أمثلتها أداء الزكاة، ومن أمثلتها بر الوالدين، ومن أمثلتها ترك الربا، ومن أمثلتها البعد عن أسباب الزنا، ومن أمثلتها حسن عشرة الزوجات. وكذلك يبين حقيقة الشرك بالله تعالى وخطره، ثم يذكر أمثلة من أنواعه وصوره.

 

السادسة عشرة: مهمة الداعي إلى الله تعالى:

ليست مهمة الداعي أن يعلم الناس كل ما يعلمه، أو كل ما يحتاجون إليه في مقام واحد، وإنما هي وصية بالتقوى، ودلالة على باب هدى، أو حض على واجب ظهر تركه، أو نهي عن محرم ظهر فعله، أو تصحيح خطأ أو تفنيد شبهة، أو تذكير بحق نعمة، أو إنذار من بوادر عقوبة ونقمة، فهي هداية للإسلام أو خصلة من خصاله، ونذارة من شيء من نواقصه أو نواقضه.

 

فلذلك ينبغي أن تكون مع الشخص في خاصّة نفسه، ولا يسمع غيره الكلام الموجه إليه إلا برغبته، ومع العامة على وجه التعميم والإجمال دون التخصيص أو التعيين.

 

كما ينبغي مراعاة مقتضى الحال، وتغليب جانب الإيجاز والترغيب والترهيب وتنويع الأدلة، وإذا كان الموضوع هداية شخص للإسلام، أو استنقاذه من جريمة أو فاحشة كبرى، فتنبغي متابعته بلطف حتى يطمئن من تحقق المقصود والسلامة من العوارض فيكون الداعية بمثابة الطبيب الذي يتابع مريضه حتى يبرأ من علته ويستعيد عافيته، وتغليب جانب التبشير والترجية، والبعد عن العنف أو التوهين، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطى على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا على ما سواه»[8]، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا»[9]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من يحرم الرفق يحرم الخير»[10].

 

والنصوص في هذا المعنى كثيرة ومشهورة، والموفق من وفقه الله، والسعيد من جعله الله مفتاح خير، ومغلاق شر، ونفع للخلق بما يقدر.




[1] أخرجه البخاري برقم (6488).

[2] أخرجه البخاري برقم (4497).

[3] أخرجه البخاري برقم (129).

[4] أخرجه البخاري برقم (109)، ومسلم برقم (3).

[5] أخرجه مسلم برقم (5).

[6] أخرجه البخاري برقم (5144)، ومسلم برقم (2563).

[7] أخرجه البخاري معلقًا عند الحديث رقم: (6724).

[8] أخرجه مسلم برقم (2593).

[9] أخرجه مسلم برقم (1732).

[10] أخرجه مسلم برقم (2592).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook