قبول النقد من أسباب النجاح

الكاتب: المدير -
قبول النقد من أسباب النجاح
"قبول النقد من أسباب النجاح




مَن منا لا يخطئ؟

ومَن منا كامل العلم والفهم؟

لا أحد على الإطلاق؛ لأن النفس البشرية لها حدودٌ في المعرفة لا تتجاوزها، فالكمال لله تعالى وحدَه، وكلُّ ابن آدم خطَّاء، والعصمة للأنبياء عليهم السلام دون سواهم.

 

إذا قبِلنا هذه المقدِّمةَ السالفة، فإننا لا بد أن نقبَل كل نصيحة نافعة، من أي وعاء خرَجت، فالحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أولى الناس بها، ولا بد أن تتَّسِع صدورُنا للنقد البنَّاء؛ من أجل إصلاح مسارنا، ودربِنا الذي نسلكه.

 

إن رسولنا صلى الله عليه وسلم علَّمنا أن نقبل كل نقدٍ فيه مصلحةٌ للفرد والمجتمع، فقد قبِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأي آحاد الناس، واستجاب لمشورته في غير ما يوحى إليه مِن ربه؛ أي: في الأمر الدنيوي، الذي كان يقول بصدده: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم))؛ رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

وكما يقال: (أهل مكة أدرى بشِعابها).

 

لقد اعترض وانتقد الحُبابُ بن المنذر نزولَ جيش المسلمين في بدر في المكان الذي أنزلهم فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكنْ أيُّ اعتراض! وأي نقد؟! لقد استأذن في الكلام أولًا، ثم قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزَلَكَهُ الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة))، فقال الحباب رضي الله عنه: إني أرى أن هذا ليس بمنزلِ حرب، وأشار برأيه، وأدلى بنقده، وأتبَع بنصيحتِه، فلاقَتِ القَبولَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحوَّل بالجيش إلى ما أشار إليه الحباب.

 

إننا اليوم أمام معضلة فكرية قد تصاحب الكثيرَ منا، وهي الرغبة الجامحة في فضح المخطئ والمسيء، وعلى الطرف الآخر تجد الإصرار على الخطأ، وإلقاء كلِّ نصح ونقد مِن وراء الظهر، فطرفٌ يُجرِّح ويُشهِّر ويفضح، وطرف آخر يدافع عن نفسه بالباطل، ويتَّهم غيره بالجهل، ولا ندري متى يلتقي هذا وذاك على كلمة سواءٍ.

 

إن ديننا الإسلامي بيَّن لنا كيف تكون النصيحة، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحَيْهما عن تَميم بن أوسٍ الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة))، قلنا: لمَن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامَّتِهم)).

 

إن مِن أدب النصح البنَّاء أن يكون مستترًا؛ لأن طبيعة النفس تجعلها تأبى التعالي عليها، وإظهارها في مظهر النقص، حتى ولو كان هذا النصح مفيدًا لها، قال الشافعي رحمه الله:

تعمَّدْني النَّصيحةَ في انفرادي
وجنِّبْنِي النَّصيحةَ في جماعهْ
فإن النصحَ بين الناس نوعٌ
مِن التوبيخِ لا أرضى استماعَهْ
فإِنْ خالَفْتَني وعَصَيتَ قولي
فلا تغضَبْ إذا لم تُعْطَ طاعهْ

 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وهو يُسوِّي صفوف الصلاة -: ((لِينوا في أيدي إخوانكم))؛ (رواه أبو داود عن كثير بن مرة)، وهو توجيه عامٌّ لا يقصد به الصلاة فحسب، بل ينبغي على المسلم أن يكون سهلًا لينًا مع الناس، خاصة مع مَن يُوجِّه إليه النصح، فيقبله ويستجيب، كما يستجيب مَن في الصف حتى يقيمه ويجعله مرصوصًا.

 

إن ديننا الإسلاميَّ - بشرائعه وشعائره - يهدف إلى استقامةِ الناس على طريق الحق والهدى، وهذا لا يأتي إلا بالنصح المتبادَلِ المستمرِّ، والنقد الهادف البنَّاء، عند ذلك ينجح الفرد، وينجح المجتمع، وتنجح الأمه في كل ما تهدف إليه من خيرٍ ورِفعة.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook