"قسوة القلب: مظاهره، أسبابه، وعلاجه"

الكاتب: المدير -
"قسوة القلب
(مظاهره، أسبابه، وعلاجه)




يلحظ المطَّلع على حال العباد في زماننا هذا انتشارَ داءٍ خطير بينهم، أدَّى إلى تكاسلٍ عن الطاعات وأعمال الخير، وعلَّق العبد آماله بالدنيا، ونسي آخرته، إنه داء تسبَّب في جعل الحياة موحشةً مظلمة، رتيبة رغم الملهيات والملذَّات ورغد العيش الـمُتنعَّم به، فما ذاك الداء العضال يا ترى؟! إنه قسوة القلب، وما أدراك ما قسوة القلب؟!

 

قال تعالى في كتابه العزيز: ? ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ? [البقرة: 74]؛ قال القرطبي رحمه الله: القسوةُ: الصلابة والشدة واليبس، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى[1].

 

وقال عز وجل: ? فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ? [الزمر: 22]؛ قال الشيخ السعدي رحمه الله: أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر بآياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي مُعرِضة عن ربها، مُلتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشرُّ الكبير[2].

 

إن نعمة رقَّة القلب من أجلِّ النعم وأعظمها، وما من قلبٍ يُحرَم هذه النعمة إلا كان موعودًا بغضب الله وعذابه، وما رقَّ قلب لله وانكسر إلا كان صاحبه سابقًا إلى الخيرات، مُشمِّرًا إلى الطاعات، أحرص ما يكون على طاعة الله ومحبته، وأبعد ما يكون عن معاصيه ومكارهه.

 

ولترقيق القلب ونفي القسوة عنه أهميةٌ بالغة أدركها علماؤنا الأفاضل، وحثُّوا طلابهم عليها؛ من ذلك قول الحسن البصري: حادثوا هذه القلوب؛ فإنها سريعة الدثور[3]، وكأنه رحمه الله أراد أن يُوضِّح أهمية المتابعة والاستمرار في عملة تقوية القلب؛ بسبب سرعة ما يصيبه من داء القسوة والغفلة، إذا لم يتداركه المؤمن بالعناية الدائمة لحمايته من هذا الداء.

 

وهذا الإمام ابن الجوزي يقول: فالصواب العكوفُ على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات[4]، والتلذيع هو: الإيلام والإحراق، وكلام ابن الجوزي هذا يُعدُّ قاعدةً جامعة مُثْلَى في باب الجمع بين العلم وترقيق القلب.

 

ومحمد بن عبادة المعافري رحمه الله يُحدِّث أنه وصحبه كانوا عند أبي شريح المعافري رحمه الله، فكثرت المسائل، فقال لهم: قد دَرِنت قلوبكم، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلُّوا قلوبكم، وتعلَّموا هذه الرغائب والرقائق؛ فإنها تجدِّد العبادة، وتورث الزهادة، وتجرُّ الصداقة[5]، ومعنى دَرِنت: أي وسخت.

 

• أعراض ومظاهر قسوة القلب:

1- التكاسل عن الطاعات وأعمال الخير، وربما التفريط فيها أو أداؤها بلا خشوع وطمأنينة، فضلًا عن نظرِ بعضهم إلى الفرائض والواجبات الشرعية كأنها أثقال ينوء بها.

2- عدم التأثُّر بآيات القرآن الكريم والمواعظ والرقائق؛ فقاسي القلب يسمعُ آيات الوعد والوعيد، فلا يتأثر بها، ولا يخشع قلبُه لها، ويزيد على ذلك بأن يغفل عن قراءة القرآن وسماعه، ويجد ثقلًا وانصرافًا عنه، مع أن الله تعالى يقول: ? فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ? [ق: 45].

3- التعلُّق الزائد بالدنيا، والولع بها، وإيثارها على الآخرة، فتصبح الدنيا همَّه وشغله الشاغل، ومثل هذا يُبتلى بالحسد والأنانية والبُخل والشح.

4- ضعف تعظيم الله تعالى في قلبه، وخُفوت جَذوة الإيمان في نفسه، فلا يغضب لانتهاك محارم الله، ولا يَعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، ولا يبالي باقتراف المعاصي والمحرَّمات.

5- الوحشة المظلمة التي يجدُها قاسي القلب، فيغدو ضيِّق الصدر، قلقًا متوترًا لا يطمئنُّ أو يهنأ بعيش، وما علم ذاك أنه السبب في هذه الوحشة وبيده علاجها.

 

• أسباب قسوة القلب:

1- كثرة ارتكابِ المعاصي والمحرَّمات: فالمعصية - وإن كانت صغيرة - تمهِّد الطريق لأختِها حتى تتابع المعاصي، ولا يدرك صاحبُها الخطر، وتتسرَّب واحدة تلو الأخرى إلى قلبه؛ حتى لا يبالي بها، فيضعف في قلبه تعظيم الله، وتعظيم حرماته؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئةً، نُكِتَتْ في قلبه نُكتةٌ سوداءُ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبُه، وإن عاد زِيدَ فيها حتى تعلوَ قلبه، وهو الرانُ الذي ذكر الله: ? كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ? [المطففين: 14]))[6].

 

2- الغفلة: وهي داء وَبِيل، ومرض خطير، إذا استحوذ على القلوب، وتمكَّن من النفوس، واستأثر على الجوارح، أدَّى إلى انغلاقِ كلِّ أبواب الهداية، وقد أخبر الله تعالى عن أصحابِ الغفلة أنهم أصحابُ قلوب قاسية، لا ترقُّ ولا تلين، ولا تنتفع بالموعظة، مع أن لهم أعينًا يبصرون بها ظواهر الأشياء، ولكنهم لا يشاهدون بها حقائق الأمور، ولا يُميِّزون بها بين النافع والضار، كما أن لهم آذانًا يسمعون بها الباطل؛ كالكذب، والغناء، والفحش، ولكنهم لا ينتفعون بها في سماع الحق من كتاب الله وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فأنَّى لهؤلاء الفوز والنجاة وتلك حالهم؟ وأنَّى لهم الهدى والاستقامة وتلك طريقتهم؟

 

يقول جل وعز: ? وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ? [الأعراف: 179].

 

3- التعلق بالدنيا والانشغال بملذَّاتها: فمع أن هذه الدنيا تافهةٌ لا تساوي عند الله جناح بَعوضة، يأتي العبد ويتعلَّق بها ويتلهَّى بملذَّاتها وملاهيها.

 

ومِن أبلغ ما وُصف به هذا الداء قولُ الإمام الجيلاني: القلبُ يصدأ، فإن تداركه صاحبه بما وصف النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا انتقل إلى السواد؛ يسودُّ لبُعْده عن النور، يسودُّ لحبه الدنيا والتحويز عليها مِن غير ورع؛ لأنه من تمكَّن مِن قلبه حبُّ الدنيا، زال وَرَعُه، وزال حياؤه من ربه عز وجل[7].

 

4- نسيان الموت وسكراته، والقبر وأهواله: ويا لهول الموت والقبر، ويا لعظم قسوة قلبِ مَن ينسى هذا، ويتغافل عن ذكره!

ويضيف ابن القيم رحمه الله أسبابًا خمسة لقسوة القلب، أجمَلَها بقوله: مفسدات القلب خمسة: كثرة الخلطة، وركوب بحر التمني، والتعلق بغير الله، وكثرة الطعام، وكثرة النوم[8].

 

• علاج قسوة القلب:

1- النظر في آيات القرآن الكريم، والتفكُّر في وعد الله عز وجل ووعيده، وأمره ونهيه، بعين دامعة، وقلب خاشع، ونفس تتوهج إيمانًا من أعماقها، تريد السير إلى ربها خالقها وبارئها، والعبدُ المؤمن الذليل الخاشع إذا قرأ القرآن رقَّ وخشع من خشية الله: ? اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ? [الزمر: 23].

 

2- المعرفة بالله تعالى، جل جلاله، فمَن عرَف ربَّه حق المعرفة رقَّ لُبُّه، ومَن جهِل ربَّه قسا قلبُه، وكلما عظم الجهل بالله كان العبد أكثر جرأةً على حدوده ومحارمه، وكلما أدام العبد التفكُّر في ملكوت الله وعظمته وتذكُّر نِعَم الله عليه، خشع قلبه لله ولان لطاعتِه.

 

3- الإكثار من التوبة والذكر والاستغفار؛ فإن للقلب قسوةً لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، وقد شكا رجلٌ للحسن قسوةَ قلبه، فقال له: أَذِبْه بالذكر[9]، وقال ابن القيم في هذا الصدد: صدأ القلب في أمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: الاستغفار والذكر[10].

 

4- معاهدة النفس ومحاسبتها ومعاتبتها: فالإنسان إذا لم يُجاهِد نفسه ويحاسبها على كل صغيرة وكبيرة، ويعاتبها ويتَّهِمها بالتقصير، لن يدرك حقيقة مَرَضها، وبالتالي لن يمكنه علاجُها، ولن يسهل عليه قيادها.

 

5- استماع الموعظة وتقبُّلها هو بداية العلاج، والنقطة البيضاء التي ستنطبع على القلب الغافل الناسي، ولنتأمَّل في قصة الأعرابي مع الإمام أحمد بن حنبل، ولنرَ أثر الموعظة على هذا الإمام الجليل، فهذا أعرابي يسمع بفتنة الإمام أحمد، ويخشى عليه أن يضعُفَ أمام ما أَعَدُّوا له من العذاب ليوافقهم فيما ابتدعوه، فيعتَرِض الجند وهم يقتادون الإمام مُكبَّلًا بالقيود، ويقول له مطَمئنًا: (يا أحمد، إن يقتلْك الحق متَّ شهيدًا، وإن عشتَ عشتَ حميدًا)، يقول الإمام أحمد: (فقوِي قلبي)، ومِن عِظم أثر تلك الكلمات في قلب الإمام أحمد رحمه الله، أنه كان يتذكرها بعد انجلاء الفتنة، ويقول: (ما سمعتُ منذ وقعتُ في هذا الأمر الذي وقعتُ فيه، أقوى من كلمة أعرابي كلَّمني في رحبة طوق، وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه)[11].

 

وبعد:

فإن العبد المسلم ذا القلبِ المرهف، خاشعٌ لله، ذليل لعظمته سبحانه، متَّبع لأوامره، سائر على شرعه وهَدْيه تعالى؛ وهو لذلك هانئُ البال، ساكنُ النفس، مطمئن الفؤاد، بعكس صاحبِ القلب القاسي الذي أعرض عن شعائرِ الله وشرائعه، وابتعد عن التقى والهدى والرضا، فتعِست نفسُه، واضطرب فؤاده، وخسر دنياه وآخرته.




[1] تفسير القرطبي: 1/ 462.

[2] تفسير السعدي: 1/ 722.

[3] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 2/ 144.

[4] صيد الخاطر: 1/ 160.

[5] سير أعلام النبلاء: 7/ 183.

[6] رواه الترمذي 5/ 291، وقال: حديث حسن صحيح.

[7] الزهد؛ لابن أبي حاتم، 8.

[8] مدارج السالكين: 1/ 451.

[9] روضة المحبين ونزهة المشتاقين: 167.

[10] الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب:40.

[11] تاريخ الإسلام: 18/ 98، البداية والنهاية: 10/ 366.


"
شارك المقالة:
8 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook