قناديل الحكم (3)

الكاتب: المدير -
قناديل الحكم (3)
"قناديل الحكم (3)

 

• إن للعبادة لذةً تتذَوقُها أَمنًا وسَلامًا؛ فهي الوطنُ الذي يحتويك، وتتنعَّم في ظِلاله برغدِ الحياة..

 

• إن سلوكَ القلب يتقدَّم سلوك الخُطى والأقدام، فتعجل النبضات خافِقةً بالتكبير والتهليل؛ لتصِل طريق الله بالمحبة والإخلاص، والصدق في السعيِ والإقبال، ثم تلبي الجوارح ذاك النداء الآتي مِن الأعماق، وتُذْعن في التذلُّل والخضوع التام، فيغشاها الأمن والسلام..

 

• تعامَلْ بأخلاق الإسلام قبل أن تدعوَ غيرَك إلى أن يتحلَّى بتلك الخلال، وتمثَّلِ المشاعرَ الصادقة قبل أن تبحث عنها خارج ذاتك، أو تستجديها ممن حولك..

 

• إن إسلامَك هو سلوكٌ تمارسه في حياتك، ومنهجٌ قويم تتمثَّلُه في أقوالك وأفعالك، وغاياتٌ نبيلة تحثُّك على أن تنهضَ بالقضايا العظيمة، والمهمَّات الجليلة، التي تستحقُّ أن تشحَذَ لأجلها ساعدَ همتك، وتخصِّص لها أنفَسَ ساعاتك..

 

• إن إسلامَك هو حياةٌ كاملة، لا يقتصر على أن تنطقَ الشَّهادة بلسانك، بل يُلزِمك الإقرارَ بقلبك، والإيمانَ الصادق، وأن تسلِمَ جوارحَك كلها لله في انقيادٍ تام، وخشوعٍ وخضوعٍ في الأقوال والأفعال، واتباعٍ صحيح في الاقتداء، والالتزام بالأحكام..

 

• اجعَلْ عبادتَك تحتويك بكل أجزائك وتفاصيلك، وتحرِّك فيك كلَّ حواسك، فتدعوك إلى أن تُمعِنَ النظر والتأمل في نفسك، وفي الآفاق، والتفكُّر في أسرار الكون والكائنات، وإعمال العقل، ومهارات التفكير العميق، حتى تصلَ إلى المعرفة الصحيحة، وتُدرِك سر وجودك في الحياة، فتسعى وتعمل على هدًى وبصيرة، وبأهدافٍ وغايات هي أعظمُ مِن مطامعك الذاتية، ومصالحك الشخصية..

 

• تحرَّكْ في الأرض وأنت تلهَجُ بذِكر الله آناء الليل وأطراف النهار، واجعَلْ تلك الأرض التي تشقُّ مناكبها هي بساطَك المسجَّى، الذي تطرِّزه بطراز عملك الصالح، وتزيِّنه بجواهر علمك النافع، واجعَلْ كل خطوةٍ تشهد لك لا عليك، وكل مكانٍ تزوره أو مجلسٍ تحضُره، يتحدَّث عنك وعن آثارِ أعمالك، ويحكي عن محاسِنِك وخلالك، وسجاياك ومكارم أخلاقِك..

 

• احرِصْ على أن تُلجِمَ لسانَك بلِجام الصدق، وقول الحق، وصُنْ جوارحَك مِن الوقوع في الحرام، ومِن السقوط في مراتع الفساد، وكن ممن يسارعُ إلى صنائع المعروف، حيثما حلَلْتَ أو ارتحلت، وخلِّدْ أثرًا طيبًا، وذِكْرًا حسنًا، وصدقةً جارية، يمتد نفعُها، ويعمُّ خيرها، وتصِلُ بركتُها إلى الأجيال التي ستأتي بعدك..

 

• إننا لا نلتقي في الحياة عبَثًا، بل لغاياتٍ عظيمة تجمَعُنا، ولأجل تلك الحقيقةِ الخالدة التي تربط وجودَنا بالله، وتشُدُّ أيديَنا فتتشابك وتتماسك ببعضها البعض؛ لسلوكِ طريق الحق، والتعاون على البر والتقوى، والتكافل لبناء مجتمعٍ فاضل، تتَّحِد فيه القلوبُ بالمحبة والوئام، وترتبط بأواصرِ الدم وروابط القَرابة، وصلات الأخوة، والصُّحبة الطيبة، والرُّفقة الصالحة..

 

• علينا أن نحافظَ على الفضائل والمعاني السامية، التي تبعث في وجودنا الشعورَ بالتضامن والوَحدة، حتى إذا ما اختلَفْنا أو تفرَّقَتْ بنا السُّبل والمذاهب، نظل نجتمع على كلمةٍ سواء، ويضمنا صفٌّ واحد متماسك الأركان، يربط حلقاتِ وجودنا بلا انفصال، كما يربطنا النبضُ الواحد بشريان الحياة، فينتظم الخفقانُ في الصدر، ويجري صبيب الدم في العرق بلا انقطاع، وكما نستنشق الهواء العليل بلا اختناق، علينا أن نتعوَّدَ على أن نستنشقَ أنفاس الحياة في وجودٍ مشترك يجمعنا، بلا اختلافٍ يوقِعنا في التناحر والشِّقاق ..

 

• إن مفاتيحَ السعادة لا يملِكُها إلا مَن أشرق قلبُه بأنوار الإيمان، فانجلى عن صدرِه ظلامُ الجهل والضلالة، وتزوَّد في طريقه بزاد العلوم والمعارف النافعة، وصان نفسَه مِن العلل والأسقام، وصدَّها عن الإقبال على الشَّهوات والمحرَّمات، وشغَلها بذِكر الله والطاعات، وارتقى بها مدارجَ السالكين طريقَ الاستقامة والهداية والصلاح، فاصطفاه اللهُ مع الأتقياء الأخيار، ومِن زمرة السُّعداء الأبرار..

 

• إن الحريةَ الحقيقية هي التي وهَبنا الله إياها، فجعلها خلاصًا للرُّوح مِن قيود المادة وأثقالها، وخلاصًا للجسد مما يوهِنه ويستعبِده، في وجودٍ متوازن ومتكامل، يوفِّر لهم شروطَ الحياة الكريمة، وَفْق انتظامِ حركة الإنسان وسعيه في الأرض، ووَفْق ضوابط الشريعة التي سنَّتْ أحكامها لتلبِّي مصالح العباد، ووَفْق غايات الاستخلاف، وعلى وجه الطاعة والتعبُّد والالتزام..

 

• إن أشدَّ ما نعاني منه اليوم ناتجٌ عن تعلُّقنا الشديد بمُتَع الحياة وملذاتها بإسراف، وطمعنا الزائد عن حد الاحتياج، وغفلتنا عن المداومة على العمل للآخرة، والاستعداد ليوم العَرْض والحساب..

 

• إن أشواقَنا المعلَّقة بالدنيا الفانية تنقطع، وتشدُّنا إلى ترطيب القلوب الكالحة، التي لا ترتوي ولا تهدَأ، أما أشواقُنا المعلقة بالآخرة، فهي تصلُ النعيمَ المقيم، وترغَب في امتلاكِ السعادة الأبدية، والارتواء مِن مجراها العَذْب الذي لا يجفُّ ولا ينضُبُ ..

 

• كلُّ كمالٍ إذا ما تم نقصان، فإن تسَلْ عن المرء، فسَلْ عن مبطنه والمخبر، ولا يغريك مِن حاله جمال المظهر، وما أبلَغَ ما قاله أبو البقاءِ الرنديُّ:

لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغرَّ بطِيبِ العيشِ إنسانُ
هِيَ الأمورُ كما شاهَدْتُها دُوَلٌ
مَن سرَّه زمنٌ ساءَتْه أزمانُ

 

• حين يتحوَّلُ السباق في هذه الحياة العامرة بالفتن والشهوات، إلى سباقٍ يلبِّي المطامع الذاتية، والرغبات الساقطة، يصبِح الإنسان مستعدًّا ليتنازلَ عن قيَمه الدِّينية والأخلاقية، ويتقن مختلف اللغات باستثناء لغته التي تمثِّله، ويتابع عن كَثَبٍ أخبار العالم من حوله، ويفتخر بمختلف الحضارات، ويتجاهل تاريخَ أجداده الحافل بالأمجاد، وحضارة بلده وأمته، فيفقِد مقوِّمات شخصيته وهوِّيته، وينسلِخ عن أصوله وفروعه، وعن كل ما يربطه بمنبته وجذوره، إلى أن تبرُدَ في صُلبِه جذوةُ الحياة الكريمة..

 

• إن النفوسَ السويَّة لا يستقيم حالُها إلا بانتهاج سبيل الفِطرة، والعودة إلى الأصول والثوابت، والحفاظ على الطبيعة الإنسانية في أسمى تجلياتها ومظاهرها وصُوَرها؛ فهي التي تجعلُ لحياة الإنسان نظامًا معتدلًا، وفكرًا متوازنًا، وشعورًا مستقرًّا، وتجعل لما يصدُرُ عنه منهجًا مستقيمًا، وأصلًا ثابتًا على دِين الحق، لا يَحيد عن أحكامه ولا يُخالِفها..

 

• إن اليقينَ في الله، والثقة بقدرة الله وكفايته، هي التي تزوِّدُنا بالطاقة المضاعفة، التي تحثُّنا على مواصلة الطريق، مهما كان شاقًّا ووعرًا، وهي التي تشحَذُ همَّتَنا لتحمُّل المِحَن ومكابدة المشاقِّ، والتحلي بالصبر عند نزول البلاء، وتوالي الخطوب، وتعاظم الشدائد..

 

• إننا نحيَا النقيضينِ، فهناك الخيرُ والشر، والعدل والظلم، والسلم والحرب، والفرح والحزن، والهدوء والثورة، ونقابل في الحياة الخبيثَ والطيِّب، والصديق والعدو، والمحب والمُبغِض، والقريب والغريب، والصادق المخلِص والكاذب المنافق... فهي ألوانُ الحياة التي نتلوَّن بها، وننقش وَشْم رسومها المختلفة على قلوبنا؛ كي تخالطَ مجرى عروقنا، وتمتزج بدمائنا، حتى نخرجَ مِن هذه الدنيا ونحن الفُرسان الأقوياء الأشداء، وعباد الله العتقاء الأحرار، وقد ملَكْنا الدنيا ولم تملِكْنا، وفُزْنا مِن غنائمها ونعيمها بزادٍ قليلٍ يكفينا لسلوك طريق الدنيا الفانية، وتطهَّرت أرواحنا مِن الآثام والمظالم والانتهاكات..

 

• إن الكونَ بما حوى قد جمَع بين المعدن الأصيل والمنتحل، والدُّرِّ النفيس والحصى والحجر، كما جمَع طبقات الخلائق؛ فمنهم أهل الفضيلة والرذيلة معًا، وجرَتِ الأوديةُ والأنهار بالماء الصافي العَذْب، وخالَطها الكدَر..


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook