قيام الليل

الكاتب: المدير -
قيام الليل
"من صفات عباد الرحمن (4)
قيام الليل

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

أيها الأحبة الكرام..

نتحدث هنا بعون الله تعالى عن الصفة الرابعة من صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله تعالى في سورة الفرقان، آلا وهي: صفة قيام الليل، أو صلاة الليل، يقول الله تعالى: ? وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ? [الفرقان: 64].

 

قال السعدي - رحمه الله -:

أي: يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم متذللين له، كما قال تعالى: ? تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [السجدة: 16 – 17].

 

وفي هذه الآية بين سبحانه وتعالى أن أهل قيام الليل يفوزون بأرفع المنازل في الجنة فلهم ما أخفي من قرة الأعين في جنات النعيم، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل وفيه: ((فقال موسى أي ربِّ فأيُّ أَهلِ الجنَّةِ أرفعُ منزلةً قال إيَّاها أردتَ وسأحدِّثُكَ عنهم إنِّي قد غرستُ كرامتَهم بيدي وختمتُ عليها فلا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمِعتْ ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ قال ومصداقُ ذلِك في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ))؛ متفق عليه.

 

وقال عليه الصلاة والسلام: (إن في الجنةِ غُرفًا تُرَى ظهورُها من بُطونِها، وبُطونُها من ظهورِها، فقامَ أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسول الله؟! قال: لمن أطابَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلَّى بالليل والناسُ نِيام)؛ رواه الإمام أحمد وصححه الألباني.

 

صلاة الليل من حافظ عليها استحق وسام التقوى فهي من أبرز علامات المتقين، قال سبحانه: ? إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ? [الذاريات: 15 – 18].

 

قيام الليل أيها الأحبة في الله برهان على الإخلاص، ودليل على محبة الأنس بالله، والوقوف بين يديه، فمن خلا بالله أفاض عليه من أنواره وبركاته ورحماته... إنها سعادة أولياء الله، ونزهة المتعلقة قلوبهم بالله..

 

في جنح الظلام، إذا سكنت الدنيا، ونام الناس، وغفل الغافلون، قام الصالحون، بآيات الله يترنمون وبين يديه يبكون، وبه يستغيثون، ولسان حالهم:

لبستُ ثوبَ الرجا والناسُ قد رقدوا
وقمتُ أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا أملي في كل نائبة
ومن عليه لكشف الضر أعتمد

 

أيها الأحبة في الله؛ صلاة الليل هي أفضل صلاة بعد الفريضة قال -عليه الصلاة والسلام: (أفضلُ الصلاة بعد الفريضة: صلاةُ الليل)؛ رواه مسلم.

 

صلاة الليل يكفر الله تعالى بها السيئات، ويمحوا بها الخطيئات، قال -عليه الصلاة والسلام- لمُعاذٍ - رضي الله عنه: (ألآ أدلُّك على أبوابِ الخير؟! الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُطفِئُ الخطيئَةَ كما يُطفِئُ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجلِ في جوفِ)؛ رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

أي: تُطفِئُ أيضًا الخطيئة كما يُطفِئُ الماءُ النار.

 

ولقيام الليل فضائل عظيمة فقليله يُبرِّئُ المؤمن من صفة الغفلة، ومتوسطه يكسوه اسمَ القانت، وكثيره يجلبُ له قناطير الأجر، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين)؛ رواه أبو داود.




وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويطيل القيام حتى تفطرت - يعني تشققت - قدماه الشريفتان، ولما قيل له لم تفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك؟ قال: أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكورًا.

 

فقيام الليل من أعظم وسائل شكر العبد لربه سبحانه وتعالى.

 

أيها الأحبة في الله؛ قيام الليل مستحب للرجال والنساء ويستحب حث الأهل عليه، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَن استَيقظَ مِن اللَّيلِ وأيقظَ امرأتَهُ فصلَّيا ركعتَينِ جميعًا كُتِبا مِن الذَّاكرينَ اللَّهَ كثيرًا والذَّاكراتِ)؛ رواه أبو داود وصححه الألباني.

 

ولأهمية صلاة الليل خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إلى بيت ابنته فاطمة رضي الله عنها وأيقظها هي وزوجها علي رضي الله عنه ليصليان من الليل، وقال: (ألا تصليان؟) متفق عليه.

 

قال الطبريُّ - رحمه الله -:

لولا ما علِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- من عِظَم فضلِ الصلاةِ في الليل ما كان يُزعِجُ ابنتَه وابنَ عمِّه في وقتٍ جعلَه الله لخلقِه سكَنًا، لكنَّه اختارَ لهما إحرازَ تلك الفضيلة على الدَّعَة والسُّكون.

 

أيها الأحبة الكرام؛ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على قيام الليل، ومما ورد في ذلك أنه قال مرة لعبدالله بن عمر - وكان إذ ذاك شابًا -: (نِعمَ الرجلُ عبد اللهِ لو كان يُصلِّي من الليل)؛ متفق عليه.




قال ابنه سالم: فكان عبدُ الله بعد ذلك لا ينامُ من الليل إلا قليلًا.

 

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن عمرو بن العاص فقال له: (يا عبد الله: لا تكُن مثلَ فلانٍ؛ كان يقومُ الليلَ فتركَ قيامَ الليل)؛ رواه البخاري.

 

فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا التابعون لهم بإحسان يسمع لأصواتهم دوي كدوي النحل في جنح الظلام، وكان من المعتاد أن يكونوا مستيقظين في وقت السحر، حتى إن أحدهم زار أخًا له في وقت السحر فلما طرق بابه قيل له أنه نائم فقال سبحان الله ما كنت أظن أحدًا ينام في هذه الساعة.

 

فهل يزار أحد في آخر الليل في زماننا هذا؟

وحق لهم أن لا يناموا في ذلك الوقت المبارك ففي الثلث الأخير من الليل يستجيب الله تعالى للداعين، ويعطي السائلين، ويغفر للمستغفرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له))؛ رواه البخاري ومسلم.

 

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور.

 

وكان أبوهيريرة رضي الله عنه هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل إلى ثلاثة أثلاث كل واحد منهم يقوم من الليل ثلثًا.

 

وعن عبد الله بن أبي بكر قال: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف، في رمضان من القيام، فنستعجل الخدم بالطعام؛ مخافة الفجر.

 

قيام الليل مما أسف على مفارقته معاذ بن جبل رضي الله عنه وغيره عندما حضرتهم الوفاة، قال معاذ رضي الله عنه: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ظمأ الهواجر- يعني الصيام في الأيام الحارة - وقيام الليل، ومزاحمة العلماء بالركب.

 

وقال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة.

 

أيها الأحبة الكرام؛ من الأسباب التي تعين على الليل النية الصادقة والعزم على القيام.

 

ثم الاستعانة بالدعاء فإن التوفيق من الله وحده في قيام الليل وفي كل عمل صالح، كما قيل:

والله لولا الله ما اهتدينا   *** ولا تصدقنا ولا صلينا

 

ومن الأسباب المعينة على قيام الليل البعد عن المحرمات، فإن المعاصي تقيد الإنسان عن فعل الطاعات.

 

قال رجل للحسن البصري رحمه الله: يا أبا سعيد إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال له الحسن: قيدتك ذنوبك.

 

وقال رحمه الله: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.

 

ومن الأسباب المعينة على قيام الليل التبكير في النوم وهذا معلوم مجرب.

 

ومن الأسباب المعينة أيضًا نومة القيلولة.

 

قال إسحاق بن عبد الله: القائلة من عمل أهل الخير، وهي مجمَّة للفؤاد مقواة على قيام الليل.

 

ومر الحسن البصري النهار بقوم في وسط السوق فرأى صخبهم وضجيجهم فقال: أما يقيل هؤلاء؟

 

فقيل له: لا، فقال: إني لأرى ليلهم ليل سوء.

 

فاحرص يا عبدالله على هذه الصلاة ولو بالقليل حتى لا تكتب من الغافلين، وحتى تنال هذه الفضائل، وتفوزبجنات النعيم، فإن الله تعالى يعطي الأجر العظيم على العمل القليل.

 

جعلنا الله وإياكم من أهل قيام الليل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook