كلفك نبيك بمهمة فماذا أنجزت فيها؟

الكاتب: المدير -
كلفك نبيك بمهمة فماذا أنجزت فيها؟
"كلفك نبيُّك بمهمة فماذا أنجزت فيها؟

 

لا بد أن نستشعرَ أهمية الدعوة في حياتنا، وخصوصًا في هذه الأيام، فإن للدعوة إلى الله تعالى أهميةً كبيرة، فهي حياة الأديان، وبها يُعرَف الحقُّ من الباطل، كما أنها وظيفةُ الأنبياء والمرسلين والمصلحين.

 

ويوم تخلَّى المسلمون عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألْغوا عقولَهم - هانوا وحُرِموا الخير كله، ومِن هنا تأتي أهمية الدعوة في حياتنا، والسكوت عنها يؤدي إلى أن تأخذَ المنكرات طريقَها إلى النفوس، فتتمكَّنَ منها، وهذا يؤدي إلى الدمار، وقد حذَّرنا الله تعالى من ذلك، فقال: ? وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ? [الإسراء: 16]، ولهذا أمر الله رسوله والمؤمنين بعده، فقال: ? وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الذاريات: 55]، وقال: ? فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ? [الغاشية: 21]، ويقول تعالى: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? [آل عمران: 110].

 

فما بالكم بزمنٍ أصبَح كثيرٌ من المسلمين فيه لا يَعرِفون شيئًا عن أساسيات دينهم، وهناك مَن هو متعطش لتعلُّم أمور الدين، حتى وإن كان مظهرُهم الخارجي لا يدل على ذلك، ففي نفوسِ كثيرٍ منهم خيرٌ يحتاج إلى مَن يُبرزه، يريدون معرفةَ تعاليم دينهم، لكن لا يعرِفون السبيل إلى ذلك.

 

ليس هذا فقط، بل إن غير المسلمين بحاجة ماسَّة إلى الدعوة، يحتاجون إلى معرفة حقيقة الإسلام، وليس الإسلام المشوَّه الذي يصل إليهم عن طريق الإعلام أو بسبب سلوك بعض المسلمين.

 

قد يقول قائل: ليس عندي العلم الشرعي الكافي للدعوة..

لنقرأ هذا الحديث النبوي الخطير، فلن يجعل لأي فردٍ حُجة في ترك الدعوة إلى الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرَج، ومن كذَب عليَّ متعمِّدًا، فليتبوأ مقعدَه من النار)).

 

لو عَلِمْتُم آية واحدة فقط، فبلِّغوها واجعَلوا لكم دورًا في رجوع الأمة للصراط المستقيم.

كل مَن كان عنده معلومة يُمكن أن يستفيدَ منها مسلمٌ، ولم يذكرها ولم يُعلِّمْها لغيره، ماذا سيقول لله عندما يقف بين يديه؟

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((نضَّر اللهُ امرءًا سمع منَّا شيئًا، فبلَّغه كما سمِعَهُ، فرُبَّ مبلَّغٍ أوعَى لهُ من سامِعٍ)، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((رُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ منه))، والحديثان يدلان على أهمية تبليغ الدين نزولًا عند قوله تعالى: ((بلِّغوا عني ولو آية))، ولا يصدُّ المبلِّغَ في تبليغه جَهلُه بالمبلَّغ به، فقد تسمَع حديثًا أو معلومةً لا تفهم معناها، أو المغزى منها، وتنقلها فتكون حبلَ نجاة لغيرك، تنقل مقالة أو ردًّا على سؤال لا تُلقي له بالًا، يكون سببًا في تغيير حياة إنسان، تجعله يفيق مِن غَفلته، تجعله يُصوِّب فعلًا خاطئًا كان يعمله.

 

وهنا لا بد مِن وقفة لتسأل نفسَك إذا كان المطلوب منك ولو آيةً ولو حديثًا، فماذا قدَّمت لدين الله؟ هل بذلت جهدًا في خدمة الدين ولو كان قليلًا؟ هل أهديتَ لقريب أو زميل شريطًا بعد أن سمِعته أو كُتيبًا بعد أن قرأته؟ هل قرأت معلومة أعجبتك فنشَرتها على وسائل التواصل الاجتماعي؟

 

لم تنتشر المنكرات في مجتمعنا في يوم وليلة، ولكن انتشرت؛ لأن واحدًا فعل وآخر سكت، وهما شريكان في الإثم، ولا ينجو إلا مَن نهى عن المنكر وأمر بالمعروف بمعروف.

 

كلنا قرأنا قصة أصحاب السبت في سورة الأعراف: ? وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ? [الأعراف: 164]، يقولون لمن ينهى أصحاب السبت عمَّا يفعلونه من منكر: لماذا تتعبون أنفسكم مع قوم لا أمل في هدايتهم؟! فيقولون: ? مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ? [الأعراف: 164]، فماذا كانت النتيجة؟ لَمَّا نزل العذاب ذكر الله كيف نجا مَن أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وذكر عذاب أصحاب السبت، أما مَن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد سكتوا فسكت الله عنهم.

 

في مجالسنا ومجتمعنا مَن يُشوش على الناس مفاهيمهم، ويُلبس عليهم دينَهم، وينتقص أهل الصلاح منهم، فهل دافعت عن دينك وعن أهل الصلاح بالتي هي أحسن؟

 

ويَحضرني هنا قصتين:

الأولى: قصة تلك المرأة النصرانية التي حضرت أحد المؤتمرات التي أُقيمت للتعريف بالدين الإسلامي، وبعد سماعها لتعريف مختصر لخصائص هذا الدين ومميزاته، قالت: لئن كان ما ذكرتُموه عن دينكم صحيحًا، إنكم لظالمون! فقيل لها: لماذا؟ قالت: لأنكم لم تعمَلوا على نشره بين الناس والدعوة إليه!

 

والثانية: ذكر أحد الدعاة أنه كان في بعض دول إفريقيا في رحلة شاقة إلى قرية من القرى، وكانت السيارة تسير وسط غابة كثيفة، والطريق وعرٌ وعورة يستحيل معها أن تُسرع السيارة أكثر من 20 كم في الساعة، وقد بلَغ منَّا الإرهاقُ مبلغَه، وكأن البعض قد ضاق صدره من طول الرحلة، وبدأ يتأفَّف من شدة الحر وكثرة الذباب والغبار الذي ملأ جو السيارة، وفجأة يقول: شاهَدنا على قارعة الطريق امرأة أوروبية قد امتطت حمارًا وعلَّقت صليبًا كبيرًا على صدرها وبيدها منظارٌ، وعند سؤالها عن سبب وجودها في هذه الغابة، تبيَّن أنها تدعو للصليب في كنيسة داخل القرية ولها سنتان، قال صاحبي: فقلنا: (اللهم إنا نعوذ بك من جَلَدِ الفاجر وعَجزِ الثِّقة).

 

الهدهد يعمل للدعوة، فلا يستطيع أن يرى منكرًا ويسكت، لم يقل: إن هذا لا يعنيني! لم يقل: أسأل الله لهم الهداية، واكتفى بذلك! لم يتصرف بسلبية! بل تحرَّك وكان سببًا في هداية قوم سبأ جميعًا.

 

قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن دَعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثلُ أجورِ مَن تَبِعَه، لا ينقص ذلك من أجورِهم شيئًا))؛ رواه مسلم.

 

كان أول من أسلَم برسالة الإسلام خديجة بنت خويلد وأبو بكر الصديق، وزيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وفي اليوم الثاني من أيام الدعوة بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأوائل يتحرَّكون لانتقاء عناصر جديدة.

 

ولنا وقفةٌ مهمة مع حركة الصِّديق رضي الله عنه، هذه الوقفة ذكرها الدكتور راغب السرجاني في دروسه عن السيرة النبوية - في درس الدعوة سرًّا - فقد كان الصديق إيجابيًّا بدرجة لا يُمكن وصفُها، فقد أسلم على يديه: عثمان بن عفان (28) سنة، والزبير بن العوام (15) سنة، وسعد بن أبي وقاص (17) سنة، وطلحة بن عبيدالله (16) سنة، وعبدالرحمن بن عوف (30) سنة، رضي الله عنهم جميعًا، وكل هؤلاء أخذوا قرار تغيير الدين والارتباط بالإسلام، وتحمُّل المشاق الضخمة في هذه السن المبكرة، وهؤلاء الخمسة جميعهم من العشرة المبشرين بالجنة.

 

قد نتخيَّل أن الصديق بعد هذا المشوار الطويل الضخم الذي أسلم فيه على يديه خمسة من أعظم عظماء الإسلام، قد أخذ قسطًا من الراحة، لا، بل إنه أتى بمجموعة ثانية من العمالقة في الإسلام:

أول اسم: أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة.

 

الاسم الثاني: عثمان بن مظعون من كبار الصحابة، ومن أوائل المهاجرين إلى الحبشة.

الاسم الثالث: الأرقم بن أبي الأرقم، وهذا الاسم يحمل معانيَ كثيرةً.

الاسم الرابع: أبو سلمة بن عبدالأسد، زوج أم سلمة، وكلاهما مِن أوائل مَن أسلَم، وغيرهم كثير.

 

هذا النشاط يحتاج إلى وقفة وتحليل ودراسة، ما معنى أن تكون دعوة الصِّديق بهذه الروعة؟ لماذا استُجيب للصِّديق بهذه الصورة؟

 

لقد كان الصديق ليِّنَ الجانب، وببساطة ليس بالفظِّ ولا بالغليظ، وكان تاجرًا ذا خُلق واستقامة، فقد كان صدوقًا، كريمًا رحيمًا، فيه رأفة وأدبٌ وخلق حسنٌ، كما كان الصديق عالِمًا بعلم زمانه وهو علمُ الأنساب، والطبقة المثقفة في مكة كانت تحبُّ أن تجلس معه وتسمَع منه الأنساب، وكان من أدبه أنه كان لا يَطعن في أنساب أحدٍ، مع علمه بكل نقيصة في كل نسبٍ، فهذا مِن حُسن خُلقه رضي الله عنه وأرضاه؛ فكيف لا يستجيب الناس لدعوته وهو بهذه الصفات؟ وهنا نقف وقفة مع أنفسنا ونسأل: أتى الصديق بهؤلاء ونحن بِمَن أتينا؟ هل أتينا إلى المسجد بمسلمٍ لا يعرف طريق المساجد؟ هل دفَعنا بمسلمٍ إلى قراءة القرآن بعد أن هجره سنوات طويلة؟ هل شرَحنا لمسلمٍ حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد نسِيهم أو تناساهم؟ هل هذَّبنا من أخلاق أبنائنا وأصحابنا وشركائنا وزبائننا وجيراننا؟ هل وصلنا بالدعوة إلى كل مَن نعرِف؟ هل...؟ هل...؟

 

اهتِداءُ شخص واحد بسَبَب دعوتك ونصيحتك، خيرٌ لك من أَنْفَسِ الأموال؛ يقول عليه الصلاة والسلام: ((فوَالله لأن يَهدِيَ الله بكَ رَجلًا واحدًا، خيرٌ لك مِن حُمر النَّعَم))؛ متفق عليه.

 

حُمر النَّعم: جمع حمراء، وهي الناقة الحمراء، وكانت أعجب المال إلى العرب في ذلك الزمان، وأحب المال إلى العرب في ذلك الزمن، فإذا هدى الله بك رجلًا واحدًا، كان ذلك خيرًا لك مِن حُمر النَّعم، وخيرًا لك من كنوز الدنيا كلِّها، تخيَّل كيف تأخذ مثل حسناته؛ قال: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزارهم شَيْئًا)).

 

في مدينة (ميونخ) الألمانية توجد لوحة كبيرةٌ مكتوب عليها: أنت لا تعرِف إطارات يوكوهاما، فرآها داعية مسلم شهير، فنصب هذا الداعية لوحةً كبيرة بجانب هذه اللوحة، وكتب عليها: أنت لا تعرف الإسلام، فإن أردتَ معرفته فاتَّصل علينا على هاتف كذا وكذا، وانهالت عليه الاتصالات من الألمان من كل حدبٍ وصوبٍ، حتى أسلَم على يديه في سنة واحدة ألفُ ألماني ما بين رجلٍ وامرأة، وأقام مسجدًا ومركزًا إسلاميًّا ودارًا للتعليم، فالبشرية حائرةٌ وهي بحاجة ماسَّة إلى الإسلام.

 

هذا حال أصحاب الهِمَّة، مَن جعلوا حياتهم كلها للدعوة، ما يشغل بالَهم هو صلاحُ الناس وهدايتهم، لم يكتفوا بأن يكونوا صالحين، بل اختاروا أن يكونوا مصلحين؛ روى الترمذي بسنده عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيدِه، لتَأمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنهَوُنَّ عن المنكرِ، أو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يَبعثَ عليكمْ عقابًا منهُ، ثم تدعونه، فلا يُستجابُ لكمْ)).

 

فهذه الإنذارات المؤكدة بنزول العذاب، وتسلُّط الظالم، وعدم الاستجابة لدعاء الصالحين، وعدم المغفرة لهم، وخِذلانهم جزاءَ تركهم الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر - تدل على غضب الله وسَخَطِه على تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

ولقد لعَن الله عز وجل في كتابه الحكيم كاتِمَ العلم، فقال عز من قائل: ? إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ? [البقرة: 159].

 

مهما كنتَ عظيمًا ومبدعًا وصالحًا، فستظل شخصًا عاديًّا مالم تشارك بقوة في إصلاح العباد ونفع البلاد.

وهنا نطرح سؤالًا: ماذا إذا نصحنا أحدًا ولم يستجب، ولم يقبل النصيحةَ، وكرَّرنا النصيحة مرارًا، فهل نيئَس ونترك دعوته؟

 

علينا أولًا أن نراجع أنفسَنا، فقد يكون أسلوبنا في دعوتنا له غيرَ صحيحٍ، أو لم نختر الزمان أو المكان المناسبَيْن، أو لم نأخذ بالأساليب التي وضعها الله لنا في كتابه؛ لتكون منهجًا لنا في دعوتنا.

 

فإذا وجدنا أنَّا بذَلنا جهدنا فعلًا، فالحمد لله قد حصَلنا على الأجر بإذن الله، ومَن هم خيرٌ منَّا من الأنبياء والمرسلين قوبِلت دعوتُهم بالرفض.

 

ولكن هل أترك نُصحَه؟

لقد مكَث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو قومه إلى الإسلام، ولكنهم كانوا معاندين رافضين لها، ومع ذلك لم ييئَس، وبعد فتح مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، مَن يرفض الدعوة اليوم قد يستجيب بعد شهر أو سنة، فلا تيئَس!


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook