كلمات للدعاة

الكاتب: المدير -
كلمات للدعاة
"كلمات للدعاة




أولًا: ما يتعلق بالداعي:

إن الداعي الأول وقدوة الدعاة، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بلَّغ رسالة الله تعالى إلى الجن والإنس، فالجن حينما استَمَعوا إلى القرآن أنصتوا إليه، وصاروا في الحال دعاةً؛ إذ انصرفوا إلى قومِهم يُبلِّغونهم، ويأمرونهم بإجابة داعي الله والإيمان به، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ? وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ? [الأحقاف: 29 - 32].

 

وهنا كانت دعوتُه صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة - هي الدعوةَ لِمَا فيه الحياة؛ أي: لما فيه حياة القلوب بالإيمان بالله عز وجل، وحياة القلوب بالقرآن الكريم، وكذلك حياة الأمة بالجهاد لإعلاء كلمة الله عز وجل، ولنصرة دين الله تعالى، ولعزة الإسلام والمسلمين.

 

ومِن هنا كان على الداعي أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يسلك منهجه في الدعوة إلى الله؛ وذلك فيما يلي:

1- الدعوة إلى الاستجابة القوية والفورية لِمَا فيه حياة المسلمين، فالإسلام حياة؛ لأن العقيدة في الإسلام هي التوحيد، وهو تحرير الإنسان مِن العبودية لغير الله عز وجل، ولأن شريعة الإسلام قائمةٌ على الرحمة والعدل، والتيسير على الناس، وما فيه صلاح معاشهم ومعادهم، ولأن أخلاق الإسلام هي الإحسان إلى الناس وحب الخير لهم، وحب الهداية لإنقاذهم من ضلالات الكفر والشرك إلى نور الإيمان وحياة القلوب.

 

2- اتِّقاء الفتنة، والتحذير من ترك الاستجابة، والتهاون في أمور الدين؛ فإن عاقبة ذلك علوُّ كلمة المشركين على المسلمين، وإيذاؤهم بسبب إيمانهم، وصرفهم عن اتِّباع أوامر الله والخضوع لحكمه.

 

3- تذكُّر نعم الله عز وجل، وأعظم هذه النعم هي نعمة الإسلام والهداية إليه، ونعمُ الله تعالى تُقابَل بالشكر لا بالجحود، والشكر عملٌ، وأفضل الأعمال هي الدعوة إلى الله تعالى؛ فهي وظيفة الأنبياء ومَن سلك طريقهم.

 

4- التحذير من الخيانة، وحفظُ الأمانة، فالدعوة إلى الله أمانة كلَّف الله بها مَن اصطفى من عباده، يقول الإمام أحمد [*]:

(الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسلِ بقايا من أهل العلم، يدْعون مَن ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيُون بكتاب الله الموتى، ويُبصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم مِن قتيل لإبليس قد أَحْيَوه، وكم مِن ضالٍّ تائهٍ حيرانَ قد هدوه، فما أحسن أثرَهم على الناس، وأقبحَ أثرَ الناس عليهم، يَنْفُون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، يخدعون جهال الناس، نعوذ بالله من شُبَه المضلِّين) [1].

 

ومِن هنا؛ فإن الدعوة إلى الله أمانة وحملٌ ثقيل، لا يقوم بها ولا يحتملها إلا أصحابُ الهمم العالية، والعقول الذكية، والقلوب النقية، والصدور الواسعة التي تبذل وقتها وجهدها ابتغاءَ مرضات الله عز وجل، وتصبر على أذى المعارضين، ودعاوى المبطلين، واتِّهامات المشككين، قال تعالى: ? إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ? [المزمل: 5].

 

5- التحذير من فتنة المال والولد؛ ذلك لأن الحرص على المال، والخوف على الولد - من الأسباب الداعية إلى التخلي عن أداء واجب الدعوة، فعلى الداعي ألا يخاف على ماله وعياله؛ فالله حافظُهم؛ ? فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ? [يوسف: 64].

 

ثانيًا: ما يتعلَّق بالمدعو:

فعلى مَن دُعِيَ أن يبادر ويسارع بالاستجابة، فإن عقوبة الإعراض وخيمة، فلا يظن أيُّ إنسان أن ماله أو ولده سينفعانه، فالحرص على المال أو الولد مذلَّة وضياع للدِّين، فالدين أغلى مِن الحياة ومن المال والولد، بل من الدنيا بأسرها، فالحياة الكريمة إنما هي في الإسلام وتطبيقه منهجًا وسلوكًا ليقود الحياة كلها، وهو ليس عبادات فقط، بل معاملات تُنظِّم شؤون الناس؛ في السياسة والاقتصاد، وفي السِّلم والحرب، والأسرة والمجتمع، فإذا استجاب الناس، نعموا بالحياة الكريمة، وأمنوا الفتنة، ونجَوا من العقوبات الإلهية.

 

ثالثًا: ما يتعلق بالأسلوب:

أ - أسلوب الموعظة الحسنة:

الوعظ - لغة: النصح والتذكير بالعواقب، وقد وعظه عِظة (بالكسر) فاتعظ؛ أي: قَبِل الموعظة، ويقال: السعيدُ مَن وُعِظ بغيره، والشقي مَن اتَّعظ به غيرُه[2]، وفي الاصطلاح: إسداء النصح والتذكير بالخير.

 

والحسن ضد القبح، فالحسن صفة ملازمة للموعظة؛ أي: إن الموعظة لا تنفع ولا تؤتي ثمارها إلا إذا كانت حسنةً، وهو أمر الشارع الحكيم، فهو الأعلم بأحوال الناس، فالإحسان يقابَل بالإحسان، وقد يقابَل بالإساءة، كما قد يدعو الداعي أناسًا ويقابِلونه بالإساءة إليه، أو بالإعراض عنه، أو بإيذائه، فلا بد أن يصبر ويواصل دعوته، ويقابِل إساءة الناس بالإحسان.

 

ويقول الدكتور عبدالخالق إبراهيم إسماعيل:

(الموعظة الحسنة هي التوجيهات الرشيدة التي تفيد القرب النفسي بين الداعي والمدعوين، بما تشمله من آثار الانفعال وإيقاظ الشعور، ومن المعلوم أن الداعي يقصد تقديم النصيحة إلى المدعوِّين، كما أنه يخاف عليهم من عصيان ربهم والوقوع في التهلُكة، والموعظةُ الحسنة تقوم على التعاطف بين الداعي والمدعوين، ومحاولة جذب قلوبهم إليه عن طريق القول اللين والكلام الحسن المقبول، وعدم اللجوء إلى الخشونة والغلظة في المواعظ) [3].

 

وقد تجلى أسلوب الموعظة الحسنة الطيبة فيما يلي:

1- النداء الحبيب: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ?، وهو أيضًا تشريفٌ لمَن يناديهم الله عز وجل.

2- الدعوة إلى الحياة، وهي دعوة محبَّبة إلى كل إنسان، وهي حياة الإيمان والتقوى، فالتقيُّ هو السعيد، والمؤمن مطمئنُّ القلب، هادئ النفس.

3- التحذير من وقوع الفتنة بترك الاستجابة.

4- التذكير بنعم الله عز وجل، والتحريض على شكرها بسرعة الاستجابة لنداء الحياة.

5- التحذير من الخيانة ومن فتنة المال والولد.

6- بيان أن التقوى عاقبتها السعادة، والفضل العظيم، والنصر الأكيد.

 

ب - أسلوب الترغيب والترهيب:

وقد تجلَّى ذلك واضحًا في الترغيب في الاستجابة لدعوة الحياة باتِّباع أوامر الله عز وجل، وبالإيمان به سبحانه، وبالتقوى والترغيب فيها ببيان ثمارها الطيبة.

 

كذلك تجلى أسلوبُ الترهيب من وقوع الفتنة ومن العقوبة في حال ترك الاستجابة، والتحذير من الانشغال بالمال والولد، وترك الجهاد والدعوة خوفًا أو حرصًا، فإن ما عند الله أفضلُ وأعظم.

 

وقد تجلى هنا أسلوب آخر، وهو أسلوب التودد إلى المدعوين؛ وذلك بتذكيرهم بفضل الله عليهم، وإنعامه بالإيواء والتأييد والنصر، والرزق الحلال الطيب، فالتوددُ إلى الناس أسلوبٌ من أفضل الأساليب وأعظمِها تأثيرًا في نفوس المدعوين؛ مما يجعلهم يسارعون بالاستجابة.

 

ج - أسلوب القدوة العملية:

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةَ العملية للصحابة رضي الله عنهم، فلقد استجاب وبلَّغ ونصح، وأمر ونهَى، ودعا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادَل بالتي هي أحسن، وجاهَد بالكلمة واللسان، قبل أن يؤمر برد العدوان، وناله الأذى كما نال أصحابه، وهاجر كما هاجروا، وخرج معهم لملاقاة قريش، وشارَكَهم وشاوَرهم في كل الأمور، فكان قدوة لهم، كما كان وجوده معهم في كل موقف حافزًا لهم على الاستجابة والجهاد والتضحية.

 

وجدير بالذكر أن القدوة الحسنة تعد كذلك من الوسائل (المعنوية)، فهي دعوة بلا قول، ولأن بعض الناس يَضِيقون بسماع المواعظ، ولا يقبلون النصيحة، ولا يستجيبون لأمر ولا لنهي؛ فهؤلاء تؤثِّر فيهم وسيلة القدوة الطيبة، فهي دعوة عملية تطبيقية، وفي هذا يقول الدكتور عبدالخالق:

(إن الداعية يكسب لدعوته بسلوكه أكثرَ مما يكسبه لها بخطبه ومواعظه؛ ذلك لأن الناس ينظرون دائمًا إلى الدعاة كنماذج حية لما يدْعون إليه، ويتأثرون بسلوكهم العملي أكثر مما يتأثرون بكلمات حلوة، وخطب مؤثرة، وندوات مثيرة) [4].

 

ومما سبق يتضح أن من خصائص منهج الدعوة في السورة الكريمة ما يلي:

1- أنه منهج رباني، فكانت هذه التوجيهات مناسبة لهذه المرحلة من مراحل الدعوة، فلقد سبق هذه المرحلةَ مرحلةٌ لاقى فيها المسلمون أشد أنواع الإيذاء والحصار، والإخراج من الوطن، وكان التذكير بعد ذلك بنعم الله على المؤمنين تنبيهًا وتحفيزًا على المحافظة على النصر، وعلى نعم الله التي منَّ بها على المؤمنين، فالله عز وجل يُربِّي عباده بالرخاء كما يربِّيهم بالشدة؛ قال تعالى: ? وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ? [الأنبياء: 35].

 

وقال تعالى: ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ? [البقرة: 214].

 

2- التنوع في الخطاب، فهناك الأمر بالمسارعة بالإجابة قبل أن يحُول بين المرء وبين ما يريد ما ليس بيده، ثم التحذير من ترك الاستجابة؛ فإن ذلك من أسباب وقوع الفتنة وشمولها للظالم وغيره، وإن العقوبة تعم الجميع من صالح وفاسد، كذلك فإن النفس البشرية تميل - بفطرتها - إلى المال، وتتعلق بالولد؛ لهذا جاء التنبيه والتحذير منهما، وبيان أن ما عند الله خير، ولقد جاء تقرير هذه الحقيقة في مواضعَ أخرى في كتاب الله عز وجل؛ قال تعالى: ? الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ? [الكهف: 46].

 

وقال تعالى: ? زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ? [آل عمران: 14، 15]، وكان الترغيب في الحياة الطيبة وفي تقوى الله عز وجل وبيان ثمارها الطيبة، كما كان الترهيب من الفتنة وعواقبها.




[*] هو أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني: جيء به مِن مَرْو حملًا، فوُلد في ربيع الأول سنة 164، وتوفي ببغداد سنة 241هـ، وامتُحِن سجنًا وضربًا لقوله: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكان يحفظ ألف ألف حديث، حُزِرَتْ كتبه يوم مات، فبلغت اثني عشر حملًا.

[1] تفسير سورة النور؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الريان للتراث، ط1، 1987، ص 28.

[2] مختار الصحاح مادة (و ع ظ).

[3] مباحث في الدعوة، ص 230.

[4] مباحث في الدعوة، ص252.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook