كلمات من حبيب فارقنا.. عم أحمد

الكاتب: المدير -
كلمات من حبيب فارقنا.. عم أحمد
"كلمات من حبيب فارقنا..
عم أحمد




رحمة الله عليه؛ فقد عُرِف بـ(فكر ربَّاني)، ولا يعلم ما أقولُه إلا مَن قرأ في أدبيَّات المربِّين الإسلاميِّين، ثم سمِع ما تفوَّه به حبيبُنا، وما ألهمه الله من توفيقاتٍ وإرشادات؛ فقد أجرى الله تعالى على لسانِه الكثيرَ مِن الحِكَم والقصص الهادفة، وصدق الله: ? وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ? [البقرة: 269].




لا تكادُ تُصدِّق أن يخرُجَ هذا الكلامُ مِن رجلٍ عامِّيٍّ بسيطٍ، في حين أن العالِمَ في عصرنا يَجمع شتات الكلمات والموضوعات والفِقْرات، وتأتي جوفاءَ، خرجتْ من ذهنٍ جَمَع، وما وعى ما جمَعَه، فتأتي خاليةً مِن نبض قلب أُشرِبَ بنور الحق.




كانت له كلماتٌ تُعبِّر عن التديُّن بالفطرة، بدون تعقيد ولا فلسفة، تلك الفلسفة التي تشطط بصاحبها وتنحرف به عن الجادة، بل تجلس بين يدَيْه فإذا بابتسامتِه وتلميحاته وإشاراته احتوَتْك، فيُشعِرك بأنك للدارِ سيِّدٌ، وهو عليك الضيف، لا يُشعِرك بتعبِه، وكان كثيرَ العمل والضرب في الأرض ابتغاءَ فضلِ الله تعالى، بل قد تجلِسُ الساعاتِ تُناقِشُه ويُناقِشُك بذهن متوقدٍ، لم يفتُرْ مُذْ عرَفته إلى موته، ما يقرب من خمسةَ عشرَ عامًا، مُتوقِّد الذهن، رَحْب الصدر، كريم اليد، هاشًّا باشًّا، بارًّا بالداني والقاصي، يتَّخِذ مِن الحديث وسيلةً للترابط والمحبَّة؛ فأحبَّه الكبير والصغير، ووجدنا ذلك يومَ جنازته التي حضرها المئات والمئات من رجال ونساء، شباب وشيبة، الكل يترحَّمُون عليه، ويطلُبون له الجنة، فيا رب أبلِغْه الجنةَ، وأفسِحْ له في قبره، واحشُرْه في رُفقة نبيِّك الحبيب صلى الله عليه وسلم.




من تلك الكلمات التي كثرت على لسانه، أُسجِّل ما يلي:

(1) الكون كله يُسَبِّح لله:

كثرت على لسانه آيةُ ? كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ? [النور: 41]، فبصفاء بصيرتِه أبصر حقيقةً قد تغيب عن بعضِنا مع كثرة الانشغالات والبحث عن التعليلات المادية، إلى أن الكون كلَّه يُسبِّح لله، وخاصة وأن عمله بالنحلِ جعله يقترِبُ إلى قراءة الكون المنظورِ، والتفكُّر في خلق الله، فلربَّما سمِع بقلبِه تسبيحَ الحجر والشجر، وذلك مِن فرط عمله وحبِّه لِما يقوم به.




(2) ? يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ? [الانشقاق: 6]:

موضوعُ الإنسان هو غاية فكرِه وكلامه؛ فهو على يقينٍ بأن المرءَ منا عليه تكاليف، ولم يُخلق هملًا، بل خلقه الله لغايةٍ، ولا بدَّ يومًا مِن الرجوع إلى الله للمحاسبة، وأن الدنيا ليسَتْ للنعيم، بل هي دارُ عملٍ ومشقَّة، فكثُرَ على لسانِه: ? لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ? [البلد: 4]، وهذه الآيةُ كان يُدَنْدِنُ حولَها مِن المواعظ والحكم على الحثِّ على العمل وبذل المعروف، وهذا من أجلِ الحياة الحقة حياةِ الآخرة، فيُحفِّز تارةً على الصبر في تلقِّي المصاعب، ويحث مراتٍ على الرضا، وعلى لسانه: الحياةُ كلُّها كبَد ومشقة، ولا راحة فيها!




الدنيا كجَناحِ بَعُوضة:

مِن أكثر الكلمات التي تسمَعُها منه في تحقير أمر الدنيا، ويذكر حديث ابن عمر: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.




(3) الأسماء الحسنى:

كان رحمة الله عليه يُكثِرُ مِن اسم الله الحفيظ، وخاصة في أخرياتِ أيامه، فإذا كلَّمه شاكٍ أو مهمومٌ يبتَسِمُ ويُردِّد مكررًا كلمةَ: يا حفيظ يا حفيظ، وكذلك اسم الله المُغِيث، وكأنه يتقرَّب إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى؛ فمِن أين له أن يعرِفَ ما لا نكاد نعرِفُه نحن مِن تلك الأسماء بالدرس والمدارسة؟!




أظنُّه التوفيقَ الربَّانِيَّ؛ فعملُه في فضاءِ الكون مع النحل أخرج ما فيه مِن فطرةٍ أودعها الله في قلب المؤمن، فهو يعبد الله ببساطة العبدِ المُلهَم المُوفَّق مِن قِبَل مولاه، والله وليُّ المتَّقين.




ومِن الأسماء الحسنى التي عاش بها الوكيلُ، وهو دائمًا يُردِّد الحديث: ((لو أنكم توكلتم على الله حق توكُّله، لرزقَكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا، وتروح بِطانًا)).




(4) بالتقوى يلين لك الحديد:

مِن الحِكَم التي يندُرُ ألا يتذكَّرها مَن جلس معه:

ألا بالصبرِ تبلُغُ ما تُرِيدُ ??? وبالتقوى يَلِينُ لك الحديدُ




(5) الحمد والرضا:

ما أكثر النِّعمَ التي بين أيدِينا!

ربُّك أعطاك مِن النِّعم التي لا تُقدَّر بمالٍ، فهل تستبدل مليون جنيه بما تملك؟




هي كلماتُه، وهو لم يقرَأْ ما نقرؤه، ويصيبنا التضجُّر لأتفه الأسباب، ويحكي دائمًا قصةً سمعتُها منه أكثر من مرة:

رجل غني في صحراء واحتاج إلى مال - وقد أُتِي بماء ليشرب - على أن يفقِدَ نصفَ مُلكه فوافق، فقيل له: لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بنصف ملكك الثاني؟ قال: نعم، قيل: فلا خير في ملك لا يساوي شربةَ ماءٍ.




فنسمَعُ منه هذه القصة، فإذا بكلمات الحمد تخرُجُ مِن القلوب بعدما جسَّد لك بقصةٍ قدرَ ما عندك من النِّعم، وأيقظ قلبَك لمقدار هذه النعم، وفي خاطرك الاستعاذة بالله مِن زوال نِعَمِه وتحوُّل عافيته.




(6) برحمة الله ندخل الجنة:

يهمِسُ في أذني قائلًا: أتظنُّ أن بعملك تستحقُّ دخول الجنة؟!




الجنة غالية جدًّا، ومهما عمِلتَ، فعملك ليس بالثمنِ الوافي لها، ويذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخُلُ أحدُكم الجنةَ بعمله!))، قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله منه برحمةٍ وفضلٍ)).




(7) توحيد القلب والقصد:

مما كثُرَتْ على لسانه من آي الذكر قولُ الله تعالى: ? إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ? [التغابن: 14]، وكان يقصدُ منها ألا تنشغلَ بمشاغل الحياة، فتنغمس فيها فتُنسِيك ربَّك، فاجمَعْ شتاتَ قلبِك، واحذَرْ فتنة الدنيا، وأظهرُ فِتَنِها الزوجةُ والولد، فلا يصدنَّك عن قصدك الأساسي، وهو العبادة لله الواحد.




ومما أتعجَّب منه أنه في آخر يوم له في دنيانا أكَّد على عفوه، وأن سامح رفيقتَه، وهو يقصد بقية الآية: ? وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [التغابن: 14].




عاش بالقرآن ومعانيه، وخَالَقَ الناسَ بخُلُق القرآن، ومشَى في الأرض بمعانيه، فكان مما حباه الله إياه أنه ثبَت على الحق وتخلَّق إلى آخر أنفاسه بخُلُق القرآن الكريم.




(8) الأنبياء:

ومِن أحب ما يميلُ إلى ذكرِه دائمًا قصصُ الأنبياء، وعلى الأخص إدريس عليه السلام، وهو أوَّلُ مَن خطَّ بالقلم، وعمل بالحياكة، ورفعه الله مكانًا عَلِيًّا، بل مِن العجيب أنه ذكر قصة نبيِّ الله إدريس عليه السلام من سورة مريم، وذلك قبل موته بيوم واحد، وأذكر وهو يذكرني به وبسورة مريم، وما بها من ذكر للأنبياء عليهم السلام.




وكان يحب ذكر داود عليه السلام، وأنه كان يعمَلُ حدَّادًا، وسخَّر الله له الجبالَ يُسبِّحن معه والطيرَ، وموسى عليه السلام، ويذكر قولَ الله تعالى: ? كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ? [الشعراء: 62]، ونوح وقصته مع ابنِه وقوله عليه السلام عن الدنيا بأن لها بابين؛ دخلتُ مِن أحدهما، وخرجتُ من الآخر.




(9) التشهُّد:

المعراجُ وكلام الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم والصلاة والتشهُّد، وحبه الجم لقراءة التشهُّد، وكيفية الحديث الذي دار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء المعراج.




(10) آيات وسور:

من الآيات التي ما تفتأ على لسانه ليلَ نهارَ:

أ- مِن سورة ق: ? فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ? [ق: 22].

ب- و آية الكرسي.

ج- وآية: ? كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ? [الرحمن: 26].

د- ونهاية سورة الأحزاب، محاولًا بسط بعض ما فهِمه، فيقول: فالإنسان ظلوم وقت حمل الأمانة جهول ليوم الحساب.




وأختم بموقف لن أنساه:

عندما قرأتُ عليه من سورة الكهف، وذلك في أول يوم مِن وفاة ابنِه - قولَ الله تعالى: ? أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ? [الكهف: 81]، وأردت بذلك - في ظني - أن أُخفِّف عنه مصيبةَ موتِ ولدِه الصغير، وفجيعةَ فقدانِ الابن، وبأن قدرَ الله خيرٌ، فلربما يكبر الولدُ فيكون وبالًا عليه، فإذا به لم يكتَرِثْ بأمري، ولم يَزِدْ عن أنه نظَر لي، ونظر إلى موضع الآية من المصحف؛ إذ أشرت له على موضعها وابتسَم، ولا أدري مِن يومها ما المغزى مِن نظرته ومِن تبسُّمِه هذا؟! أهو تصديقٌ لِمَا توصَّلتُ إليه مِن فَهْم وإنزال الآية على الموقف، أم أنه تبسم أمام جهلي وعدم تقديري للأمر؟!


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook