لا تعقروا الناقة!

الكاتب: المدير -
لا تعقروا الناقة!
"لا تعقروا الناقة!

 

عن أبي كبشة الأنماري: لما كان في غزوةِ تبوكَ تسارع الناسُ إلى أرضِ الحجر ِيدخلون عليهم فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنادَى الناسَ الصلاةُ جامعةٌ قال فأتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو ممسكٌ بعيرَه وهو يقولُ: ما يدخلون على قومٍ غضب اللهُ عليهم، فناداه رجلٌ تعجب منهم: يا رسولَ اللهِ، قال: أفلا أُنِّبئُكم بأعجبَ من ذلك، رجلٌ من أنفسِكم ينبِّئُكم مما كان قبلَكم، وبما هو كائنٌ بعدَكم، فاستقيموا، وسدِّدوا فإن اللهَ عزَّ وجلَّ لا يعبأُ بعذابِكم شيئًا، وسيأتي قومٌ لا يدفعون عن أنفسِهم بشيءٍ[1].

 

هذا حديث عظيم الشأن، وقد رواه المصنف رحمه الله تعالى مناسبة مرور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ديار ثمود قوم نبي الله صالح عليه السلام، وحين عقروا ناقة الله، الآية! وإذ كان من آياتها، أنها تشرب يوم شربها الماء كله! والذي كانت تشربه ثمود يومها التالي كله أيضا! لكن فارقا، ولا مقارنة من بابها، بين ما يكفي قوما بأكملهم، وإذ تشربه ناقة واحدة يومها التالي بأكمله! ولكنها وكفاها أنها ناقة الله تعالى! وفي إضافة ضافية، ولئلا يقال من بعدها من قول آخر، ومنسوبا لأي أحد آخر أيضا!

 

وقد كان هذا برهان وجوب إسلام القوم وجوههم لله تعالى، وحين رأوا ذلك، ومن بعد ما رأوا الآيات، ولكنك وماذا تقول، وحين تعمى البصائر عن الهدى وآياته؟! ولكنك وماذا أنت فاعل، وحين لا تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون؟! ولكنك أيضا، ولا يزال العجب يتملك فؤادك، وحين أقول لك: إنه كانت من آيات هذه الناقة أنهم ويوم شربها يشربون من لبنها! وهذا مطلق إنكار الجميل، وهذا عموم إدارة الظهور لذوي الفضل والإنعام والجود والكرم والبذل والعطاء! وحين كانت لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وإلى هذا الحد الذي رأيناه معا!

 

فهذه ناقة يكفي لبنها ثمود قوم صالح يومهم كله! ورغمه، فليس كان قد تحرك فيهم ساكن الإيمان والتوبة إلى الله تعالى الخالق البارئ المصور! ورغم ذلك فقد كان مقتضى العقل السليم، وحين يرى ناقة يشربون- كلهم-، لبنها- كله-، يوم شربها، ولم ترفض، ولم ترفس، ولم تأب! وهاتوا لنا قوما يشربون من لبن بقرة لديهم أو حتى ماعز، ونسألهم الله تعالى معا، وماذا هم فاعلون معها إلا حفظا وإكلاء تامين دائمين!

 

ولكن الإعجاز الآخر، وحين طلبت ثمود من نبي الله تعالى صالح عليه السلام آية، ولما يأت بها، فيسلموا! وحين عنتوا وطلبوا خروجها من صخرة عينوها! وها هو نبي الله تعالى صالح عليه السلام، ومن بعد تضرعه، وآية إخبات، وأن الأمر كله بيده تعالى، يجيبه ربه، ولتخرج الناقة عشراء، وعن شرطهم أيضا! وإذ ها هم ينكصون، ويظلمون، ويكفرون، وحين قال الله تعالى: ? وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ? وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ? وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ? [الإسراء: 59]. وقال تعالى: ? وَيَا قَوْمِ هَ?ذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ? [هود: 64].

 

هذا، وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء، عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها الكاتبة، فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء، تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم الله إلى سؤالهم، وأجابهم إلى طلبتهم، ليؤمنن به، وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وَبْرَاءَ، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا![2].

 

ولكن هذا النبي محمدا صلى الله عليه وسلم، وحين مر بديار ثمود هذه، وكان على راحلته، فنكس رأسه، وغطى وجهه، وألا يرى يوما كهذا الذي أهلك الله تعالى فيه ثمود؛ ولفعلهم هذا الذي أنف! وحين رأى الناس يشربون من بئر الناقة، أو يطهون به طعامهم، أو يعجنون به خبزهم، وليأمر صلى الله عليه وسلم بإخراج ذلكم كله، والا ما أمكن أن تأكله الدواب، قيمة اقتصادية، وفقها نبويا، وألا يرمى ما كان صالحا لدواب القوم، ومن حيث قد حرم عليهم ذلك.

 

ولكن هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمرهم وألا يمروا بمثل تلكم ديار ثمود، وإلا أن يكونوا باكين، وإلا خرجوا منها، وكما قال صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم[3]. وذلكم استحضارا لماض أليم، مرت به هذه البشرية، ويوم عاندت فيه الرب المنان الكريم، وليردوا جميل خلقه لهم بكفرهم به، وحين تركوا ما خولهم ربهم به، وعن طريق أنبياء؛ هدى لهم، وصراطا مستقيما، ولو كانت لديهم مسحة عقل، أو تدبر، أو تفكر، لراحوا إلى هذا الهدي، الذي بينه الله تعالى للناس، قرآنا، وفرقانا، وبيانا، وكفاهم عناء بحثه، وتقديره، وإلا أن يعملوه، ويا ليت قومي يعلمون! ومن للناس الحيارى المساكين؟، ولما حسبوا أنهم مهتدون، وأنهم بذلك قوم مصلحون! وحين يردون على البارئ شرعه، ولما يقعدون هم أمرا غير أمره، أو نهيا غير نهيه، أو يبدلون، أو يغيرون، وليتهم يقولون ما ينفعهم! بل ما يضرهم، ولا ينفعهم! وها نحن نرى كم يرزح عالم الناس اليوم تحت نير رباه ما الله تعالى به عليم، وحين قال الله تعالى: ? يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ? وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ? [البقرة: 276] وعن غيره، فحدث ولا حرج!.

 

وها هم أولاء يبدلون وما بمبدلين فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومما يعف لسان عن قوله، أو مما يأنف قلم عن نقله!

 

ولكن هذا الحديث أنبأنا أعلاما، لا علما واحدا، من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحين قال: رجلٌ من أنفسِكم ينبِّئُكم مما كان قبلَكم، وبما هو كائنٌ بعدَكم، فاستقيموا، وهذا بيان أن هذا النبي محمدا صلى الله عليه وسلم يعمل بالوحي، ولأن كلا مما قاله آنفا، وليس يعلم إلا بالوحي، ولأنه من علم غيب، قد تفرد الله تعالى مولانا به، وهو أيضا يبقى علما على النبوة! ولأنه ليس كل أحد يمكنه ذلك، إلا من كان نبيا رسولا، ومن مثل هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم أيضا.

 

وهذه مناسبة لزعم قوم أنهم يقولون من علم الغيب شيئا! وليس كذلك أبدا، ولأن بعضا من تخرصات القوم يمكن أن تكون محلا مما قدره الله تعالى مولانا الحق المبين، أو أن الشياطين تسترق السمع، فتلقي مع ما تسترقه مائة كذبة! ولذلكم نجد أولاء الذين يدعون شيئا من ذلك يقولون قولا، غيا، باطلا، كذبا، وحين يهمهمون بكلام، ? كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ ? [النور: 39].

 

ولكنه ليس من هذا الباب الذي كان أو الذي سوف يكون أبدا أيضا! ولأن هذا علم غيب ليس يملك مفاتحه إلا الله تعالى وحده لا سواه، لا من قريب ولا من بعيد أيضا، ولتتبقى أعلام الإعجاز قائمة، ما قام ليل، وما انتصب نهار!

 

ولكن الإعجاز ضارب قدما سبقا، وحين حد هذا النبي حدود علم الغيب، فيما كان أو سيكون! فدل على أنه من الإعجاز أن يحكي لنا شيئا من وجوه قد كانت!

 

وإن قيل: أي إعجاز فيما كان قد وقع، وها هو أصبح معلوما، ومنه فلا ثمة إعجاز؟

 

وأقول: بل هو إعجاز! ولأنه وحين يقع، وإنما ليس يقع إلا على الصفة التي حددها هذا النبي العربي الأمي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وليس يملك هذه الصفة إلا الله تعالى، ومن وحي تنزل به إلى نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ويكأن أحدًا يقول: وهل من مثال؟!

 

وأقول: بل هلم نعم!

وإن الله تعالى وحين قال: ? اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ? [القمر:1]، وهذا فعل ماض، يفيد تحقق الوقوع، آمن من آمن وكفر من كفر! ولأنه ولئن عرفه الناس الذين قد تنزل القرآن فيهم، وأولاء الذين طلبوا انشقاق هذا القمر! ولكن ملكا بالهند وحين يكتب على بيته عنوانا، وأنه تم هذا البناء ليلة انشقاق القمر! ولم يكن هناك وسائل اتصالات، ولا أقمار صناعية يمكنها أن تلتقط صور ذلك، ومن ثم تبثه في الناس!، وإلا يبقى إعجازا على انشقاق هذا القمر!

 

ويقال: إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر[4].

 

وغير ذلك من معجزات ضربت بجذورها في أعماق التاريخ، وحتى توسمت بها أعلى وسام، وحين توجت بها أرفع مقام.

 

ولكن هذا الحديث الذي بين أيدينا الآن قد أبان مما نرنوا منه، ونحوم عليه، ونطوف حوله، وحين كان ذلكم عَلَمًا آخر من أعلام نبوة هذا النبي العربي الأمي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحين ذكر أنه سيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا! وهذا أمر جد مخيف، وحين يسكت على ظلم، ولما يتهاون في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا الذي أنبأ عنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه آية عِلْمٍ، وعَلَمُ نبوة في ذات الوقت، ولأننا نراه بأم رؤوسنا، وأم أعيننا، وحين ترى المنكر عامًا ولا نكير، ولما ترى دين ربك يستهزأ به ليل نهار ولا نفير، وحين اتخذ الناس رؤساء جهالًا يضلونهم بغير علم، وحين ترى المنابر تعج وتشكو، ولما ترى المعروف قد طورد آمر به، ولما ترى المنكر قد نكل بناهٍ عنه، ولما ترى أهل الدعوات المصلحين يؤخرون، وبغيرهم يقدمون!.

 

وحين نهى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن المرور، ومجرده، من ديار ثمود، وإلا أن يبكوا، أو يخرجوا، وحين كانت مزايلة الباطل دينا، ولما كانت مجانبة الغي هدى وصراطا مستقيما، وأنه: (أزل المنكر فإن لم تزل فزل). وتلك قاعدة محكمة، وأي بكاء يمكن أن يكون، وماذا تكفي من أدمع، تسكبها المقل والجفون والعيون، وها أنت ترى كيف حال الناس والجمود، وما قد غرقوا فيه من سهاد ورقود، ويكأنه حال ثمود!.

 

ودلك على صحة مذهبنا هذا حديثنا السابق روايته.

 

وكذا ما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله، قال: لما مر النبي ? بالحجر قال: لا تَسألوا الآياتِ، وقد سألَها قومُ صالحٍ، فكانتْ تَرِدُ من هذا الفَجِّ، وتَصدُرُ من هذا الفَجِّ، فعَتَوْا عن أمرِ ربِّهم، فعَقَروها، وكانتْ تَشرَبُ ماءَهم يومًا، ويَشرَبونَ لبَنَها يومًا، فعَقَروها، فأخَذَتْهم صَيحةٌ أهمَدَ اللهُ مَن تحت أَديمِ السَّماءِ منهم، إلَّا رجُلًا واحدًا كان في حرَمِ اللهِ، قيلَ: مَن هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: هو أبو رِغالٍ، فلمَّا خرَجَ منَ الحرَمِ أصابَه ما أصابَ قومَه[5].

 

ولكن هذا أبا رغال، وقد سبق الحديث عنه، يوم غزوة الطائف.

 

ولكنه ذاك الرجل الذي كان ملازما لحرم الله تعالى، وقبل فتنته بفتنة هدم الكعبة من لدن نصارى الأحباش. وكما أنف أيضا.

 

وإلا أن ما حدث لهذا أبى رغال وحين فارق البيت الحرام، بل ولما خان عهد الله ورسله، ولما كان عينا للغزاة، وقد حلت به النقمة؛ ولأنه محسوب على أولاء القوم، ولأنه كان أباهم، ولأنه سبقت منه خيانة البيت المحرم، ولما كان عينا لهدم الكعبة المشرفة المكرمة، ولذا فقد كان خروجه منه، بل إخراجه علما على الإعجاز، ولينال ما ناله قومه، وحين التعدي على الحرمات، وحين منابذة الآيات، والله المستعان.

 

ولكن سؤاله تعالى الآيات فتنة، ولما يحسن ألا يكون ذلك خلقا، ولأنه يخشى على العبد أن يفتن، فلا يصدق، أو يشوش على عقيدته، أو أن يستريب، أو أن يستعجل.

 

وأقول: وإن هذا الكون بديع في دلائله المنظورة، وما قد تضمنته آياته المسطورة، وبأكثر مما يمكن أن يسأله آحاد الناس! أو يمليه الوسواس الخناس، ومنه فلا مجال لتمحل ههنا أو هنالك أوهناك.

 

وهذا أخو ثمود، قس بن ساعدة، وحين قال حكمة، ولما لم يهتد، وكانت عليه حجج الله تعالى وبراهينه، ومن فيه هو، ومن قوله الذي كان يعد ولا يزال في الكون كتابا آخر مسطورا، وخبرا ضافيا منثورا! وحين قال أيها الناس اسمعوا وعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟

 

يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ ألم يكونوا أكثر منكم مالا؟ وأطول آجالا؟ طحنهم الدهر بكلكله، ومزقهم بتطاوله[6].




[1] [مجمع الزوائد، الهيثمي: 6 /197]. خلاصة حكم المحدث: فيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط. توضيح حكم المحدث: إسناده ضعيف.

[2] [تفسير ابن كثير: 2 /237].

[3] [البداية والنهاية، ابن كثير: ج 1 /159].

[4] [البداية والنهاية، ابن كثير: ج 3 / 149].

[5] [تخريج المسند، شعيب الأرناؤوط: 14160]. خلاصة حكم المحدث: قوي.

[6] [البلاغة العربية، عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي: 2 /530].


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook