لا عذر لك

الكاتب: المدير -
لا عذر لك
"لا عُذرَ لك

 

? وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ? [الأنفال: 20]، يا له من نهي وزجر لو أصغى له مني ومنك السمع لذاب الفؤاد ذوبًا، فأي أرض تقلنا لو تولينا حين يأتينا أمر من الله بلَّغه الرسول وأذاعه، وملأ مني ومنك مسمعًا ووعاه قلب؟ ثم يكون حظنا العاثر ظهرًا يستدير ويُعرِضُ؛ إيثارًا لشهوةٍ خايَلتنا أو رغبة تملَّكتنا، أو تطاولت بنا حبال سوف، أو تنعَّمْنا بالكسل وانهزمنا بأزِّ أنفسنا أو بوساوس غيرنا؟ فكيف تعرض وكيف أعرض وقد سمعت افعَل ودَعْ عنك؟

 

وأنا مثلك سمعتُ أو أُخبِرْتُ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ويفعل، ثم تمادينا كأننا ما سمعنا ولا درينا، فكيف يستقيم هذا؟ وكيف تصح دعوى الحب؟ أم أنها مجرد تمتمة حذقناها فصارتْ هكذا تجري عفوًا بلا قصد؟

 

ألم تذُق تلك الحلاوة التي سرت يومًا في فمك من جمال الحروف من حُسن تلك الشهادة، محمد حقًّا رسول الله والقدوة المهداة، يزول في ذكره الألم في كل ما نراه حين يمر مثلًا في خواطرنا أنه افتقر بعض الليالي، فلم يذُق فيها طعامًا، أو نراه قد ربط على بطنه حجرًا، فواخجلتاه أيَّ فقر بعدها نشكو؟

 

ولو مرَّ بالبال كيف أُخْرِجَ من دياره تاركًا أهله وماله، مطاردًا مطلوبًا، رحل والقلب مربوط بمكة يتلفت إليها من حنين، خرج حاملًا في الصدر عزمًا لينقذ البشر ولو بعد حين، ممسكًا حبلًا يدليه لنعتصم بالله من وعثاء السفر وأسرَّ الزلل، ومنذ كان النِّداء: قم فأنذر؛ هل رؤِي قاعدًا؟ حاشاه.

 

فأي مؤامرة بعدها تقعدنا؟ وأي شكوى نشكو؟ أوَليس قد ألجؤوه إلى غار ليختبئ، لم تعنِه فيه حية تلدغ، ولا ظلمة ترهب، ولا ضيق ولا غربة، بل أخرج منها شعارًا يُخَط بالنور في معنى اليقين: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟، ? لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ? [التوبة: 40]، يقول بلسان الحال البليغ أمرَنا فلن يضيعنا، فإن كان الجسم في ضيق، فالقلب حُر طليق يهفو ليوم النصر نافذًا من ظلمة الغار، واليوم لأي غار ألجؤونا فنكمن؟ وأي شعار حملناه حتى لا نأسى ونحزن؟ أليس هذا توليًا عن شأنه وقد سمعنا من أخباره صبرًا وتجلدًا وقيامًا وبذلًا ويقينًا؟

 

فيا كل معتذر أرأيتَ؟ عذرُك هشٌّ، فاطوه طيًّا في خفاء، واستر داءَك هذا في حياء، واقرأ تلك السِّيَر وسرْ في ذات الطريق، فما دمتَ مسلمًا فتمسَّك بهديه وقد علمته ولا تدع أمره وقد سمعته: ? وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ? [الأنفال: 20].


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook