لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني

الكاتب: المدير -
لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني
"لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني..




بلوغ الدَّعوة المحمديَّة:[1]

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحابِ النار))؛ رواه مسلم[2].




عُموم الدعوة المحمدية وخُلُودها:

ممَّا اختصَّ اللهُ به نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن بعثه إلى الناس عامَّةً، وكان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّةً، ومن هنا كانت تتجدَّد الرِّسالات وتتعاقَب بتجدُّد الأجيال وتعاقُب الأمم، وربَّما يُبعث في العصر الواحد أكثرُ من رسول واحد، وأما رسالة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهي خاتمة الرسالات، وشريعتُه خاتمة الشرائع، ودعوتُه عامَّةٌ شاملةٌ باقيةٌ إلى يوم النشور.




أمة الدعوة والإجابة:

إذًا فالناس من أوَّل يومٍ بُعِثَ فيه صلوات الله عليه وسلامه، مَدْعوون بدعوته، مأمورون بشريعته، فأما مَنْ بلغته منهم هذه الدعوة - في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعدها - فَسَكَنَ إليها واستجاب لها؛ فهو من أُمَّة الدعوة والإجابة معًا؛ وأما مَنْ أباها وأعرض عنها، فقد دُحِضَتْ حُجَّتهُ، وسقطت معذرته، وحقَّت عليه كلمة العذاب، فكان من أصحاب النار وبئسَ القرار...




سرُّ تقديم قريش بالإنذار:

وتقديم قريش في الخطاب والإنذار والإعذار من الأمور الطبيعية البدهيَّة؛ لأنهم - على اختلاف درجاتهم - أقربُ الناس إليه، وأولى الناس به أهله وعشيرته، وهم أعرف الناس بسيرته؛ بِلُغَتِهِم نَزَل القرآن، وبين ظهرانيهم نَشَأ وتربَّى عليه الصَّلاة والسلام؛ فلم يكن عَجَبًا أن يبدأهم بالإنذار، ثم يُقَفِّي بغيرهم من أهل القُرى والأمصار، بل العَجَب كل العجب أن يكون الأمر على غير ذلك!




من أصول الإسلام:

فرسالة محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه إلى النَّاس كافَّة، وخلود شريعته إلى يوم الخلود، ووجوب تبليغها إلى ذلك اليوم الموعود - كلُّ أولئك من أصول الإسلام الأولى، التي لا يسع مؤمنًا بالله واليوم الآخر أدنى تردُّد فيها.




مَنْ عَرَف الحقَّ واهتدى به:

عرف هذا الحق واهتدى به مَنْ شرح الله صدره للإسلام، فهو على نورٍ من رَبِّه، وَعَرَفَ هذا الحق واهتدى به فريقٌ من أهل الكتاب وعلمائهم، كعبدالله ابن سلام، وكان من أحبار اليهود، وتميم الداري وكان من رهبان النَّصارى، حتى ليُؤْثرَ عن عبدالله بن سَلام رضي الله عنه أنه لمَّا أسلم قال له عمر رضي الله عنه: أتعرفُ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- كما تعرف ابنك؟! قال: نعم وأكثر، بعث الله أمينَهُ في سمائه إلى أمينِهِ في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان مِن أمِّه! ويُروى أنَّ الفاروق رضي الله عنه قبَّل رأسه حين سمع منه ذلك، وكأنَّه رضي الله عنه - وقد فرح بعلم عبدالله وإيمانه - كان أشدَّ فرحًا بصدق قول الله جل ثناؤه: ? الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ? [البقرة: 146].




كاتمو الحق وهم يعلمون:

وكأنِّي بالرسول صلى الله عليه وسلم - وهو يُحدِّث بحديثه هذا - يقْصد أول ما يقْصد إلى هؤلاء الجاحدين الذين يكتمونَ الحقَّ وهم يعلمون؛ سواءٌ منهم مَنْ جَحَد رسالتَه جملةً وتفصيلًا، ومَنْ جَحَد عمومها إلى الناس كافة، وزعم أنه رسول الله إلى العرب خاصَّة؛ لأنه نبيٌّ أُميٌّ، والعربُ قومٌ أميُّون! وقد قال هو في نفسه: ((نحنُ أُمَّةٌ أميَّةٌ لا نكتب ولا نحسب))[3]، فاتَّخذوا بهذا الزعم الضالِّ المضلِّ الكاذب المنافق طريقًا وسطًا - لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء - وآمنوا ببعض الكتاب، وكَفَروا ببعضه، وضلوا ضلالًا بعيدًا!




صَيْحة مُدَوِّية:

يَقْصد الرسول صلى الله عليه وسلم أوَّل ما يقْصد إلى هؤلاء الحاسدين الجاحدين، فيُرسلها صيحةً عالية مُدوِّية، مُقْسِمًا بالقاهر فَوْقَ عباده، القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ، مَنْ بيده نفسُه وأنفُس العباد جميعًا: إنه لا يسمع نداءه كائنٌ من أمة الدعوة إلى يومِ الفَزَع الأكبر، ثمَّ يموت غير مُجيبٍ له، إلَّا كان من أهل النار خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا.




وإذا كان أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى لم يُغْن عنهم كتابهم من الله شيئًا، بعد رسالة خاتم النبيين صلواتُ الله وسلامه عليهم، فإنَّ مَنْ عداهم ممَّن ليسوا بأهل كتاب أَوْلى بأن يُؤمنوا به ويُعزِّروه وينصروه، ويتَّبعوا النُّور الذي أُنزل معه، ويستمعوا له وهو يتلو عليهم؛ ? قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ? [الأعراف: 158].




ما آمن بالله من لم يؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم:

ولسنا بعد بيان الله ورسوله بحاجةٍ إلى أن نعيد ما قلناه في مناسبات عدَّة: إنه لن يؤمن بالله مَنْ لم يؤمن برسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وإنه لن ينفعه عند الله ولن يُنجيَه من عذابه ما قدَّم لهذه الإنسانية من حَسَناتٍ شتَّى، وكيف وأساس القبول أن يعرف العامل مَنْ عمل عملُه لأجله؟! ولن يعرفه إلَّا مِن طريق رسوله الذي أرسله داعيًا إليه بإذنه[4].




ولو أنَّ عملًا ينجي من عذاب الله أحدًا غير مؤمن، لكان عمُّه - الذي أسلفنا من حَسَناته الجسام ما أسلفنا - أَوْلَى بذلك وأحْرى، وإنَّ يومًا من أيامه في الشِّعب مع ابن أخيه لأرْجَح وزنًا، وأكبر شأنًا ممَّا قدَّم هؤلاء الكاشفون، والمخترعون للناس في حياتهم الدنيا[5]. وحَسْبهم أنَّ الله يُعجِّل لهم في هذه العَاجِلَة ثواب ما قدَّموا للناس فيها، جزاءً وفاقًا. ولا حَرَج على فَضْله تعالى أن يُخَفِّف عنهم من عذاب الجحيم شيئًا، وإنْ كانوا خالدين فيه أبدًا...




مسؤولية الأمة الإسلامية في تبليغ الدعوة:

وهذا لا يعفي الأمة الإسلامية مِنْ تَبِعَةِ المُؤَاخَذَة والتقصير في تبليغ الدعوة المحمديَّة، ما استطاعت إلى التبليغ سبيلًا.




ضَيْعةُ الحقِّ بين الغفلة والجهالة:

والعَجَب أنا لا نغار على دعوتنا وهي دعوة الحق، معشار ما نرى ونسمع من نشاط الذين يُسمُّون أنفسَهم بالمبشِّرين، وينفقون في محاربة دعوتنا كلَّ عام مئات الملايين، فيا ضَيْعَة الحقِّ بين الغفلة والجهالة!




صلة الحديث ببحث جزاء الصالحات:

أما بعد، فلهذا الحديث صلةٌ وثيقةٌ ببحث جزاء الصالحات، كما له صلة وثيقة كذلك بالبحث في أهل الفترة، وكنَّا وعدنا القرَّاء بأن نتحدَّث إليهم فيها، إجابةً لرغباتٍ جاءتنا من العراق، غير أنَّا وجدنا مَنْ سبقنا إلى الإفاضة في هذا البحث، قديمًا وحديثًا، ممَّا يجعل كلامنا بعده حديثًا معادًا.




إحالة إلى مراجع:

فإلى هؤلاء الذين رغبوا مُلحِّين أن نتكلَّم في أهل الفترة عامة، وأبوي النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّة، نسوقُ هذه المراجع السهلة اليسيرة:

روح المعاني للعلامة الآلوسي العراقي في تفسير قوله تعالى: ? وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ? [الإسراء: 15].




مجلة الأزهر في مجلدها الثامن ص 606 في الدعوة إلى الله تعالى وأهل الفترة للأستاذ الجزيري، مُحَرِّرِ السُّنَّة حينئذ[6].




مجلة لواء الإسلام في جزئها الأول - جزء رمضان المبارك - من عامنا هذا، وقد تناولت في ندوتها بحثًا - في الدعوة والفترة - مستفيضًا[7].




أما نحن فقد اكتفينا إذْ كُفينا، والسَّلام على مَن اتَّبع الهُدى، ومَنْ إذا خاطبهم الجاهلون، قالوا: سلامًا.




[1] مجلة الأزهر، العددان 17 و18، المجلد السادس والعشرون سنة (1374).

[2] رواه مسلم 1: 134 (153).

[3] أخرجه البخاري (1913)، ومسلم (1080)، ولفظه في البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنَّا أُمَّة أميَّةٌ لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا))؛ يعني مرةً تسعةً وعشرين، ومرة ثلاثين، وانظر شرحه ص333.

[4] انظر: جزاء الصالحات ص156 - 160.

[5] انظر: جزاء الصالحات، قصة أبي طالب ص163 - 166.

[6] وستنشر - بعون الله تعالى - بعنايتي في مجموع الأحاديث المشروحة في مجلة الأزهر، والتي تتضمَّن ما كتبه الأساتذة: حسن منصور، وإبراهيم الجبالي، وعبد الرحمن الجزيري، وفكري ياسين رحمهم الله تعالى.

[7] قمت بجمع وترتيب وَصَفِّ جميع الندوات في مجلة لواء الإسلام، وانتهيت من تصحيحها والتعليق عليها، وستصدر بعون الله تعالى وفضله بعنايتي في عدَّة مجلدات.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook