لزوم الأدب في إزالة العجب ممن نصروا الحق وكانوا مع ذلك لجهنم شر الحطب!

الكاتب: المدير -
لزوم الأدب في إزالة العجب ممن نصروا الحق وكانوا مع ذلك لجهنم شر الحطب!
"لزوم الأدب في إزالة العجب
ممَّن نصروا الحقَّ وكانوا مع ذلك لجهنَّم شرَّ الحطب!

 

من المشاهد المتكرِّرة بروزُ الانبهار، وقوة التعجُّب، وشدة الاندهاش من مآثر الطالحين، وفضائل المفسِدين!

والحجَّاجُ من أبرز الأمثلة؛ إذ حكَم معظم العلماء بكفره وردَّتِه عياذًا بالله، وأقلُّ حكمٍ عليه أنه ظالم مفسدٌ ناصبيٌّ مبتدع ضال، لا يبالي بعد إرضائه لبني أميَّةَ بما يفعل من الموبقات، فكان وباءً مسلطًا على الصحابة رضي الله عنهم، وعلى العلماء، وآخِرُ مَن قتله منهم الحبرُ الربانيُّ سعيد بن جبير رضي الله عنه، الذي لم يكن في عصره مثله.

 

وقد عجز الكثيرون ممن سمعوا سيرة الحجَّاج عن الجمع بين صفاته الخبيثة وبعض ما صدر منه؛ كتجهيز الجيوش لفتح البلدان، وغيره!

وهذا التعجب لا يصدر ممن يفهم عن الله سبحانه وتعالى! ويفهم سننَه الربانيَّة!

وأَولى بهذا المتعجِّب أن يتعجَّب من كفر أبي طالب، ومع ذلك فلم يُعْلَمْ في المسلمين من نصَرَ الإسلامَ، ودافع عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كما نصره أبو طالب ودافع عنه مع كفره!

 

وانظر إلى تلك الصفات الحميدة التي مدح بها عمرُو بنُ العاص الرومَ مع كفرهم، وذلك كما في الحديث عَنْ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ الفِهْرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ العَاصِ: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ.

فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ العَاص: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ!

قَالَ: أَقُولُ لَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

 

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاص: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ.

وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ المُلُوكِ[1].

فتأمَّلْ هذه المكارمَ العالية التي اتصف بها الروم مع كفرهم، وكم من مسلم محروم من تلك المكارم التي تحلَّى بها بعضُ الكافرين!

 

والتَّاريخ البشريُّ مليء بسيرة الكثيرين ممن عُرِفَ عنهم بعض النبل وبعض الأخلاق، هذا مع كفرهم وفساد معتقدهم عياذًا بالله عزَّ وجلَّ!

وتاريخ أمتنا خاصَّة مليءٌ بسيرة جماعة كبيرة منهم، وعلى رأسهم الخوارج، كعروة بن حدير، وشبيب بن بجرة، وبعض المعتزلة كعمرو بن عُبيد، وغيرهم ممن لا يحصيهم إلا محصي أنفاس العباد سبحانه وتعالى.

 

ألا وإنَّ أصل التَّعجب من الجمع بين ضلال المرء وحسن صنيعه في بعض الأمور - يرجع إلى جهل المتعجب بكثرة الدوافع للأعمال الصالحة، وجهله بشروط قَبول الله سبحانه وتعالى لهذه الأعمال!

إذ جهل ذلك المتعجبُ بأنه سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال الصالحة إلا ما كان بدافع الإخلاصِ له عز وجل، وطلبِ مرضاته سبحانه وتعالى، قائمًا على المنهج النبويِّ القويم!

 

فمن دوافع الإحسان التي لا يحصيها غيرُه سبحانه وتعالى: الرياءُ وطلبُ الثناء.

فهذا حاتم الطائيُّ ذلك الجاهلي النَّصراني، الذي سارت بكرمه الركبان، وشبَّ على مدحِه الولدان، وعمُرَت بذكره مجالسُ الشيبان - لا مصير له إلا جهنم عياذًا بالله الرحيم الرحمن!

فلماذا يخلَّد في النار مع عظيم برِّه، وجليل إحسانه؟!

 

لأنَّه لم يفعل ذلك ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى؛ بل طلبًا للذكر والمدح والشرف والثناء كما في الحديث عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، قَالَ: وَذَكَرَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ أَمْرًا، فَأَدْرَكَهُ))؛ يَعْنِي الذِّكْرَ[2].

 

وكم كان طلبُ المَدح دافعًا لبذل النَّفس والنفيس؛ قال لبيد في ذلك[3]:

أقي العِرْضَ بالمَالِ التِّلادِ وأشْتَري
بهِ الحَمدَ، إنَّ الطَّالبَ الحمدَ مُشترِي
وكَمْ مُشترٍ من مالِهِ حُسنَ صِيتِهِ
لأيَّامِهِ في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرِ
أُباهي بهِ الأكْفاءَ في كلِّ مَوْطِنٍ
وأقضي فُرُوضَ الصَّالحينَ وَأقْتَرِي

 

وقال غيره يحضُّ على الإحسان طلبًا للذِّكر الحسن في مجالس السمر:

واصنعْ جميلًا ما استطعْتَ، فإنَّه ??? لا بدَّ أن تتحدَّثَ السُّمَّارُ

 

وجديرٌ بالذكر أنَّ أول من تسعَّر بهم النَّار يوم القيامة ليس القاتل، والزاني، والسارق؛ بل العَالِم، والمُنفِق، والمقتول في الجهاد!

لماذا؟!

لأنَّ دافعَهم كان الرغبةَ في الذكر الحسن والثناء الجميل![4]

 

وكما أسلفنا فطلب الذكر والرياء ليس بالمال فحسب؛ بل بالشجاعة، والعلم وكل شيء نعوذ بالله، ومن ذلك ما يحكيه اللَّيْثُ بن سَعْدٍ؛ إذ يقول: رَأَيْتُ أَبَا الزِّنَادِ وَخَلْفَه ثَلاثُمائَةِ تَابِعٍ مِنْ طَالِبِ فِقْهٍ وَشِعْرٍ وَصُنُوفٍ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَقِيَ وَحْدَه، وَأَقْبَلُوا عَلَى رَبِيعَةَ.

وَكَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ: شِبْرٌ مِنْ حُظوَةٍ، خَيْرٌ مِنْ بَاعٍ مِنْ عِلْمٍ[5].

 

وقال أَبو حَنِيفَةَ: قَدِمتُ المَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ أَبَا الزِّنَادِ، وَرَأَيْتُ رَبِيعَةَ، فَإِذَا النَّاسُ عَلَى رَبِيعَةَ، وَأَبُو الزِّنَادِ أَفْقَهُ الرَّجُلَيْنِ.

فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ أَفْقَهُ أَهْلِ بَلَدِكَ، وَالعَمَلُ عَلَى رَبِيعَةَ؟

فَقَالَ: وَيْحَكَ! كَفٌّ مِنْ حَظٍّ، خَيْرٌ مِنْ جِرَابٍ مِنْ عِلْمٍ[6].

وقد أورد الذهبي كلام ربيعة في سير أعلام النبلاء، وميزان الاعتدال.

 

ولكنه لم يعلِّق عليه في السِّير؛ بل علق عليه في الميزان قائلًا: اللهم اغفرْ لربيعة! بل شبرٌ من جهلٍ خيرٌ من باعٍ من حظوة؛ فإنَّ الحظوة وَبَالٌ على العالم، والسلامة في الخمول، فنسأل اللهَ المسامحة[7].

فانظر كيف أورد الذهبي هذا الأثرَ في السير، ولم يعلق عليه، وعندما أورده في الميزان علَّق هذا التعليق؛ وهذا لأنه ألَّف السير في بداية حياته، بينما الميزان ألَّفه بعد النضج والفهم عن الله سبحانه وتعالى.

 

ومن دوافع الإحسان طلب السيادة:

إذ الإحسان من أعظم السبل للسيادة، وهذا إمام الدعوة العباسية مُحَمَّد بن علي بن عبدالله بْنِ عَبَّاس، كان يخطط للملك والسيادة، فجعل الإحسانَ إلى المسيئين من أعظم سبل تحصيلها، وتحضرني قصةٌ وقعت لمحمد الإمام، تشير لأثر المال والإحسان في تحقيق السيادة والسؤدد:

كان محمد بن علي إذا خرج إلى المسجد وقومه حافُّون به، مرَّ على مولى لبني أميَّة يبيع الحديد عند خاتمة البلاد، وكان ذلك المولى يكرههم كرهًا شديدًا، ويجتهد في إيذائه بكلِّ ما يستطيع، وكلَّما مرَّ محمد لهج بأن يقول: الزنادقة المتمنون للباطل، لا يُخْرِجُ اللهُ هذا الأمر من موضعه أبدًا.

 

فقال محمد الإمام لمولًى له - يقال له: ابن شعبة - ويحك يا بن شعبة! ترفَّق بهذا حتى تدخله عليَّ؛ فإنَّه قد آذاني.

فجلس ابن شعبة عنده أيَّامًا حتى أنسه بنفسه.

فقال له يومًا: إنِّي أريد أن أشتري ببضاعة شيئًا من حديدكم هذا، فاتبعني إلى بعض البصريِّين؛ عسى أن تشتريه لي، فقام معه، فلمَّا مرَّ بباب دار العبَّاس التي فيها محمد الإمام، قال: فإنِّي أريد أن أكلِّم إنسانًا في هذه الدار، فادخل معي.

 

قال: تدخلني دار الزنادقة أُقتل فيها، فلم يزل به حتى أدخله، وأشار إلى غلمان لمحمد، فأغلَقوا باب الدار واحتملوه، وسدُّوا فمه حتى أدخلوه على محمد، والمائدة بين يديه، وعليها أشراف من قومه، فرحَّب به، وأدناه حتى أجلسه بينه وبين عبدالله بن حسن، وجعل لا يأكل إلَّا يلقمه بيده، حتى فرغ من الطعام، ثم أتى بالوَضوء فأمر فبدئ به، ثم دعا بالغالية فغلَّف بها رأسه ولحيته، ودعا له بكسوة من ثيابه فخلعها عليه بعشرين ثوبًا، وقال: اكسُها عيالَك.

 

ثم قال لقهرمانه: بقي معك شيء من تلك الدنانير؟

قال: نعم، ثلاثمائة دينار.

قال: أعطِها إياه.

وقال: تبلَّغ بهذه إلى مثلها من صلتنا؛ فإنَّا لن ندع تعاهدك.

فخرج ذلك الحداد وذهب إلى سوقه ومجلسه الذي يجلس فيه.

فما كان أثر ذلك الإحسان؟!

فلمَّا راح محمد بن علي، ومعه قومه حافُّون به، ومرَّ بذلك الحداد.

قال الحداد: بأبي هو وأمِّي، والله! أقمار الدجى اثنا عشر مهديًّا يتبع بعضكم بعضًا.

فقال محمد الإمام لابن شعبة: قل له: هادنَّا، لا هذا ولا الأمر الأول[8].

وورث منه ابنُه إبراهيم الإمامةَ والطريقةَ، فأحسن للناس حتى أغرقته أبيات الشعراء مدحًا، وخرج من ماله مرارًا!

 

ولذلك فقد أجمع الحكماء على استحالة السيادة مع البخل، ومن ذلك قول الهذلي:

وإنَّ سيادة الأقوام فاعلَمْ
لها صعداءُ مطلبُها طويلُ
أترجو أن تسُودَ ولا تعنَّى
وكيف يسود ذو الدَّعةِ البخيلُ

 

وقال غيره:

إذا المرء أثرى ثمَّ قال لقومه:
أنا السيِّد المقضي إليه المعظَّمُ
ولم يعطهم خيرًا، أبَوا أن يسُودَهم
وَهَانَ عليهم رغمُه وهْو أظلمُ

 

كذلك من دوافع الإحسان والأعمال الصالحة: العصبيَّة الجاهليَّة:

كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ يَدَّعِي بِالإِسْلَامِ: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَلَمَّا حَضَرْنَا القِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِلَى النَّارِ))، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنْ بِهِ جِرَاحٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ [9].

 

فهذا رجلٌ ضحَّى بنفسه، وقاتَلَ مع النبي صلى الله عليه وسلم قتالًا لم يقاتله المسلمون أنفسُهم، ولكن للأسف لم يخرجه للقتال إلا العصبيَّةُ الجاهليَّة والحمية لقبيلته؛ فكان هذا جزاءَه عياذًا بالله!

 

وقد يكون طلب المال دافعًا للأعمال الصالحة:

كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً، إِلَّا الأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالمَتَاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غُلامًا، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى وَادِي القُرَى، حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادِي القُرَى، بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ.

 

فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الجَنَّةُ!

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ - لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)).

فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ، جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ - أَوْ شِرَاكَيْنِ - إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

فَقَالَ: ((شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ - أَوْ: شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ))[10].

فهذا رجل لم يدفعه للغزو وتعريض حياته للخطر إلا طلبُ المال عياذًا بالله، فلم يكن مصيره إلا النار، أعاذنا اللهُ من شَرِّها!

 

واحترامُ الإنسانِ لنفسه من دوافع الإحسان أيضًا:

كما حدث عندما طلب هرقل من أبي سفيان أن يخبره بحال النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أتباعه أن يكذِّبوه إذا كذب.

فقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الكَذِبَ، لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأثُرُوا الكَذِبَ عَنِّي؛ فَصَدَقْتُهُ[11].

فإنَّ نفسَ أبي سفيان كانت أعزَّ عليه من أن تشتهر بالكذب بين النَّاس، وهذا كان مانعَه من الكذب، وليس خشية الله سبحانه وتعالى!

 

ومن أعظم دوافع الإحسان وأجلها: نفاسة المعدِن:

كما أخبر صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً))[12].

 

فهذا (أبو أميَّة) أبو أُمِّنا أمِّ سلمة رضي الله عنها، كان يُدعى بـ: زاد الراكب من كرَمِه، وكان هو وأبو وداعة يسقيان العسل وهما كافران، وهذا عُثْمَان بْن طلحة رضي الله عنه قبل أن يرزقه الله سبحانه وتعالى الإسلام يرى أم سلمة رضي الله عنها تهاجر وحدَها، فيأبى كرمُ أصله، ونفاسة معدنه أن يتركها وحدَها فيصحبها، وَكَانَ ينزل بناحية منها إذا نزلت، ويسير معها إذا سارت، ويرحل بعيرها، ويتنحَّى إذا ركبت، حتى أوصلها المدينة، ثم انصرف بغير أن ينتظر مالًا، أو حتَّى كلمة شكر، أو على الأقل حق الرِّفادة والضيافة[13].

فقالت عنه رضي الله عنها: ما رأيت مَنْ لا يصلِّي الخمسَ أحسنَ منه!

 

وهذا عنترة بن شداد مع كفره كان متعففًا كريم الأصل، ويظهر ذلك من قوله[14]:

وأغضُّ طرْفي ما بدتْ لي جارَتِي
حتى يوارِي جارتي مأوَاها
إني امرؤٌ سمحُ الخليقة ماجدٌ
لا أتبع النفسَ اللجوجَ هواها

 

ومن قوله:

ولقد أَبِيتُ على الطَّوَى وأظلُّه ??? حتى أنالَ به كريمَ المأكلِ

 

وكان رجلًا شهمًا شجاعًا نبيلًا فاضلًا، له مآثر جليلة، وفضائل خطيرة!

ومن أراد جمع فضائل بعض الكفار والضالين والظالمين والمفسدين، وبعض أعمالهم التي نفع الله سبحانه وتعالى بها الإسلام - جمَعَ مجلداتٍ كثيرةً.

 

والواقع يشهدُ أنك قد تجد من حكام الكافرين جدية وصدقًا وإخلاصًا لقومه وبلاده، وتجده شجاعًا يجلب المنافع لبلده، ومنهم من يحتلُّ بلاد الإسلام طمعًا في نقل ثرواتها لبلاده هو.

فالجدية والصرامة والحزم وإعلان الحرب ليس بالضرورة أن يكون في سبيل الله سبحانه وتعالى؛ بل قد يكون لنهب الثروات وبسط النفوذ وغير ذلك من الدوافع الخبيثة!

وكثرةُ الدوافع للأعمال الصالحة له فوائدُ ودروس، ونستعين بالله سبحانه وتعالى على دراسة بعض تلك الفوائد من وراء دراسة فوائد الأعمال الصالحة.

 

وعدم التسرع في الحكم على الناس من أهم الفوائد لهذه الدراسة:

إذ رأينا كيف أنَّ رجلًا جاهد مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وخدمه وقُتِل في الجهاد، ولم ينفعه كلُّ ذلك؛ لسوء دافعه، وخبث نيته، وقد شهد عليه صلى الله عليه وسلم بالنَّار عياذًا بالله.

وقد أكَّد الفاروقُ رضي الله عنه على ذلك في خطبته إذ جاء فيها: ... وَأُخْرَى: يَقُولُونَ لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ هَذِهِ: قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ عَجُزَ دَابَّتِهِ، أَوْ دَفَّ رَاحِلَتِهِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا يَطلُبُ التِّجَارَةَ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مَاتَ، فَلَهُ الجَنَّةُ))[15].

 

فمهما رأيتَ من الصلاح على الرجل، فلا يجوز لك أن تشهد له بالجنَّة أبدًا!

فلا يجوز لك أن تشهد بالجنَّة أبدًا لأحدٍ إلَّا لمن شهد له نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فحسب، كائنًا من كان!

ولعلَّك تسأل: ما الحكمة الإلهية من وراء اتِّصاف بعض الفاجرين والكافرين بهذه الصفات الحميدة؟!

 

ألا إنَّ تأييد الدين ونُصرته من أعظم الحكم الإلهية في ذلك.

وهذه إجابة لكلِّ من يتساءل عن بعض الحكم الإلهية من وراء إحسان بعض الكافرين والضالين؛ فتأتيك الإجابة من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ ليُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ))[16].

فالمؤمنون قلَّة كما أخبر سبحانه وتعالى بمواضعَ كثيرة؛ منها قوله عز وجل: ? وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ? [سبأ: 13]، وقيام الدين يقتضي أعدادًا أكبر، فسخَّر الله سبحانه وتعالى بعض المنافقين والفاجرين والكافرين لنصرة الدين بدوافعَ كثيرةٍ، وأهدافٍ متنوعة، كما بيَّن صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنَّ أَكْثَرَ مُنَافِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ لَقُرَّاؤُهَا))[17].

 

إذ المسلمون يحتاجون من يعلِّمهم القرآن، فيسَخِّر الله عز وجل المنافقين في تعليمهم، وليحقق بهم عز وجل هذه الفائدةَ الجليلةَ مع أنَّ المنافقين أنفسَهم لم ينتفعوا به؛ إذ القرآن حجةٌ عليهم بإعراضهم عن تطبيقه!

ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالى انتقَم من قتَلة الحسين رضي الله عنه بالمختار الثقفي، وهو كذَّابٌ دجَّالٌ، وانتقم من الجهمية بهشام بن عبدالملك، وخالد بن عبدالله القسري، وانتقم من المعتزلة بالمتوكل العباسي، ولم يكونوا على الصراط المستقيم، وغير هذا كثير، فالكون لله عز وجل يدَبِّره كيفما شاء.

 

واليوم: نرى الكثيرين من الكافرين أو الملحدين قد يتَّصفون ببعض صفاتِ الإسلام، ويتخلَّقون بأخلاقه الحميدة، ويتأدبون بآدابه السامية، فتجد فيهم من الصدق، والأمانة، والنظافة، والنظام، والرحمة، والالتزام بالمواعيد، وقول الحق، والصدع به، ورفض الضيم، والمروءة والشهامة - ما يفتقر له بعض المسلمين، وهو ما يثير الدهشة، ويبعث التعجب!

ولكن هم لا يعملون ذلك ابتغاءَ مرضاة الله سبحانه وتعالى، والنَّجاة من النَّار، والفوز بالجنة؛ ولكن لأنَّ منهجَ الإسلام في الحقيقة لا يحقِّق السعادة في الآخرة فحسب؛ بل يحقق السعادة في الدارين، في الدنيا قبل الآخرة، وهم يوقنون بهذه الحقيقة الدامغة!

 

ولذلك يلتزمون بهذا المنهج؛ لأنهم يعلمون بأنه لا صلاح لدنياهم إلا به!

لكنهم قد تلبَّسوا بعقائد توجب لهم الخلود في النار، عياذًا بالله عز وجل.

ولِسَائلٍ أن يتساءَلَ: ألن يثيبهم الله سبحانه وتعالى بعدله المطلق على هذه الأعمال الصالحة؟!

 

وهذا ما نستعينُ بالله سبحانه وتعالى على دراسته في دراسة قادمة إن شاء الله موسومة بـ:

ثواب الكافرين على أعمالهم من آيات العدل الإلهيِّ.

والخلاصة: أن مجرد الاشتغال بالعمل الصالح ليس دليلًا على الفوز بالجنة، حتى تكون النِّيَّة خالصةً لوجه الله سبحانه وتعالى الكريم، وحتى يكون ذلك العمل الصالح متطابقًا مع المنهج النبويِّ في التطبيق.

فلنتعلم إذًا كيف نصحِّحُ نياتِنا، وكيف نتَّبِعُ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم؛ إذ في هذين الشرطين النجاةُ والسعادةُ في الدارين.

 

وأخيرًا: اللهم إننا نشهدُك وكفى بك شهيدًا أننا ما أطعناك إلا بمعونتك، فيا من رزقتنا طاعتك أتمِم نعمتَك، واجعل علمنا وجهادنا ونَفَقَتَنا ودخولنا وخروجنا وقيامنا ونومنا خالصًا لوجهك الكريم، على منهج نبيك الأمين صلى الله عليه وسلم، ليس للنفس منه حظٌّ، ولا للشيطان منه نصيب!

 

آمين يا أرحمَ الراحمين!

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.




[1] [صحيح] رواه الإمام أحمد (18022)، ومسلم (2898).

[2] [حسن بشواهده] رواه الإمام أحمد (18262، 18263)، وابن سعد بالطبقات (296)، وأبو داود الطيالسي (1128)، وابن الجعد بمسنده (561)، والطحاوي بشرح مشكل الآثار (4360: 4361)، وابن حبان (332)، والطبراني بالمعجم الكبير (250)، وأبو نعيم بتاريخ أصبهان (1/ 153)، والبيهقي بشعب الإيمان (6423)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (2841، 2842، 2843، 2845، 2846، 2848).

[3] ديوان لبيد بن ربيعة العامري (ص: 44).

[4] راجع الحديث بطوله، وهو حديث [صحيح] رواه الإمام أحمد (8277)، ومسلم (1905).

[5] رواه ابن عدي في الكامل (9845)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (28/ 57).

[6] رواه الخطيب في تاريخ بغداد (11/ 288)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (28/ 57).

[7] ميزان الاعتدال (2/ 419).

[8] انظر: أخبار الدولة العباسية (ص: 163، 164).

[9] [صحيح] رواه الإمام أحمد (8090)، والبخاري (3062)، ومسلم (178).

[10] [صحيح] البخاري (6707)، ومسلم (115).

[11] [صحيح] رواه الإمام أحمد (2370)، والبخاري (2941).

[12] [صحيح] رواه الإمام أحمد (10956)، والبخاري (3493)، ومسلم (2638).

[13] راجع قصتها بكتب السيرة والتراجم، منها: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1939).

[14] ديوان عنترة بن شداد (ص: 117).

[15] [صحيح] رواه الإمام أحمد (10399)، وأبو داود (2106)، والترمذي (1114)، والنسائي (3349)، وابن ماجه (1887).

[16] [صحيح] رواه الإمام أحمد (8090)، والبخاري (3062)، ومسلم (178).

[17] [حسن لغيره] رواه الإمام أحمد (17367)، وابن المبارك في الزهد (2/ 16)، وابن المبارك ممن سمعوا ابنَ لهيعة قبل احتراق كتبه.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook