لماذا لا نعرف بالله؟

الكاتب: المدير -
لماذا لا نعرف بالله؟
"لماذا لا نعرِّفُ بالله؟

 

يعتقد البعض أنَّ الدعوة إلى الله مقصورةٌ فقط على العلماء والشُّيوخ، وأنهم خارج الدائرة، وكل ما يُمكنهم تقديمُه للدِّين هو: إصلاح أنفسهم؛ لكن المسألة أكبر مما يعتقدون وأشدُّ؛ فنحن نعيش في وقتٍ يستلزم أن تكونَ فيه مُصلحًا، فضلًا عن أن تكونَ صالحًا.

 

النأيُ بالنفس والاكتفاءُ بالصلاح قد تكون له - مع ذلك - عواقبُ وخيمة؛ (دخَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ في بيته بيت زينب، وهو يقول صلى الله عليه وسلم: ((ويلٌ للعرب مِن شرٍّ قد اقتَرَب، فُتح اليوم مِن ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا؛ وحلق بين إصبعيه، قالتْ له زينب: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الخبث))؛ يعني: إذا كَثُرت المعاصي والشرور!

 

إذًا يجب أن يكونَ فينا مصلحون، ولهذا آثرْتُ أن أعرضَ بعض القواعد التي تُفيد العامَّة في الدعوة إلى الله والتعريف به عزَّ وجلَّ.

 

قواعد الدعوة إلى الله:

لا بد لكلِّ داعية مِن بعض القَواعد التي تُعينُه؛ حتى يكونَ كلامُه نافذًا وواصلًا إلى مُبتغاه بفضل الله، وهذه القواعدُ منها ما هو ثابتٌ، ومنها ما هو مُتغيِّر على حسب المخاطَب أو الناس الموجَّهة إليهم الدعوة؛ حسب ثقافتهم، عمَلِهم، البلد الذي يُقيمون فيه، أو البيئة التي يعيشون فيها.

 

والكلام في هذه المقالة يَقتصر على ما هو ثابتٌ؛ بمعنى: هناك أمورٌ مُشتركة يخاطَب بها العالم والجاهل، القريب والبعيد، بغَضِّ النظَر عن المهنة أو البيئة أو البلد.

 

هذه الثوابتُ أو القواعد ثلاث، وهي:

1- المسألة الوُجُوديَّة.

2- الصفة الإسلاميَّة.

3- مسألة المنافع والمضارّ.

هذه الأمورُ الثلاثةُ يَحتاجها كلُّ الناس دون استثناء في كل أنحاء المعمورة.

 

أولًا: المسألة الوُجُودية:

وهي ركنٌ مِن أركان الدعوة الثابتة؛ لماذا أنت موجود؟ وما الهدفُ مِن وُجودك؟

لا يوجد شخصٌ لا يهتمُّ لأمر وُجُوده، ولهذا مِن الممكن أن تقومَ كداعيةٍ بموعظةٍ في أيِّ مكان، وإذا لم يجد الداعيةُ موضوعًا مناسبًا يتحدَّث فيه يُمكنه الحديث في موضوع الوُجود!

 

هذا موضوعٌ يُلقَى في جميع الأماكن، وفي كل الأزمنة، ولكل البشر بمختلف خلفياتهم، ويكفي أن تُتقنَ لغة أخرى إن أمكن - غير العربية - وتَتَحَدَّث في هذا الموضوع.

 

هذا الأخيرُ ليستْ له علاقةٌ بالخصوصيات البشرية أو الجنسية أو الثقافية، فمسألةُ الوجود تَصلُح لكلِّ الناس؛ الهدف مِن وُجودك كإنسانٍ على الأرض، هل وجودك عبَث أو لغاية معينة؟ هل ستخلد أو أن هناك وقتًا يموت فيه كلُّ شخص؟

 

هذه المعاني كلها تجعل الإنسانَ مُشتاقًا لمعرفة نتائج الحديث ومتابعته حتى النهاية، وقد ركَّز القرآنُ الكريم بشكل أساسي على مسألة الحياة والموت وما بعد الموت.

 

كلُّ شخص يطرح هذه الأسئلة في نفسه، حتى وإن لم يسبقْ أن تَحَدَّث في مِثْل هذا الكلام مسبقًا، بل حتى وإن لم يسبقْ أنْ طَرَحَها على نفسه، فهي موجودةٌ في أعماق النفس، وكل ما يقوم به الداعيةُ هو تَحريكُها في هذا الشخص، ثم تأتيه الأفكارُ تَتْرَى على بالِه حول مسألة وُجودِه؛ لأنها مسألةٌ فِطريَّة طبيعية في الإنسان.

 

فالإنسانُ كائنًا مَن كان، يجد في نفسه رغبةً جامحةً لمعرفة مَصيره مِن بعد وفاته؛ لأنه يَتَكَوَّن مِن نوعينِ متناقضينِ هما: الجسد والروح؛ الجسدُ يَفنى، بينما الروح تخلد!

 

ومَهمةُ الداعية أن يُوقِظَ هذه الروح، وبمجرد أن تستيقظَ يُصاب صاحبُها بالقلق، ومِن ثَم يبحث ويُعيد النظر في علاقته بربه، وإذا كانت الروح مُحبة للخلود فإنَّ الشخص يسعى خلْفَ هذا الخلود؛ لكونه يعيش في قلقٍ؛ لأنَّ بدَنَه سيفنَى، والروح تتطلَّع إلى البقاء، ومن ثَم يحتاج إلى أجوبةٍ تُطمئنه أنه لن يَفنى بعد الموت، وإنما الموتُ ليس إلا استئنافًا للحياة الأخرى.

 

فالمسألةُ إذًا هي مَن يُحسن إيصال هذه الرسالة!

مسألة الوجود ومسألة المصير مِن أهم الأشياء التي تُزَلْزِل كِيان المخاطب، وإن لم يبدُ عليه ظاهريًّا تُوصُّله إلى المنطق الإيمانيِّ إلا مَن كَتَب الله عليه الضلالة!

 

القضيةُ ليستْ في فنِّ الخطابة أو عدَدِ الكتب التي يَحمِلُها الداعيةُ في صدره - هذه الأمورُ جيدة وحسنة - وإنما لصِدْق الدعوة في قلبه، وفي المعنى الذي تَحْمِلُه رسالتُه كما سبَق ذِكْرُه؛ الخلود، الفناء، المصير... إلخ.

 

فكم مِن أُمِّيٍّ وعَظ مَن يَفُوقه علمًا انطلاقًا مِن المسألة الوُجوديَّة؛ فيَدفعه دفعًا إلى إعادة النظر في نفسه؛ لأنه لا أحد فوق قضية الموت والوجود؛ وفي هذه القضية خاصةً الداعية الأفضل ليس هو صاحبَ العلم أو الثقافة؛ وإنما مَن يعمَل؛ قال تعالى: ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [الحجرات: 13]، في هذا السياق: أتقاكم وليس أعلمكم أو أفقهكم.

 

وفي التقوى يُمكن لإنسانٍ أُمِّيٍّ أن يحصلَ على مراتبَ عُليا لم يَصِلْ إليها العالم، وقضيةُ التقوى تتعلَّق بخشية الله بالغيب، وهذا لا يحتاج إلى علمٍ؛ فالداعيةُ هنا إنما يُؤجج في الإنسان المسألةَ الوُجودية؛ لماذا هو موجود؟ فتحصل له الخشية!

 

فمسألةُ الموت لا تَحتاج إلى علمٍ لأنها حقيقةٌ وُجوديَّة، وكل الناس لهم يقينٌ بالموت!

الكل يكره ويخاف الموت فطريًّا، كائنًا مَن كان؛ لأنَّ الروح خالدة لا تريد الموت؛ يقول الله عز وجل في الحديث القدسي فيما رواه البخاريُّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ((وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدي عن نفس المؤمن، يَكره الموتَ وأنا أكره مساءته))، فقط تَحدَّثْ في هذه المسألة والكل سيتأثَّر بإذن الله.

 

خلاصة القول: المسألةُ الوُجوديةُ يمكن أن تجعلَها مُقدِّمةً لك، كما يُمكن أن تجعلَها في الخاتمة أو هي الموضوع الرئيس.

 

ثانيًا: الصفة الإسلامية:

عندما يتحدَّث الداعيةُ عن المسألة الوُجوديَّة عليه ألَّا يَتَحَدَّث عن الإسلام بتفاصيله؛ وإنما الحياةُ والموت، الخلود والفناء - التخلية قبل التحلية - ثم تأتي الخطوةُ الثانية وهي الإسلام، وهي نقطة ثابتة بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين أيضًا، فإسلامُ الكافر لا يكفي.

 

المشكلة الأساسية هي: أن الناس لا يَعون المعنى الحقيقيَّ لكونِهم مسلمين، نحتاج كدعاةٍ إلى تحرِّي هذا المعنى في النفس؛ في أنفسنا وفي غيرنا، يقولون: نحن مسلمون وكفى! وكأنها وراثة وثقافة وجَدْنا عليها آباءنا!

 

معنى أن تكونَ مسلمًا هو: أن تعيَ وتشعُر بالانتماء للإسلام، وتُحسُّ أن قلبك ودمك يجري فيهما دينك، ولو أدرك المسلمُ معنى أنه مسلمٌ لاحتَجْنا إلى بناء المزيد مِن المساجد، ولما رأيتَ المفاسد والمناكر في البلاد! وهذا الأخيرُ أكبرُ دليلٍ على أن الناس لَم يَتَذَوَّقوا بعدُ معنى الإسلام!

 

معظمُ الناس يَعرفون الإسلامَ معرفةً عامةً؛ أي: لا يجري في دمائهم؛ ولذلك على الداعية أن يوقظَ هذا المعنى في قلوب الناس؛ حتى يُدركوا بقلوبهم أننا مسلمون، وأن تكون مسلمًا يقتضي ذلك منك عدَّة أمور؛ فالعقلُ لا يستسيغ ولا يقبَلُ أن تكونَ مسلمًا ولا تُصلِّي؛ هذا الأمر لا يوجد في منطق الدين، وعلى الداعيةِ أن يُوضِّحَ بطريقة سلِسَةٍ - بعد أن لَيَّنَ القلوب - أنَّ مِن الانحراف أن يكونَ المسلمُ تاركًا للصلاة، أو أنه لا يُعطي الزكاة، أو لا يصوم، أو أنه لم يحجَّ رغم المقدرة... إلخ؛ إنها أركانُ الإسلام بصفة عامة، وهذه الأمورُ تُسمَّى: أمهات الفضائل، وما يتفرَّع عنها مثل: الصدق والأمانة وغيرهما، والأمانةُ مِن مُقتضيات الصلاة؛ فمَن لا أمانة له صلاتُه ناقصةٌ.

 

ثالثًا: مسألةُ المنافع والمضارِّ أو المصالح والمفاسد: ما ينفع الإنسان وما يضره، فالإنسانُ بطبعِه يبحث عما يَنفعه، ويخاف مما يَضره؛ ولهذا على الداعية أن يُوضِّح للمخاطب أن الدين يَنفعُه وقلتُه تَضُرُّه في أمور دنياه قبل أُخراه؛ مثلًا: كون الخمر مُضِرًّا ببدنه بالإضافة إلى محيطه، فعلى المسلم أن يعيَ بقلبه أنَّ له مصالح دنيوية في تَدَيُّنِه؛ سكينة النفس، راحة، طمأنينة وتوازُنًا في شخصيته، ولا يتأثر بالمصائب لأنه مرتبط بالإيمان بالله عز وجل.

 

وهذه الأمورُ هي التي يسعى خلفَها كلُّ الناس بوعيٍ أو بدون وعيٍ، وقلَّما يتخذون الدين طريقًا، ولكُمْ في التيهِ الذي يَتَخَبَّط فيه معظمُ سكان العالم عبرةٌ، وقد سُجِّلتْ إحصائيات في سنة 2014 أنَّ حوالي 25 ألف يَابانِيٍّ انتحروا! بمُعَدَّل 70 شخصًا يوميًّا تقريبًا!! وكما هو معلوم أنَّ اليابان لا يوجد فيها فقر؛ وإنما السبب هو أنهم ما عرفوا الله وكفى.

 

إذًا؛ على المسلم إدراك أنَّ هذا المنطق مفيد جدًّا، ونحتاج إلى إحيائه في أنفسنا بأنَّ لنا في الدين - الإسلام - منفعةً ومصلحةً لبناء الأسرة والأعمال التجارية والوظائف، فكلُّ شيءٍ مَبنيٌّ على الدين يؤدِّي إلى الراحة.

 

وللتأكيد مجددًا؛ فالشخصُ القليل العلم قادرٌ على القيام بالدعوة بشرط الالتزام بالموضوع؛ (كونه ليس عالمًا، فليلزم الموعظة في الموت، الحياة، أهمية الدين في الحياة... إلخ، ولا يجوز له التحدُّث في الفتوى لأنها صناعة، وإذا سأله سائلٌ في قضيةٍ فقهيَّة، فليقلْ بكل أرْيَحية وصراحة تامَّة: أعتذر؛ أنا فقط أذكِّر نفسي وأُذكِّركم، اسألوا العلماء؛ أنا لستُ عالمًا، وبتواضُعه هذا تزداد محبة الناس له ويَقبَلُون كلامه.

 

خلاصةُ القول: هذه الأمورُ الثلاثةُ يجب أن تكونَ حاضرةً في خطابنا الدعويِّ، وهي لا تتقادَم؛ بل صالحة في كلِّ زمان ومكان.

 

المسألة الأولى هي: وعي الإنسان بوُجودِه من أجل تأدية دور رِساليٍّ عالٍ ورفيع في الدنيا، وأنه وُجِدَ لغاية، ثم هو - أي: الإنسان - موجودٌ ثانيًا بصفته مسلمًا؛ لذلك عليه تحقيق الصفة الإسلامية فيه، ومراقبة الصفات المشتركة بينه وبين الإسلام، بالإضافة إلى وَعْيِه بالمنافع التي يَجنيها المسلمُ مِن التزامِه بتعاليم الإسلام كمسألةٍ ثالثة.

 

• مُعظم ما تَحتويه هذه المقالةُ مأخوذٌ مِن محاضرة (الثوابت الدعوية) للشيخ الدكتور/ فريد الأنصاري - رحمه الله عز وجل-.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook