لولاه ما أيقنت أن الإسلام دين سماوي

الكاتب: المدير -
لولاه ما أيقنت أن الإسلام دين سماوي
"لولاه ما أيقنت أن الإسلام دين سماوي

 

بين اليقظة والوهم، وهما يتباريانِ أيُّهما يكون له السيطرة على عقلي، وأخَذ كلُّ واحد منهما يتفنَّن في استمالتي، فيعرض عليَّ ما يُبقيني أكبر وقت ممكن تحتَ سطوته!

 

و كانت الجولة الأولى للوهم، فأذهبني لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب لي هناك مجلسًا دائمًا، وضمن لي ألَّا أجوعَ في مجلسي هذا ولا أتعرَّى.

 

يا إلهي! ما أسعدني! إنه جوار الحبيب! فبتُّ أروي شوقي إليه، ومنه، ثم سبقني لساني ليبوح له بمكنون نفسي:

يا سيدي، يا شفيعي، يا حبيبي، دعني أتلمَّسْ قبرك، لا تنزعج؛ إنني هادئة مستكينة، هادئة رغم صخب قلبي بحبِّك، فما هي إلا مشاعرُ هادرة لا تنافي خفض صَوْتِي بين يديك!

 

يا نور القلب ومُنى العين، يا مرسَلُ رحمةً، لا بل يا رحمة ما وسعها شيءٌ، اشفع لي، لا بل انصرني، ارحمني، تقبَّلني، اغفر تقصيري، دعني أقتربْ أكثرَ لأمسح وجهي بمقامك الشريف، لا، لا يُشبعني هذا، دعني أسجدْ أمام قبرك؛ لتهدأ جوارحي وتستكين بين يديك، وتسبح نفسي في قدسيَّة رُوحك المحلِّقة فوق رؤوس الخلائق، دعني أعطِّرْ وجهي، اسمح لي أن أمسحه في جدار قبرك، إن طيبك سينبعث على قلبي فأطير سعادة، ثم تفوح سعادتي لأُسعد الآخرين، وأفيض عليهم بما أستمدُّه منك من قداسة ورحمة وعطاء، إنه الخير عينُه، دعني أسجدْ قريبًا قريبًا!

 

صاحتِ القبلةُ: هنا، هنا، السجودُ هذا الاتجاه، أنتِ هكذا تسجدين للقبر، صحت فيها: لا عليك، لا عليك! أريد رواء قلبي! إنني سأسجد هنا، هنا لهذه الأنوار السماوية القُدسيَّة، صاحت القبلة : لا، لا سيغضب هكذا رسول الله، توجَّهي للقبلة فهي وِجهة سجودك، قلت لك: لا!

 

هنا خشي الوهم أن يوقظ هذا الجدال اليقظة فتنتصر عليه، فقرر زيادة خشوعي واستسلامي فجاءني بيد الرسول يمسح بها على رأسي ليشعرني بالقبول، يا ألله! إنها الجنة! إنه حبيبي! سيدي، مولاي، جنتي وناري بيديه! أخرج يده الشريفة ومسح بها على رأسي!

 

هال اليقظة ما رأت فقررت التدخُّل وأوقفت كلَّ ما لا يرضي حبيب الله، منعتني من السجود للقبر وأجبرتني على التوجُّه إلى القبلة، منعتني من الإسراف في تمجيده، وأجبرتني في مناجاته ألا أقول إلا عبد الله ورسوله،ثم صفعت عقلي ليطرد شيطانًا لبَّس عليَّ وأوهمني أن رسول الله أخرج يده ومسح على رأسي، وضربت الأسوار العالية بيني وبين القبر، فهو حجر لا يضرُّ ولا ينفع!

 

وبعد أن شدَّت القيود عليَّ، تركتني لتقتل الوهم الذي كاد يضلُّني؛ بل يرديني!

بعدها وجدت ذلك المجلس الذي ضُرب لي بجوار قبر الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعدو أن يكون سجنًا مع أنه بجوار قبر الرسول، فما بالكم بغيره؟!

 

ففي حضور اليقظة لا أستطيع السجود إلا لله دون القبر، ولا يشفع النبي ولا ينصرني، ويرحمني، ويقبلني، ويغفر تقصيري إلا الله دون الوهم، ولا يمجَّد بما هو أهله إلا الله دون خلقه.

 

فزعت، شكوتُ لرسول الله: إنك بركة الدنيا، كيف يمنعونني منك؟ فأُلقي في رُوعي: أتحبِّينني أم تحبِّين الجدار؟ أتعبدين الله أم ربُّك هواك؟

أتتَّخذين وسيطًا بينك وبين الله، في حين أنه فتح بابه لك في كل وقت، وبكل حرية، وبكمال الستر وتمامه؟! أتستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! أيسمعك الله من كل مكان وفي جوف الليل وقاع البحر وقمة الجبل، ثم تسجنين حاجتك حتى تأتي لقبري رغم أن أبواب السماء مفتَّحة؟!

 

هنا انتصرت اليقظة وعلمت أنه:

لولا التوحيدُ ما آمنتُ أن الإسلام دين سماويٌّ.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook