لو كان خيرا لسبقونا إليه

الكاتب: المدير -
لو كان خيرا لسبقونا إليه
"لو كان خيرًا لسبقونا إليه




بأبي وأمِّي أنت يا خيرَ الورى
وصلاةُ ربي والسَّلامُ مُعطَّرا
يا خاتم الرسلِ الكرام محمدٌ
بالوحي والقرآن كنتَ مُطهَّرا
لك يا رسول الله صِدْقُ محبَّةٍ
وبفيضِها شَهِدَ اللِّسانُ وعبَّرا
لك يا رسول الله صدق محبة
فاقت محبَّةَ من على وجهِ الثَّرى
لك يا رسول الله صدق محبة
لا تنتهي أبدًا ولن تتغيَّرا

 

أحبتي الكرام، أيَّامٌ ويحتفل جموعٌ من المسلمين بمولدِ خيرِ البشر نبيِّنا وسيدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويختلف شكلُ الاحتفال من بلدٍ لآخر، فمن صورِ الاحتفال ما يفعلُه بعضُ الجهلةِ من اختلاط الرجال بالنساء، ورفع الشَّارات والغناء، ومن الصور كذلك الاحتفال في المساجد بالرَّقص والتمايل وإنشاد الشعر في مدحه عليه الصلاة والسلام، ومن الصور أيضًا الاحتفالُ بتلاوة القرآن وذكرِ فضائل النبي العدنانِ صلى الله عليه وسلم.

 

ومن يفعل أي صورة من الصور السابقة يدَّعي أنه يفعل ذلك حبًّا للرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن المعروف عند المسلمين كافَّةً أنه لا يوجد شخص قد أحبَّ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم مثل حبِّ أصحابه الكرام رضوان الله عليهم له، وقصصُهم في التفاني في حبه معروفةٌ مدوَّنة في كتب السُّنَّة والسيرة، حتى كان الواحد منهم إذا تذكَّر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ بين أهله وأولاده، يتركهم ثم يأتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه.

 

وها هو أبو بكر الصديق صاحب رسول الله في الغار وخليلُه وحبيبُه، أذكر صورة من أروع صور حبِّه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما جاء عند البخاري من تعليق الصديق رضي الله عنه على شُربِ رسول الله صلى الله عليه وسلم للَّبن، فقد قال الصديق رضي الله عنه: فَشَرِبَ حتى رَضِيتُ! ولم يقُلْ: فشرب حتى رَضِيَ، فالذي رضي بشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم للَّبن هو الصديق رضي الله عنه، فصار ارتواءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَرْوِي الصديق رضي الله عنه ويُرضِيه، فأي حبٍّ هذا؟

 

ومع هذا الحب وقد حكم الدولة الإسلامية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين، لم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم.

ثم جاء بعده عمرُ الفاروقُ القائل لفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما من أحد أحبَّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، كان في يوم العيد - وهو خليفة المسلمين - قد لبِس الجديدَ، وقد توجه للمسجد للصلاة، فنزلت على ثوبه قطراتُ دمٍ كانت تنزل من (مرزام) في سطح العباس عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضِب عمر وأخذ بيده المرزام وكَسَرَه، فقام العباس بعد الصلاة فقال: من كسر المرزام؟، فقال عمر: أنا من كسره، وأنت لماذا تضعُه يُنزِل الدم على المارَّة؟، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، فراريجُ ذبحناها للعيد، ووالله إن الذي وضع هذا المرزام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضعه بيده عندما كنت أبني بيتي...، فبكى عمر وهو يقول: أرسول الله هو الذي وضعه بيده؟، قال العباس: نعم، فقال عمر: والله لتركبنَّ على ظهري وتَرجعه إلى مكانه....

 

رحمك الله يا بن الخطاب! فأي حبٍّ تحمله لرسول الله أن تجعل ظهرَك مَطيَّةً للعبَّاس كي يصلح المرزام الذي وضعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟

 

ومع هذا الحب فقد حكم عشر سنين، ولم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم.

ثم جاء ذو النُّورين عثمان بن عفان؛ زوج رقية وأمِّ كُلْثوم بنتي النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم ثلاثة عشر عامًا، ولم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم.

 

ثم جاء علي بن أبي طالب؛ زوجُ فاطمة الزهراء صاحب المنزلة الرفيعة والمكانة العالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائلُ عندما سُئل رضي الله عنه: كيف كان حبُّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان والله أحبَّ إلينا من أموالِنا وأولادنا وآبائنا وأمَّهاتنا، ومن الماء البارد على الظَّمأ.

 

ومع هذا الوصف لحبِّه للنبي وقد حكم الدولة الإسلامية أربع سنوات، لم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم.

ثم تتابع العلماء والحكَّامُ في الدول الإسلامية الأُموية والعباسية، ولم يحتفلوا بمولده صلى الله عليه وسلم بأي صورة من الصور السابقة، مع قيام المُقتضى له، وعدم المانع منه، فلو كان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم خيرًا، لسبقونا إليه.

 

قال ابن تيمية: لو كان هذا خيرًا محْضًا أو راجحًا، لكان السَّلَفُ رضي الله عنهم أحقَّ به منا؛ فإنهم كانوا أشدَّ محبَّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعتِه وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنَّته باطنًا وظاهرًا، ونشْرِ ما بُعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان؛ فإن هذه هي طريقة السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حُرصاءَ على أمثال هذه البِدَعِ مع ما لهم فيها من حُسنِ القصْد والاجتهاد الذي يُرجى لهم به المثُوبة - تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة مَن يُحلِّي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتَّبعه، وبمنزلة من يُزخرِف المسجد ولا يصلِّي فيه، أو يصلي فيه قليلًا ....

 

فدلَّ هذا على أن هذه الاحتفالات ليست بمشروعةٍ، وأنها من الأمور المُحدَثَةِ، وأن أول من أحدثَها هم الفاطميون (العبيديون) في القرن السادس الهجري عند ظهور الدولة الفاطمية.

 

وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ)).

? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [آل عمران: 31].

اللهم املأ قلوبنا بمحبتك ومحبة نبيك، اللهم اجعلنا بهدْيه مهتدين، وعلى طريقه سائرين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook