مات أبي

الكاتب: المدير -
مات أبي
"مات أبي

 

عندما كان يغيب أبي في قضاء أمرٍ ما، ويطول غيابُه، أقف عند الشُّبَّاك خائفًا أترقَّب، أمدُّ نظري إلى نهايات الطريق، عَلِّي أراه فيطمئن قلبي، وتنطفئ النيران التي بداخله.

 

هكذا أنا متعلِّق بأبي ككل الأطفال أو أزيد، كبرت سعيدًا بصباي وشبابي في كنف أبي ورعايته، ما كنتُ أخشى كثيرًا من الهموم التي كان أبي يكفينا إيَّاها؛ غير أني ما كنتُ أدرك أني أكبر وأبي يكبر معي، حتى بات شيخًا كبيرًا تجاوز الستِّين.

 

كان في حياته يقصد الجمعيَّات الخيريَّة التي تعنى بنشر الكُتيِّبات والمطويات الإسلامية، فيأخذها منهم، وما يدع محلًّا، ولا جارًا، ولا أحدًا هو مظنة القراءة إلا وأعطاه إيَّاها، لا يبتغي أجرًا سوى من الله.

 

كان يُعظِّم شعائر الله، ومما أذكره أنه لاحظ مرة في مصر أن اسم الجلالة مكتوبٌ على أحد مكعبات مرق الدجاج المنتشرة كثيرًا، فخاطبهم عن طريق الفاكس، وقال لهم: إن هذه المكعبات بعد استخدامها تُلقى في القمامة، وهذا لا يليق، فما كان منهم إلا أن وعدوه بالتغيير ليتحوَّل بعد ذلك اسمها.

 

ومرة أخرى لاحظ أن اسم المدير في قسم الاتصالات في لبنان اسمه فيه اسم الجلالة؛ كعبدالله أو عبدالرحمن - لا أتذكَّر جيدًا - وهذه البطاقات بعد أن ينفد الرصيد منها تُلقى في الطرقات بكثرة، فخاطب المعنيِّين، وقدروا له ذلك، وتجاوبوا معه، لقد غرس فينا تعظيم الله بتطبيقات عملية، وما أجملها من قيمة!

 

منذ نشأتي وقد بلغت الآن ثلاثًا وثلاثين من العمر؛ بل منذ طفولتي، ما أذكر أن صلاة الفجر فاتته في جماعة، لا في سفر ولا حضر، ولا صيف ولا شتاء، لا في كبر ولا صغر، حتى إنه كان يحدثني أنه في بعض المرات كان يؤذن ويقيم ويؤم نفسه، فلا أحد حضر للمسجد بسبب شدة البرد، كان معلمًا، أحبَّه التلاميذُ، ويذكرونه بالخير بعد عشرات السنين، تذكرُه حلق القرآن، وتشهد له مساجدُ الله.

 

ثم ذلك وغيره في كِفَّة، وآخر سنين حياته في كِفَّة أخرى، تزاحمت عليه الأمراض، أقعد في الفراش لأكثر من ثلاث سنوات بعد كسر في قدمه، ضعف بصرُه، أنهكه مرض السكري، أوجعه مرض القلب، أتعبه مرض الضغط، جلطات، وأمراض عابرة، وأخرى مزمنة.

 

وما تجده إلا صابرًا؛ بل كان جبلًا في الصبر، ذاكرًا، تاليًا للقرآن، ساعيًا على صدقات تُوزَّع على الفقراء عن طريق فاعلي الخير، وما كان يغفل عن تذكيرنا بالله والواجبات، وكان الفراق، نادى أُمِّي فجرًا ليتجهَّز لصلاة الفجر، وبعدها خرجت الرُّوح من الجسد.

 

هي ومضات من حياة إنسان، ما قصدت منها نشر أمرٍ شخصي، ولكن للذكرى، ومن أساليبها أن نتفكَّر في أحوال غيرنا ممن عاش لله، ومات مع الله، فنحن نسمع الآيات والأحاديث ونتدارسها، ونجد أن تجاوُبَنا أحيانًا يكون أكبرَ حين نجدها تتجسَّد في شخص ما، وما أريد أن أخلص إليه هو عشر وصايا، لا أنقص منها ولا أزيد عليها، هي لسان حال أبي رحمه الله، الذي ما مضى مع كتابة هذا المقال على وفاته إلا يومان.

 

• من عاش على شيء مات عليه، فكن مع الله دومًا، ولا تغفلنَّ عنه.

• صلاة الجماعة لا تُترك للأعذار الصغيرة، فقدِّمْها على غيرها، يُنِرِ اللهُ بها قلبَك ودَرْبَكَ.

• عظِّم الله وشعائره، فمن رفع اسم الله رفعه الله.

• انشر الخير، ولا تحقرنَّ صغيرةً؛ إن الجبال من الحصى.

• الدنيا ليست راحةً، فكيِّفْ نفسك على تغيُّراتها، وتجهَّز لمتاعبها وصعابها وتحلَّ بالصبر.

• الحياة بدون قرآن ليست حياة، فحافظ على آيات أو صفحات منه كل يوم.

• أولادك هم غرسُكَ، فكيفما يكون الغرس يكون القطف، والجزاء من جنس العمل.

• دينَكَ دينَكَ، لا تُقدِّم عليه شيئًا، ولا تُفرِّط منه بشيء.

• كن معلمًا، ولا تقض عمرك صامتًا؛ ففي القبر ستصمتُ طويلًا.

• لا تخف من الموت، فأنت ذاهب إلى أرحم الراحمين، من هو أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook