ما تقول؟

الكاتب: المدير -
ما تقول؟
"ما تقول؟

 

124 ألفًا على مدار التاريخ البشري، حشد كبير وجمع غفير، كانت لهم مَهمَّة واحدة، وهدف يسعون لتحقيقه؛ إنهم الأنبياء، وكانت رسالتهم: أن اعبدوا الله وحده.

 

كلٌّ منهم كان يُختار بعناية واصطفاء؛ فهم صفوة الخلق، وأجمع لصِفات المجد، والذي اختارهم أعلم بالخلق أجمعين، الذي أحاط علمه وسمعه بجميع الأمور والأشياء؛ فهم أقدر الخلق على تحقيق المقصود وإبلاغ الرسالة؛ ? اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ? [الحج: 75].




وكلُّ واحد منهم يُعطى معه ما يؤيِّده، ويُصدَّق كلامه بما لا يستطيعه البشر؛ ((ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه الله إليَّ))[1].

 

ومع كل هذه المقدِّمات إلا أننا نقرأ:

عن أولهم نوحٍ عليه السلام: ? وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ? [هود: 40]، وأكثر ما قيل: إنهم ثمانون شخصًا، وذلك خلال ? أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ? [العنكبوت: 14].

 

ويستمر مسلسل عدم الإيمان حتى يأتي ((النبيُّ ومَعهُ الرَّهْطُ، والنبيُّ ومعهُ الرجُل والرَّجُلانِ، والنبيُّ وليسَ مَعهُ أحَدٌ))[2]، يا ألله! ليس معه أحد؟! بل يصل العدد إلى أمر خطير بعدد بَعْث النار من بني آدم حين ((يقول الله: يا آدم، أخرج بعث النار، قال: وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين..))[3]، فمن كل ألف واحد فقط!

 

ومن هنا يأتي سؤال مهمٌّ جدًّا جدًّا: لماذا لم يؤمن أغلب البشر؟ لماذا يَجحدون مع يقينهم - ولو أحيانًا - بأنه حقٌّ؛ ? وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ? [النمل: 14]؟

 

ولتحديد ذلك دعونا نرجع إلى كلام الرسل مع أقوامهم، وماذا كان ردُّ الأقوام:

• ? قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ? [الأنبياء: 53]، ? قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ? [الشعراء: 74]، قيلت لإبراهيم عليه السلام.

 

• ? قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ? [الأعراف: 70] قيلت لهود عليه السلام.

 

• ? بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ? [الزخرف: 22] قيلت لمحمد صلى الله عليه وسلم.

 

بل أصبحت قاعدةً عامة؛ ? وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ? [الزخرف: 23].

 

إذًا، فالسبب الرئيس هو التقليد ورفض التغيير.

 

ومن حقك أن تسأل: لماذا يرفضون التغيير إذا كانت الأدلة قاطعة والبراهين مقنعة؛ لعلَّ السرَّ - والله أعلم - يَكمن في أمرين:

الأول: يتعلق بالمؤثِّرين والقادة الكبراء، المترفين؛ وهو أنهم سيَخسَرون امتيازاتهم ومكاسبهم المادية والمعنوية، وقد ينقلب حالهم إلى المعاداة والحروب؛ ? وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ? [القصص: 57].




الثاني: يتعلق ببقية الناس؛ وهو الخوف بشتى أصنافه وأشكاله، خوف البطش والتنكيل، خوف السمعة والرياء، خوف اتهام الآخرين، وغيره؛ ? فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ? [يونس: 83].




رفض التغيير ليس هو العامل الوحيد، لكنه عامل رئيس في عدم الإيمان برسالة الأنبياء عليهم السلام.

هذا ما أقوله

فما تقول أنت؟




[1] متَّفق عليه.

[2] صحيح الجامع الصغير؛ للألباني (3999).

[3] البخاري برقم (3348).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook