متى سنفرح بالرحيل؟

الكاتب: المدير -
متى سنفرح بالرحيل؟
"متى سنفرح بالرحيل؟

 

الرحيل عن الدنيا سنة ماضية، لو تأمَّل الواحد منا في عمره المنصرم، لشعر رغم كر الليالي والأيام والشهور والأعوام أنه كلمحة بصر، أو كيوم أو بعض يوم، دقائقنا وساعاتنا وأيامنا وشهورنا وأعوامنا، كلها ستطوى في لحظة واحدة، وسيأذن الله بالرحيل، رحيل كل من حولنا يكرهونه، والموت كلنا يكرهه، ولكن عند نزوله بالعبد ربما تحولت تلك الكراهية إلى محبة وفرح وسرور وربما عكس ذلك، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»؛ رواه مسلم.

 

قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك للتابعي الجليل أبي حَازِم يَا أَبَا حَازِم، مَا لنا نكره الْمَوْت فَقَالَ لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم فَأنْتم تَكْرَهُونَ النقلَة من الْعمرَان إِلَى الخراب، قَالَ كَيفَ الْقدوم على الله عز وَجل، فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما المحسن فكالغائب يَأْتِي أَهله فَرحًا مَسْرُورًا، وَأما الْمُسِيء فكالعبد الآبق يَأْتِي مَوْلَاهُ خَائفًا مَحْزُونًا، فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لنا عند الله يا أبا حازم، فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله؟ قال: عند قوله ? إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ?، قال: يا أبا حازم، فأين رحمة الله؟ قال: ? قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ?[1].

منَازِل دنياك شيَّدتها
وَخَربَتْ دَارك فِي الْآخِرَة
فَأَصْبَحت تكرهها للخراب
وترغب فِي دَارك العامرة

 

مشكلة الرحيل عن الدنيا أنه غالبًا ما يأتي بغتةً دون سابق إنذار، ليس لها زمن محدد ولا مكان محدد، ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [لقمان: 34].




والرحلة إلى الآخرة ليس لها علاقة بالصحة والمرض:

فكم من سليم مات من غير علة
وكم من مريض عاش حينًا من الدهر



وليس له علاقة بعمر الإنسان، فكم من كبير عُمِّر حتى جاوز المائة، وكم من شاب رحل قبل العشرين والثلاثين، وإن كان أعمار أمة محمد بين الستين والسبعين، وقليل من يجوز ذلك.

وما المرء إلا راكب ظهر عمره
على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كل يوم وليلة
بعيدًا عن الدنيا قريبًا إلى القبر




نعم نحن نفرح بمر الأيام والليالي، فالصغير يريد أن يكون شبابًا، والشاب يريد أن يكون رب أسرة له زوجة وأولاد، وصاحب التجارة يفرح بمر الأيام والليالي؛ لأنه سيوسع تجارته، والموظف والعامل يفرح بنهاية الشهر حتى يأخذ مرتبه وأجرته، ونغفل أن تقضي هذه الأيام إنما هو نقص من أعمارنا وتقربنا لرحيلنا.

إنا لنفرح بالأيام نقطعها
وكل يوم مضي يدني من الأجلِ



سنرحل ولكن، هل هناك من يفرح بالرحيل؟ ومتى سنفرح بالرحيل؟ تأملوا هذه الآية: ? الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ? [النحل: 32]، سنفرح بالرحيل عندما نكون طيبين. كل واحد منا يسأل نفسه هل أنا طيب؟ وكيف ستكون رحيل الطيبين؟




تأمَّلوا بعض خبر هذه الرحيل، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: «فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض»، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون، يعني بها، على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى؛ قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: «فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره»، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي؛ رواه أحمد وصححه الألباني، هذا بعض خبر رحلة الطيبين، فليسأل كل واحد منا نفسه هل أنا من الطيبين؟




هل أنا طيب في علاقتي وصلتي بربي؟ كيف أنا في توحيدي لربي هل أنزهه عن كل شريك؟ فلا أدعو إلا ربي ولا أصرف أي عبادة إلى له وإليه؟




كيف أنا مع الصلاة هل أقيمها كما أراد الله وفي الوقت الذي حدد وفي المكان الذي دعاني إليه؟




كيف أنا مع ذكر الله ومع كتاب الله هل لي نصيب يومي من الذكر والقرآن؟ أم أنا هاجر لكتابه غافل عن ذكره؟ فأحرم نفسي من النداء للطيبين عند رحيلهم: ? يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ? [الفجر: 27 - 30].




كيف أنا مع والدي هل أنا طيب معهما؟ أفرح ببرهما وأشعر بالسعادة والغبطة وأنا أبادر بالإحسان إليهما، هل استشعرت إنها نعمة وهبة من الله، آه ثم آه لقلوب حرمت هذه النعمة وحال الرحيل بينهما.




كيف أنا مع زوجتي وذريتي وإخوتي وأخواتي وأرحامي، هل أنا طيب معهم وممن يصلهم ويحسن إليهم ويبرهم ليصله الله ويكون من الطيبين، أم أنني قطعتهم وخاصمتهم وبخست حقوقهم، فعرضت نفسي لوعيد القطيعة؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ»؛ رواه مسلم ولا حول ولا قوة إلى بالله.




هل أنا طيب مع عباد الله من الجيران والزملاء والعمال ومَن أعاشرهم؟ هل أحسن إليهم وابتعد عن الإضرار بهم؟ لأفوز برحمته الله ومغفرته ما عملته في عمرك هو الذي يحدد مصيرك عند الرحيل، هل أنت من الطيبين؟ هل ستفرح بالرحيل؟ اعمُر حياتك بطاعة الله وما يقرِّبك إليه، وكنْ من الطيبين؛ حتى تفرح بالرحيل وبلقاء الله عز وجل؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة عيشه الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته: اللهم اجعلنا من الطيبين بمنِّك وكرمك يا حي يا قيوم.

 

[1] مختصر منهاج القاصدين (ص: 135).

 


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook