محاور دعوة الرسل لبناء النفس المؤمنة رسالة موسى إلى فرعون في سورة النازعات أنموذجا

الكاتب: المدير -
محاور دعوة الرسل لبناء النفس المؤمنة رسالة موسى إلى فرعون في سورة النازعات أنموذجا
"محاور دعوة الرسل لبناء النفس المؤمنة
رسالة موسى إلى فرعون في سورة النازعات أنموذجًا

 

اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث في الناس رسلًا مبشرين ومنذرين، وأن يكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا لأولئك الرسل؛ حيث شرَّفه الله تبارك وتعالى وشرَّف أمته بإنزال القرآن وحفظه، وقصَّ الله علينا في القرآن قصصًا للسابقين، ووصفها بأنها أحسن القصص وأنها حق، (وكانت سيرة الرسل الماضين التي قصَّها القرآن جزءًا من دعوة خاتمهم، ودعوتهم لأقوامهم مُثُلًا صالحة لدعوته لقومه، فسنن الله تعالى لا تختلف ولا تتخلف في المصلحين والمفسدين، يسوقها الله في كتابه الكريم؛ لتكون تربية لنا، وعبرة لأصحاب العقول منَّا)[1].

 

والمتأمل في دعوة الرسل التي عرضها القرآن، يلحظُ اتفاق مقاصدهم ومهماتهم تجاه أقوامهم، من الدعوة إلى الله وعبادته، والتعليم والتذكير وتزكية النفوس وتطهيرها؛ كما قال الله تعالى: ? وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ? [النحل: 36]، ودعا إبراهيم عليه السلام لذريته، فقال: ? رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ? [البقرة: 129]؛ قال ابن القيم رحمه الله: «فإن تزكية النفوس مُسلَّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولَّاهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليمًا وبيانًا، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم؛ قال الله تعالى: ? هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ? [الجمعة: 2]، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، فالرسل أطباء القلوب، والله المستعان»[2].

 

فتأمل قول ابن القيم رحمه الله: (فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم) [3]، واشكر الله على نعمه وفضله، ورحمته بنا، فالرحمن الرحيم لم يتركنا سدًى، بل أرسل إلينا رسلًا ترشدنا إلى الصراط المستقيم الذي نسير عليه، وتأخذ بنواصينا إلى الله تبارك وتعالى، حتى نلقى الله تبارك وتعالى بنفسٍ زكية وقلب سليم.

 

لذا وجب علينا الاقتداء بهم والسير على دربهم؛ كما قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر جملة من الأنبياء[4]: ? أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ? [الأنعام: 90]، فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، واقتدى بهم وسار على دربهم.

 

واتفقت دعوة الرسل ومقاصدهم على بناء النفس المؤمنة وتعبيدها لرب العالمين، وجاءت رسالة موسى إلى فرعون في سورة النازعات رغم وجازتها للكشف عن هذا المقصد العظيم وبيان كيفيته، فلا سبيل إلى بناء أنفسنا وإصلاحها إلا إذا بدأنا من حيث بدأ الرسل، وهذا ما نتناوله في هذه المقالة.

 

نصُّ الرسالة الربانية إلى موسى عليه السلام:

? اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ? [النازعات: 17 - 19].

 

ونستخرج من هذه الرسالة المباركة عدة نقاط؛ منها:

1- طريقة دعوة موسى عليه السلام لفرعون الطاغية:

لما أرسل الله موسى عليه السلام إلى فرعون علَّمَه كيف يدعوه، فأمره أن يقول لفرعون: هل لك إلى أن تزكَّى؟ «فبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلامَ الرقيق؛ ليستدعيه باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوِّه؛ كما أمر بذلك في قوله: ? فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ? [طه: 44][5].

 

«وأخبر تعالى أنه أمر موسى بإبلاغ الرسالة إلى فرعون بصيغة الاستفهام والعرض؛ ليكون أصغى لأذنه، وأوعى لقلبه، لِما له عليه من حق التربية»[6].

 

«وقال: ? إلى أنْ تَزَكَّى ?، ولم يقل: ? إلى أن أُزكيك ?، فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره؛ لما فيه من البركة والخير والنماء»[7].


ويظهر لطف موسى عليه السلام أيضًا في دعوته لفرعون عند قوله: ? وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ ?؛ يقول ابن عاشور مُعلقًا على هذه الآية: (ذُكِرَ لَهُ الإلَهُ الحَقُّ بِوَصْفِ (رَبِّكَ) دُونَ أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ العَلَمُ أوْ غَيْرُهُ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ؛ إلْطافًا في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وتَجَنُّبًا لِاسْتِطارَةِ نَفْسِهِ نُفُورًا؛ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ في لُغَةِ فِرْعَوْنَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ عَرَّفَهُ لَهُ بِاسْمِهِ في لُغَةِ إسْرائِيلَ لَنَفَرَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ آلِهَةً باطِلَةً، فَكانَ في قَوْلِهِ (إلى رَبِّكَ) - وفِرْعَوْنُ يَعْلَمُ أنَّ لَهُ رَبًّا - إطْماعٌ لَهُ أنْ يُرْشِدَهُ مُوسى إلى ما لا يُنافِي عَقائِدَهُ، فَيُصْغِي إلَيْهِ سَمْعَهُ، حَتَّى إذا سَمِعَ قَوْلَهُ وحُجَّتَهُ، داخَلَهُ الإيمانُ الحَقُّ مُدَرَّجًا، فَفي هَذا الأُسْلُوبِ اسْتِنْزالٌ لِطائِرِهِ)[8].

 

فالرفق واللين من صفات الرسل في دعوة أقوامهم، والغلظة والشدة تخالف ما جاء به الرسل، (فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولًا لينًا، فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه) [9]، وقد قال الله تعالى: ? وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ? [البقرة: 83].

 

وقد قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? [آل عمران: 159].

 

وهذا هو المسلك الصحيح الذي ينبغي أن يسلكه كل داعية، ولا يتعجب من دعوة فرعون بالرفق واللين رغم طغيانه، فالذي خلقه وقدَّر هذا الطغيان هو الذي هدى الرسل وأمرهم بالرفق واللين، فما كان منهم إلا الامتثال، وما علينا إلا الاتباع.

 

ثم بعد هذا الرفق واللين في العرض، طلب منه أن يتزكى من الشرك حتى يهيئ قلبه إلى معرفة ربه تبارك وتعالى، فتحصل له الخشية، فقال: ? هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ? [النازعات: 18، 19].

 

2- محاور رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون:

إن رسالة موسى عليه السلام رغم وجازتها تشمل مقاصد الرسل ودعوتهم، وهي رسالة جامعة لتأسيس وبناء النفس المؤمنة، وهذا البناء يكون على محورين أساسيَّين، وثمرة تُكمل هذا البناء بعد تأسيسه:

أ‌- المحور الأول: تزكية النفس: فقل هل لك إلى أن تزكى:

والزكاة في اللغة[10]: النماء، ومنه زكا المال يزكو، وقيل: الطهارة، وأما في الشرع: فكلا المعنيين مقصودان، فهي تجمع بين الطهارة والنماء؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن التزكي هو التطهر بترك السيئات الموجب لزكاة النفس؛ كما قال تعالى: ? قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ? [الشمس: 9]، ولهذا تفسر الزكاة تارة بالنماء والزيادة وتارة بالنظافة والإماطة، والحقيقة أن الزكاة تجمع بين الأمرين إزالة الشر وزيادة الخير، وهذا هو العمل الصالح وهو الإحسان)[11].

 

فتزكية النفوس تكون على شقين:

الأول: الذي يسمى بالتخلية، والثاني: الذي يسمى بالتحلية، (فالنفوس بحاجة إلى إزالة ما يعلق بها من الأكدار، وهي بحاجة إلى بناء بالمعاني الطيبة والكمالات، فالتزكية تقوم على هذين الفصلين، وهنا: هل لك إلى أن تزكى؟ يدخل فيه التطهر من الشرك والمعاصي، والتحلي بالإيمان والعمل الصالح، فالتزكية تشمل الأمرين: تتطهر من الشرك والمعاصي والكفر، وتتحلى بالإيمان والعمل الصالح)[12].

 

وهما عمليتان مستمرتان لا ينقطعان، فالمؤمن بحاجة مستمرة إلى تخلية النفس من كل ما يشوبها من أكدار، وتحليتها بالكمالات من الأعمال الصالحة؛ حتى يلقى الله تبارك وتعالى وهذا هو غاية الفلاح في الدنيا والآخرة، فقد أقسم الله تبارك وتعالى في سورة الشمس أحد عشر قسمًا، ومعلومٌ أن المقسم عليه لا بد أن يكون أمرًا عظيمًا، فقال الله تعالى بعد قسمه: ? قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ? [الشمس: 9، 10]، فتأمَّل!

 

(ولَمَّا أشارَ موسى إلى فرعون بالطَّهارَة عَنِ الشِّرْكِ، أتْبَعَها الأعْمالَ فَقالَ: ? وأهْدِيَكَ ?؛ أيْ أُبَيِّنُ لَكَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ بِالإيمانِ الَّذِي هو الأساسُ: كَيْفَ المَسِيرُ ? إلى رَبِّكَ ?[13].

 

ب‌ المحور الثاني: العلم بالله: وأهديك إلى ربك:

العلم بالله هو أعظم مقاصد الرسل، فالبشر لا يمكنهم معرفة الله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته، وبمحابِّه ومساخطه، وأوامره ونواهيه، إلا عن طريقهم، فما أكرم الله وأرحمه! أنزل الكتب وأرسل الرسل ليخبرَ عن نفسه، ? الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ? [الفرقان: 59][14].

 

والعلم بالله يراد به في الأصل نوعان[15]:

أحدهما: «العلم به نفسه؛ أي: بما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام، وما دلت عليه أسماؤه الحسنى، وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجَب خشية الله لا محالة، فإنه لا بد أن يعلم أن الله يثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته».

 

وليس هناك أعظم من أن نتعرف على الله تبارك وتعالى من خلال كلامه عن نفسه، فالقرآن كله حديث الله عن الله.

 

والنوع الثاني: «يراد بالعلم بالله، العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي، والحلال والحرام».

 

ولا شك أن التزكية والعلم تحتاج إلى معلم، فموسى عليه السلام كان هاديًا لفرعون إلى ربه، وكذلك منَّ الله علينا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: ? لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ? [آل عمران: 164]، فلله الحمد والمنة!

 

فلا سبيل إلى تحصيل هذا العلم إلا بالاتباع والاستجابة للرسول، وكلما زاد اتباع العبد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كان أقرب لمحبة الله تبارك وتعالى ورضاه، وكلما ابتعد العبد عن الاتباع، كان أقرب للضلال؛ قال الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ? [الأنفال: 24].

 

وقال جل وعلا: ? فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [القصص: 50].

 

ثُمَّ اعلم أن هذا العلم لا يكون نافعًا إلا إذا أثمرَ عملًا، وكل ما جاء في القرآن من مدح وجزاء للعالمين، إنما يقصدُ به العلم الذي يثمر عملًا، بدليل ذمِّ القرآن لمن حمل العلم ولم يعمل به، فقد قال الله تعالى: ? مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ? [الجمعة: 5]، فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن، فترك العمل به، ولم يُؤَدِّ حَقَّه، ولم يرعه حقَّ رعايته[16].

 

وبهذا يتضح لنا محاور بناء النفس المؤمنة، ويتبقى لنا ثمرة هذا البناء، ولكن قبل أن ننتقلَ إلى الثمرة، أودُّ التنبيه على أن مرحلتي التزكية والعلم شديدتا التداخل والتلازم، يكملُ بعضها بعضًا، ويصعب القول بأنها مبتوتة المفاصل، بل هي متواصلة، يكمل آخرها أولها، ويرفدُ أولُها آخرها، فليس هناك تزكية بدون علم، ولا علم ينفصل عن التزكية إلا كان علمًا لا ينفع[17].

 

ثمرة محاور الرسالة: الخشية:
بعد اكتمال تأسيس البناء جاءت ثمرة الرسالة، وقطب رَحاها التي دارت حولها المحاور، ويكتمل بها البناء، وهنا يأتي التساؤل: ما سرُّ اختيار الخشية دون غيرها فهناك الكثير من الأعمال التي تثمرها التزكية والعلم، ولكن سبحان من خلق النفس وعلم داءَها ودواءها؟!

 

وحتى نحاول الإجابة عن هذا التساؤل، لا بد أن نعلم أولًا ما الخشية؟

الخشية[18]: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصَّ العلماء بها في قوله: ? إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ? [فاطر: 28]؛ ا.هـ.

 

فالخشية لا تكون إلا بعلم، فمن زكَّى نفسه وعرف ربَّه تبارك وتعالى خشِيه، وإذا خشي ربَّه، فعل أوامره واجتنب نواهيه، كما أنه لا ينتفع بالذكرى والإنذار، ولا يعتبر إلا من خشي الله، وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ? فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ? [الأعلى: 9 - 11].

 

وقال عز وجل بعد انتهاء قصة موسى مع فرعون في سورة النازعات: ? إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ? [النازعات: 26]، ثم جاء بعد قصة موسى مع فرعون بالآيات الدالة على البعث، وذكر أهوال يوم القيامة، وحال الكافر ومصيره، وحال المؤمن ومصيره، وسؤال المشركين عن الساعة، ثم قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ? إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ? [النازعات: 45]؛ أي: مخوف، وخص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذرًا لكل مكلف، وهو كقوله تعالى: ? إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ? [يس: 11][19].

 

فمن خلال ما سبق يتبيَّن لك لماذا الاقتصار على ذكر الخشية، وأنها دواء لكل داء يصيب النفس ويؤثر على بنائها، وقد بَيَّنَّا أساس هذه الثمرة، فمن أراد أن يقطف هذه الثمرة، فليأخذ برسالة موسى عليه السلام التي تضمنت ما جاء به الرسل ودعوتهم لبناء النفس المؤمنة، وإن كذَّب وعصى فله في فرعون عبرة وعظة، فاللهُم آتِ نفوسنا تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللهُمَّ إِنا نعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا، والحمد لله رب العالمين.




[1] باختصار، محمد أحمد العدوي، دعوة الرسل إلى الله، بعناية عمرو الشرقاوي، ص30.

[2] باختصار، ابن القيم، مدارج السالكين (2 /315).

[3] المرجع نفسه.

[4] على القول بأن أولئك تعود على الأنبياء المذكورين في الآيات المتقدمة، وهو اختيار ابن جرير.

[5] النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار الكلم الطيب ط1، ج3، ص597.

[6] ابن عجيبة، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ج7، ص 292، نقلًا عن الكواشي.

[7] ابن القيم، بدائع الفوائد، ج3، ص133.

[8] ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية، ج30، ص73.

[9] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، ط2،ج11، ص200.

[10] ابن السمين، عمدة الحفاظ، ج2، ص142.

[11] ابن تيمية، مجموع الفتاوى ج16، ص198.

[12] تعليق د/ خالد السبت على كتاب المصباح المنير، تفسير سورة النازعات [من الآية 5-21].

[13] البقاعي، نظم الدرر، ج21، ص231، بتصرف يسير.

[14] على أحد أوجه التفسير بأن الخبير هو الله عز وجل.

[15] هذا التقسيم لابن تيمية، مجموع الفتاوى (3 /333) باختصار.

[16] القاسمي (9 /929).

[17] إعادة صياغة للمعنى، فريد الأنصاري، مجالس القرآن ج1، ص62.

[18] الأصفهاني، الغريب في مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، ج1، ص283.

[19] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج19، ص210.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook