محبة الله تعالى

الكاتب: المدير -
محبة الله تعالى
"محبة الله تعالى

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على خير رسل الله أجمعين سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم الصادقِ الأمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وبعد:

 

فإن الإنسانَ بطبعه يحبُّ التشجيعَ والتحفيز ليدفَعه ذلك إلى العمل، وكلما كان الحافز غاليًا ثمينًا، كان دافعُ الإنسان أقوى لإنجاز العمل، متغلبًا في ذلك على العوائق التي تحول بينه وبين الوصول إلى الهدف، فلا فتورَ ولا كسل ولا ملل؛ بل هو الجِدُّ والهِمَّة والنشاط حتى إتمام العمل وإتقانه، ومن ثَمَّ نيل الحافز واستلام الجائزة.

 

وهل هناك أعظم من محبة الله تعالى للعبد مكافأة وجائزة ؟! نعم، لقد صرَّح سبحانه وتعالى أنه يحبُّ أصنافًا من عباده، وبيَّن لنا لماذا اختَصَّهم بحبه، لقد أحبهم لأنهم اتصفوا بصفات يُحبُّها، وتخلَّقوا بأخلاق حميدة أمرهم بها؛ فكان الجزاءُ أن يشملَهم الله بحبه، ويفيضَ عليهم بجميل كرمه، وينزل في قرآنه على قلب رسوله ونبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم آياتٍ تُتلى ويُتعبَّد له بها؛ يقول تعالى: ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ... ?، فمَن هؤلاء السعداء الأصفياء؟ من هؤلاء المحظوظون الموفَّقون المهتدون؟ من هؤلاء حتى أسعى لأنضمَّ إليهم وأتشبه بهم؛ عسى أن يُلحقَني اللهُ برَكْبِهم؟

 

يقول تعالى:

? وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? [البقرة: 195].

? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ? [البقرة: 222].

? بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ? [آل عمران: 76].

? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? [آل عمران: 159]؛ إذًا فها هي قافلةُ المحبوبين من رب العالمين، المحسنين التوابين المتطهِّرين المتقين المتوكلين... هنيئًا لكم محبة رب العالمين.

وحتى نستشعرَ قيمةَ هذه المحبة وقدرَها، دعونا نعيش معها قليلًا....

 

(يحبهم ويحبونه):
لقد كان الشائع في دنيا الناس - لا سيما وقت ظهور الإسلام - أن العَلاقةَ بين الأسياد والعبيد؛ بل بين مَن يملِك زمامَ أمر من الأمور وغيره - لا بد أن تكون قائمة على القهر والاستعلاء والبطش من جانب السيد، يقابل ذلك ذلٌّ وخضوع ومهانة من جانب العبيد، ولا شك أن هذا من شأنه أن يملأَ القلوبَ حقدًا وبُغضًا وكراهية، فيَفسد المجتمع ويأسِن.

 

لذلك شاء اللهُ تعالى - وهو السيد بحق، والمعبود بحق، وبيده جميعُ وسائل القهر والإذلال، وهذا من حقه وسلطانه ? أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ? [الأعراف: 54] - شاء سبحانه أن تكونَ العلاقة بينه وبين عباده قائمة على الحب، وضرب سبحانه وتعالى لنا على ذلك مثلًا: فهَبْ أن الناس ارتدُّوا عن دينهم، وخلعوا رِبْقةَ الإسلام من أعناقهم، ثم شاء الله تعالى أن يأتيَ بقوم آخرين بمواصفات جديدة، وبصفات سامية تؤهلهم لأن يكونوا أفضلَ من سابقيهم.... أُصارحُكم القولَ؛ لقد توقَّعتُ صفاتٍ ضخمةً عظيمة لهؤلاء القوم الذين سيأتي الله بهم بديلًا عمن ارتدوا عن دينهم وباعوه، ما توقعت أن تبدأَ الكلمات بهذه الرقة أو أن تكونَ بهذا اللطف؛ يقول تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ? [المائدة: 54].

 

إذاً، فأُولى الصفات، ومقدمة المواصفات التي يريدها اللهُ تعالى في الأمة المسلمة التي لو شاء أوجدها - هي:

يحبهم ويحبونه.

إن الله تعالى يحدثنا عن الحب، الحب المتبادل بينه سبحانه وتعالى وبين عباده، هذه الرابطة القوية والعاطفة الجياشة التي تُلهِب القلوب شغفًا وحبًّا وشوقًا إلى ذات الله تعالى، لقد علِم الله سبحانه وتعالى أن هذه العاطفة هي التي ستقود المسلم المحبَّ لربه إلى كل ما يُرضيه جل وعلا، وهي التي ستدفعه إلى البحث عن أوامر الله تعالى، فيبادر بتنفيذها فَرِحًا مسرورًا.

 

ولك أن تتصور - أخي الكريم - وقْعَ هذه الكلمات حالَ نزولِها على قوم ما زال كثيرٌ منهم تلتهب ظهورُهم جراء جلدِها بسياط أسيادهم، وما زالت جراحاتهم تنزِف من أثر التعذيب، وما زالت مشاعرهم وعواطفهم مجروحة بطعناتٍ من خناجر السبِّ والشتم.

 

لك أن تتصور ذلك وهم يسمعون ربَّهم الملِك المعبود ذا المُلك والملكوت يتودد إليهم: يحبهم، وينتظر منهم أن يبادلوه هذا الحبَّ، فكان لسان حالهم: ? وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ? [البقرة: 165].

 

فما المحبة إذًا؟

يصف ابن القيم رحمه الله المحبة في كتابه مدارج السالكين عند حديثه عن منزلة المحبة قائلًا:

المحبة هي المنزلة التي تنافَس فيها المتنافسون، وعليها تفانى المحبُّون، وبروح نَسيمِها تروَّح العابدون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقُرَّة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرِمها فهو في جملة الأموات، والفوز الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عُدِمه حلَّت بقلبه جميعُ الأسقام، واللذَّة التي مَن لم يظفَر بها فعيشُه كله هموم وآلام...؛ (تهذيب مدارج السالكين، ص50، طبعة المكتبة القيمة، هذَّبه عبدالمنعم صالح العلي).

 

ثمرات المحبة:

لا تُثمر شجرةُ المحبة إلا إذا تتبَّعتَ الطريقَ الصحيح في زراعتها ورَيِّها، وتعهدتَها بعد ذلك بالرعاية والعناية والمحافظة عليها من جميع الآفات حتى تؤتيَ أُكُلَها.

 

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواعَ الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلُها ثابت، وفرعُها في السماء مُتَّصِل بسدرة المنتهى.

 

لا يزال سعيُ المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجُبه دونه شيء؛ ? إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ? [فاطر: 10]؛ (نفس المصدر السابق ص 511).

 

ثمار المحبة:

فهيَّا نستظل بشجرة المحبة الوارِفة، ونقطِف من ثمارها اليانعة؛ ومن هذه الثمار:

1- استشعار حلاوة الإيمان في القلب:
ففي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وجد بهن حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ إلى الكفر بعد إذ أنقذه اللهُ منه كما يكرهُ أن يلقى في النار)).

فمتى أحب المسلمُ ربَّه ونبيَّه حبًّا صادقًا خالصًا، وجد للإيمان حلاوة ولذة في قلبه.

 

2- حب الطاعات، وعمل كل ما يحبه الله ورسوله:

ففي دنيا الناس إذا أحب شخصٌ شخصًا حبًّا صادقًا، فإنه يسعى لإرضائه والتقرب إليه، وذلك بفعل كل ما يطلبه منه؛ بل يتعدَّى الأمرُ إلى أبعد من ذلك؛ فهو لا ينتظر حتى يطلبَ منه حبيبُه طلبًا معينًا، لا، بل يسعى هو ويجتهد ويسأل حتى يتعرف على كل ما يُرضي حبيبَه فيفعله، ولله تعالى المثل الأعلى، فإن العبد إذا أخلص الحب لربه جل وعلا، فإنه يتفانى في طاعته، ويُسرِع في تنفيذ أوامره وفرائضه، وربما لا يكتفي بذلك؛ بل إنه يُكثِر من النوافل والسُّنن وأعمال البر والخير؛ إرضاءً لربه.

 

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأُعطيَنَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه)).

 

والحديث يرسم طريقَ الوصول إلى محبة الله تعالى عن طريق فعل الفرائض والإكثار من النوافل، ويبيِّن كذلك ما يجري وما يحصل للعبد المحبوب من فضل وخير؛ فهو - أي العبد المحبوب - إن نظر فبالله، وإن تكلم فبالله، وإن مشى فبالله، وإن تحركت يداه فبالله...؛ لقد أصبح عبدًا ربانيًّا؛ إن سأل اللهَ أعطاه، وإن توكل عليه كفاه، وإن استعاذ به أعاذه، وإن دخل في حِماه حَماه.

 

3- يحبه أهل السماء، ويوضع له القَبول في الأرض:

ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أحب اللهُ عبدًا، دعا جبريلَ فقال: إني أُحب فلانًا فأَحبَّه، فيُحبُّه جبريلُ ثم ينادي في السماء: إن اللهَ يحب فلانًا فأَحبُّوه، فيُحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضع له القَبول في الأرض)).

 

لقد أثمرت محبةُ الله تعالى لك حبًّا وقَبولًا عند الناس، وهذا لا يُشترى بالمال؛ لكنه سِرٌّ وروح تسري بين القلوب، فتتآلف وتتحابُّ بروح الله؛ فالأرواح جندٌ مجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف؛ يقول تعالى: ? وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [الأنفال: 63].

ويقول تعالى أيضًا: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ? [مريم: 96].

 

الأسباب الجالبة للمحبة:

ومن أنفع ما ذُكر في ذلك قولُ ابن القيم رحمه الله تعالى (تهذيب مدارج السالكين ص513 طبعة المكتبة القيمة، هذبه عبدالمنعم صالح العلي): الأسباب الجالبة للمحبة الموجِبة لها، وهي عشرة:

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أُريد به.

الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فإنها تُوصِّله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان وبالقلب والعمل والحال؛ فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.

الرابع: إيثار محبته على محابِّك عند غلبات الهوى، والتَّسنُّم إلى محابِّه وإن صعُب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدته، ومعرفتها وتقلُّبه في رياض هذه المعرفة؛ فمَن عرف اللهَ وصفاتِه وأفعاله، أحبه لا محالة.

السادس: مشاهدة بِرِّه وإحسانه وآلائه ونِعَمِه الظاهرة والباطنة.

السابع: وهو مِن أعجبِها -: انكسار القلب بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.

الثامن: الخَلْوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدُّب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

 

فمن هذه العشرة، وصل المحبُّون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب، وملاكُ ذلك كله أمران:

1- استعداد الروح لهذا الشأن.

2- انفتاح عين البصيرة.

فاللهم إنا نسألُك حبَّك، وحبَّ كل عمل يقربنا إلى حبك.

وصلِّ اللهم وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook