مخموم القلب

الكاتب: المدير -
مخموم القلب
"صفات المصلحين (2)
مخموم القلب




الحمد لله نحمده ونستعينه، ونُصلي على محمد وآله وصحبه، وبعد:

فمخموم القلب صفةٌ جمعت من الخير جوانبَه، وحازت من الفضل أعاليه، ويكفي سماعُها لتنشرح بها الصدور، وتطمئن القلوب، وهي غاية ما يتحرَّاه الصادقون من الخصال، وأرقى ما يتحلَّى به السالكون من الصفات، مَن تحققها جَمَع الخير كلَّه، ومَن سعى في إدراكها استنزل مِن رحمات ربه ما يعمه ويعم مَن حوله.




وبيان هذه الصفة من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح؛ إذ سُئِل: أي الناس أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((الصادق اللسان، المخموم القلب))، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا غل، ولا بغي ولا حسد)).




وهذا الحديث من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن مثل هذا الكلام لا يتأتى إلا لِمُلْهَمٍ حكيمٍ موحى إليه، والنور يتلألأ من هذا الكلام، كما يتلألأ الجوهر النقي الأصيل، وإن الصالحين لَيَسْتَمِدُّونَ منه من الأنوار ما يُثَبِّتُ يقينَهم، ويُزَكِّي نفوسهم، ويُطرب أرواحهم حتى تنشرح بقَبول الحكمة بقلوبٍ منفتحة على الخير، باعثة على البذل والفعل.




والكلام عن مخموم القلب من جهتين:

الأولى: دلالته اللُّغوية والبلاغية.

والثانية: تعريف النبي صلى الله عليه وسلم له.

أما الجهة اللُّغوية البلاغية، فالمخموم في اللغة الموضع المكنوس، الذي كان مملوءًا بالقذر ثم سُلِّطَتْ عليه المكانس لإزالة ما به من القمامة والقاذورات، ويسمى المكنوس: خُمامةً، وكناسة، وقمامة.




قال ابن الأثير[1]: وهو مِن: خَمَمْتُ البيت؛ إذا كنستَه، ومنه قول مالك: على المُساقي خَمُّ العين؛ أي: كنسها وتنظيفها.

وقال ابن منظور[2]: خَمَّ البيتَ والبئرَ يخمهما خمًّا واختمَّهما: كنسَهما، والاختمام مثله، والمِخَمَّةُ المِكْنَسة.

وأما من الجهة البلاغية، فهذا الأسلوب يسمى تشبيهًا، وليس استعارةً، كما قد يُظَنُّ؛ لأن المستعار له مذكور في سياق الكلام، وهو أفضل الناس، وكأنه قال: أفضل الناس مخموم القلب، فالمبتدأ أفضلُ، وخبره مخموم، وإنما حُذف المبتدأ حال الإخبار؛ احترازًا من العبث؛ لأن ما قامت عليه قرينة السياق عند المخاطب يُعدُّ ذكره عند أرباب البلاغة عبثًا وحشوًا زائدًا!




قال السيوطي[3]: وإنما تُطلق الاستعارة حين يُطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلوًا عنه، صالحًا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال وفحوى الكلام.

وقد جاء التشبيه هنا تشبيهًا حِسيًّا دون أداة تشبيه، وهو مِن أبلغ أساليب التشبيه، ووجه الشَّبهِ فيه متعدِّد، فهو الطهارة والنقاء والصفاء من جهة، والتطهير والتنقية من جهة، والوجهان حسيان.




وبهذا التشبيه جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الذي يجتهد في تطهير قلبِه كالذي يسعى في تنظيف مكان إقامته وسكنه، وفيه إشارات:

أولها: أن الناس يَذُمُّون مَن يرضى الجلوس أو الإقامة بموضع تكثُرُ فيه القمامة والأوساخ، ولا يتردَّدون في وصفه بأوصاف القذر والنتن، فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول: إذا كان ترك مكانك متسخًا - مذمومًا عند العقلاء، فكذلك يجب أن يكون الحال مع مَن ترك قلبه متسخًا بالصفات الذميمة الناقصة، ففيه حثٌّ على الاجتهاد في تطهير القلوب بتلميح رقيق عذب خفيف، دون شدة أو تعنيف.




ثانيها: أن النفس تنشرحُ في المكان النظيف، ويحصل لها فيه من الراحة والطمأنينة ما لا يحصل في المكان المتَّسِخ، وكذلك الذي يُطهِّر قلبه من الأوصاف المذمومة، ويجعل قلبه نقيًّا طاهرًا، فإن الناس تنشرح عنده، وتسعَدُ بسماع كلامه، وتطمئن لكل قول يلقيه، فإذا تكلَّم انتفع ونفع، وإذا صمَتَ نزلت بصَمْتِه الرحمةُ والسكينة.




ثالثها: مخموم على وزن مفعول، وفيه تلميح إلى أن خَمَّ القلبِ وتنقيتَه من الصفات القبيحة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى، ومنه يُفهَمُ ما يستغربه الناس مِن حال فساد مَن اصطُلِحَ عليهم تجوزًا علماء! فالعامة تتصور أن حفظ المسائل، والقدرة على استحضارها وعرضها - كفيلٌ بأن يجعل صاحبه عالِمًا مصلحًا موجِّهًا، والأمر ليس كذلك، فمِن شرط العلم الصلاح، فإن كان منه خِلوًا، انتقل إلى أن يكون معلومًا، ولا يُسمَّى ناقله عالِمًا، بل حافظًا أو ناقلًا.




وحتى يتبيَّن المقصود، فالمعلومُ كالجسدِ، والصلاحُ كالروحِ، فلا يكون المعلوم علمًا وحكمة يَنتفع بها العبادُ حتى يُنفخ فيه من رُوح الصلاح ونور الهداية والإرشاد والحكمة، ولا يتأتَّى مثل هذا في الأزمان إلا لقلةٍ مِن الناس، هم الأبدال والمجدِّدون، الذين أناط الله بهم إصلاحَ الفاسد وإقامة الأود، وهم خِيرة خلق الله بعد الأنبياء.




رابعها: أن إصلاح القلب ممكنٌ، كما يمكن تطهير الأمكنة، فانتفى به الوهم الحاصل مِن كونِ تطهير القلوب جملةً غيرَ ممكن.




خامسها: أن العبرة بصلاح القلوب لا بكثرة الأعمال؛ فإنه صلى الله عليه وسلم جعل مخمومَ القلب أفضلَ الناس، فلم يَقُلْ: أفضل الناس أكثرُهم عملًا؛ وإنما قال: مخموم القلب.




سادسها: استحباب استعمال الأساليب البلاغية في إيصال المعاني؛ لأنه أدلُّ على المقصود، وأرسخ في العقل، وأثبت في الفؤاد.




سابعها: استحبابُ استعمال الغريب في جواب السائل؛ لإثارته وإعداده لتلقي الجواب، فلو قال عليه الصلاة والسلام: (أفضل الناس التقي النقي، لا إثم فيه ولا غل، ولا بغي ولا حسد)، لم يكن وقعه كوقع (مخموم القلب)، فإنه أثار به الصحابةَ رضوان الله عليهم، وهيَّأهم لقَبول الموعظة والعلم، حتى انفتحت قلوبهم، ثم أودع فيها تلك الحكمةَ الخالدة التي حُفِظَت على مر العصور.

فهذه إذًا سبعُ إشارات خفيَّة تضمَّنها الحديث، ودلَّ عليها أسلوبُ التشبيه في قوله عليه الصلاة والسلام: ((مخموم القلب)).




أما تفسيره عليه الصلاة والسلام لمخموم القلب، فقد جمع ست صفات:

• الصفة الأولى: التقوى.

• الثانية: النقاء.

• الثالثة: الخلو من الإثم.

• الرابعة: الخلو من الغل.

• الخامسة: الخلو من البغي.

• السادسة: الخلو من الحسد.




وهذه الصفات ليست كلها على نمط واحد، بل بعضُها مُثمِرٌ، والبعض مُثمَرٌ، والآخرُ بيانٌ، وسيأتي بيان هذا المعنى - بعون الله تعالى- في الصفة الثانية.




أما التقوى، فأصلها في اللغة تَقِيَ، تقول: تَقِيَ الله يَتْقِيهِ تَقْيًا، بمعنى خافه وحذره، والتاء مُبدلة من واو، والأصل: وَقِيَ، وقيل: أصلها اوْتَقَى، أُبْدِلَت الواو تاء وأدغمت في الثانية، فقيل: اتَّقى، والتَّقِيُّ: الذي يحمله الخوفُ على طاعةِ مَن يخافه، بامتثال الأمر واجتناب النهي؛ حتى يَدفعَ عنه عقابَه، فليست التقوى خوفًا فحسب، بل هي خوف مُوَلِّدٌ لفعلٍ مُجَنِّبٍ من حصول المَخُوفِ منه.




وكأنه عليه الصلاة والسلام قال: (مِن صفة مخموم القلب شدَّةُ الخوف من الله تعالى، المتولِّد من كثرة المراقبة له، واستحضار عظمته وجلاله، وقوته وقهره وجبروته، فلما كان مستحضرًا لذلك في جميع أحواله، صار متَّصِفًا بصفة الخوف مِن حلول العقاب والبطش، المولِّدة لفعل المرْضيِّ، المجنِّبة من فعل المُسْخِطِ).




وقد أمر الله تعالى عبادَه في كتابه بلزوم التقوى، وكرَّر ذلك في مواضع كثيرة؛ لأنها أصل الخير كله، وفي تركها حصول الشر كلِّه.




والأصل في التقوى أنها عطاءٌ وفضل مِن الله جل جلاله؛ لأنها لا تكون إلا باستحضارِ عظمته، ولا يحصل ذلك إلا لِمُوَفَّقٍ مِن عباد الله المُخْلَصِينُ، جعلنا الله برحمته منهم، آمين.




الصفة الثانية من صفات مخموم القلب: النقاءُ، والنقاء النظافة، وهو المطلوب من الخم والكنس، وفي كلامه عليه الصلاة والسلام لفٌّ ونشر، كما لو قال عليه الصلاة والسلام: (مخموم القلب هو التقي الذي جعلته التقوى نقي القلب؛ أي: مخمومه)، ثم فسَّر النقاء بأنه الخلوُّ من الغل والبغي والحقد والحسد.




وإلى هذا المعنى تمَّتِ الإشارةُ قبل، فالتقوى مثمرة للنقاء؛ إذ لَمَّا حَلَّتْ بقلب العبد ألجأَتْه إلى العمل الموصل إلى نقاء القلب، ونقاء القلب ثمرة التقوى، وهو الخلوُّ من الإثم والبغي والغل والحسد، وعلى هذا تكون هذه الصفات الأربع توكيدًا وبيانًا لمعنى النقاء الذي وَلَّدَتْه التقوى.




ويستفاد من هذه الجهة أن التقوى تُوَلِّدُ النقاءَ ولا بد، فإن كان قلب العبد محشوًّا بأمراض الإثم والبغي والغل والحسد، دلَّ على عدم صحة تقواه.




ويستفاد منها أيضًا أن هذه الصفات الأربع القبيحةَ هي جِماعُ أمراض القلوب وأشنعها، ومنها تتفرَّع سائر أمراض القلوب، فما مِن آفة تعترض قلبَ العبد إلا ومصدرُها صفةٌ من هذه الصفات.




الصفة الثالثة: الإثم، وهو في اللغة: الذَّنب، والمراد به هنا المعصية، ما لم توجب حَدًّا، ولم تبلغ حد الاستطالة على العباد، فهو دون البغي، قال تعالى: ? قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ? [الأعراف: 33]، قال القرطبي في الآية - نقلًا عن الفراء[4] -: الإثم ما دون الحد والاستطالة على الناس، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس والضحاك والفراء[5]: أنه الذنب الذي لا يوجب الحد.




الصفة الرابعة: الغل، وهو الضِّغْنُ والحِقْدُ والغِشُّ الكامن في الصدر إلى حدٍّ يوجب حرارة الصدر وضيقه، وذلك منافٍ لطهارة القلب، فلزم أن يكون مخموم القلب خاليًا من هذه الصفات، لا يَعْلَقُه منها شيء، ومن صفة الغل الخفاءُ، فلا يظهر بفعلٍ وأذى، بخلاف الحسد.




الصفة الخامسة: البغي، وهو في اللغة: التعدِّي والظلم والفساد، والمراد به في الحديث عموم الاستطالة على العباد، قال القرطبي - نقلًا عن ثعلب[6] -: البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغي عليه بغير حق، إلا أن ينتصر منه بحق.




الصفة السادسة: الحسد، مِن: حَسَدَ يَحْسُدُ ويَحْسِدُ، وهو أن يرى الرجلُ لأخيه نعمةً فيتمنى زوالَها عنه، فهو غلٌّ كامن في الصدر، إلا أنه تجاوز إلى الفعل والأذى، وكلما اشتد حسد الحاسد، زاد سَعْيُه في إزالة نِعَمِ المحسود؛ بالعَينِ، أو بالسِّحر، أو غير ذلك من المكايد الشيطانية.




والفرق بين الغل والحسد من جهتين:

الأولى: أن الحسد ظاهر يتعدَّى إلى الأذى، بخلاف الحقد، فإنه مستور خفي.

الثانية: أن الحسد يكون من نعمة، بخلاف الحقد، فقد يكون لعداوة أو بغضاء أو ظلم نازل به.

وإذا تأمَّلتَ هذه الصفات الأربع الأخيرة، وجدتَ أن صفتينِ منهما لازمتانِ لا تتعديان إلى الغير، وصفتين متعديتانِ:

أما اللازمتان، فالإثم والغل.

وأما المتعديتان، فالبغي والحسد.

وقد بدأ النبي عليه الصلاة والسلام باللازمتينِ، وختم بالمتعديتين، وسرُّ ذلك التنبيهُ إلى أن مخموم القلب طاهرُ القلب إلى حدٍّ لا يتأذى ولا يؤذي، فقلبه خالصٌ من قليل الأذى وكثيرِه.




هذا ما تيسر لنا - بعون الله - من الكلام عن مخموم القلب، وهي أهم صفة يلزم المصلحين التحلِّي بها، والسعيُ للوصول إليها؛ فإن العيبَ كل العيب أن تدعو الناس إلى الخير وباطنُك بخلافه، أو تدعو إلى صلاح وأنت من المفسِدين.




أعاذنا الله مِن إصلاح الظواهر وإهمال البواطن، ووفَّقنا لِمَا وفَّق إليه عباده المخلصين، آمين!

والحمد لله رب العالمين.




[1] النهاية، ص: 402، مادة (خمم) / مؤسسة الرسالة.

[2] لسان العرب، ص: 160، الجزء: 5، مادة (خمم) / دار صادر.

[3] شرح عقود الجمان، ص: 192، دار الكتب العلمية.

[4] الجامع لأحكام القرآن، الجزء السابع، ص: 201، دار الكتاب العربي.

[5] زاد المسير، الجزء الثالث، ص: 146، دار الكتب العلمية.

[6] الجامع لأحكام القرآن، الجزء السابع، ص: 201، دار الكتاب العربي.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook