مراجعات طالب علم

الكاتب: المدير -
مراجعات طالب علم
"مراجعات طالب علم




الحمد لله الذي سهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلًا، وأوضح لهم طريق الهداية، وجعل اتباع الرسول عليها دليلًا، واتخذهم عبيدًا له، فأقروا له بالعبودية، ولم يتخذوا من دونه وكيلًا، وكتب في قلوبهم الإيمان لَمَّا رضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأتحملها عن الجاحدين، وأدَّخِرها عند الله عدة ليوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المرتضى، صلى الله وسلم عليه إلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه المهتدين.

 

أما بعد:

فمِن فضل الله تعالى على العبد أن ييسر له سبيل الخيرات، وأن يصرف عنه السوء والمنكرات، ولا شك أن الاهتمام بما تزكو به النفس ويرِق به القلب حتى ينقاد لشرع الله، ويستجيب لأمره ونهيه؛ مِن أعظم أسباب الخير في الدنيا والآخرة، فإن القلوب لا تصل إلى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة.

 

والسعادة سعادة القلوب، والشقاء شقاء القلوب، والقلوب لا تسعد إلا بالله جل وعلا، ولا تطمئن إلا بذكره وطاعته، قال تعالى: ? الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ? [الرعد: 28].

 

فبهذا يُعلم أن طريق السعادة الاهتمام بالقلوب وإصلاحها، ومداواة أمراضها وأسقامها حتى تستجيب لربها، والموفق من وفقه الله، والمخذول من حُرم عنايته وهداه.

 

وهذه مراجعات أحببت أن أطرحها بين أيديكم لعل الله تعالى أن يُصلح بها حالي وحال إخواني من طلبة العلم، وذلك بأن يراجع الطالب نفسه، ويُوازنها بين العلم والعبادة.

 

وسبب اختيار الموضوع:

هو ما يقع فيه بعض الطلاب من الإجحاف بأحد هذين الأصلين.

 

ويتضمن هذا الموضوع مواقف كثيرة، ولكن نقتصر على خمسة مواقف:

الموقف الأول: أصول النجاة من الفتن، بعد توفيق الله تعالى:

مِن أعظم الفتن التي قد تمر على طالب العلم فتنتان:

الفتنة الأولى: فتنة الشبهات.

وعلاجها: القوة العلمية، قال جل وعلا: ? وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ? [آل عمران: 7].

 

الفتنة الثانية: فتنة الشهوات.

وعلاجها: القوة العملية، قال جل وعلا: ? فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ? [مريم: 59].

 

فمن جمع بين هذين الأصلين بحيث لا يُقصِّر في واحد منهما، نجا بإذن الله تعالى من الفتن كلها، ومن أغفل واحد منهما، فهو على خطر عظيم؛ لأن هناك من عنده علم، ولكنَّ علمه لم يعصمه من الشهوات، وهناك من عنده عمل وعبادة، ولم يعصِمه ذلك من الشبهات، ولكن من جمع بين هذين الأمرين وَفق بإذن الله إلى الخير العظيم.

 

الموقف الثاني: حال الطالب مع العبادة:

قد تجد بعض الطلاب مجتهدًا في العلم - وهذا خير عظيم - ولكن تجد عنده زهدًا عظيمًا في العبادة، وسبب ذلك إذا سألته إما أن يكون الجواب كما قال الإمام الشافعي: العلم أفضل من النوافل، أو يسلك مسلك التأويلات التي يُظن معها أن العلم وحده دون العبادة سبب النجاة، ما العلم إذا لم يسلك به إلى طريق العمل والعبادة؟

 

ثم من أراد أن يعرف مراد الأئمة - رحمهم الله - من قولهم: العلم أفضل من النوافل، فعليه أن يعرض كلامهم على أفعالهم، فمراد الإمام الشافعي - رحمه الله - بهذا أن العلم إذا تعارض مع النافلة قُدِّم العلم على النافلة، أما أن يُجعل هذا أصلًا مطَّردًا، فلا!

 

فالشافعي - رحمه الله - ذُكر عنه من العبادة الشيء الكثير، وكذا الإمام أحمد - رحمه الله - وهو القائل عن العلم: العلم من المحبرة إلى المقبرة، انظر إلى المروي عنه من الصلاة والعبادة!

 

الموقف الثالث: مراجعات الطلبة فيما بينهم:

مِن الطلبة مَن وفَّقهم الله تعالى للمجالس التي يتذاكرون فيها العلم ومسائله - وهذا خير عظيم - ولكن مسائل العلم وحدها قد لا تُضيف إلى القلب رقةً، بل منها ما قسَّى القلب، فلمَ لا يكون بين الطلبة مجالس ومراجعات في التذكير، والتنبيه على عدم الغلفة عن هذا الأصل العظيم؟ وهو أصل العبادة.

 

فإن السلف كان هذا حالهم، وقد ضرب الإمام سفيان الثوري - رحمه الله - المثل في هذا؛ كما جاء في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - أن سفيان أرسل إلى عباد بن عباد فقال: مِن سفيان بن سعيد إلى عباد بن عباد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، فإن اتقيت الله عز وجل كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئًا، سألت أن أكتب إليك كتابًا أصف لك فيه خلالًا تصحب بها أهل زمانك، وتؤدي إليهم ما يحق لهم عليك، وتسأل الله عز وجل الذي لك، وقد سألت عن أمر جسيم الناظرون فيه اليوم المقيمون به قليل، بل لا أعلم مكان أحد، وكيف يستطاع ذلك وقد كدر هذا الزمان، إنه ليشتبه الحق والباطل، ولا ينجو من شره إلا من دعا بدعاء الغريق، فهل تعلم مكان أحد هكذا، وكان يقال: يوشك أن يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم، فعليك بتقوى الله عز وجل، والزَم العزلة، واشتغل بنفسك، واستأنس بكتاب الله عز وجل....

 

والرسالة طويلة ومفيدة، فعليك بمراجعتها، في الكتاب المشار إليه أعلاه تنتفع.

 

الموقف الرابع: طالب العلم والقدوة:

إذا سأل سائل فقال: لِمَ يُشدد على الطالب بلزوم هذا الأصل؟ نقول: لأن الطالب قدوة لغيره، فإذا زهد هو في العبادة، فكيف بحال من يقتدي به؟ فلا شك أنه يكون أزهد منه - إلا من رحم الله - ولكن من المحزن أنك قد تجالس بعض طلبة العلم حتى تفارقهم وأنت لم يرق قلب ولم يتغير فيه شيء - وما أُبرئ نفسي - بخلاف ذلك، فإنك قد تجالس بعض العوام فتجد عنده كثرة ذكر، وحسن توكُّل على الله تعالى الشيء العظيم، فتفارقه وقد رقَّ قلبك، واحتقرت نفسك لِما وجدت عنده من الأمور التي قد يُلام عليها الطلبة أكثر من العوام.

 

لهذا فإن مثل هذه الأمور تجعل طلبة العلم يُكثرون من مراجعة أنفسهم، وإصلاح خللها.

 

الموقف الخامس: أثر الذكر على الطالب واجتهاده في العلم:

ذكر الله تعالى من أعظم ما يقوِّي الطالب، ويجعله يقوم بأمور كان يَعجِز على أن يفعل مثلها، ولكن بعد توفيق الله تعالى وأخذه الورد اليومي من الذكر، صار يومه مباركًا، ونشاطه أقوى من قبلُ، وهذا ملاحظ، فمن استيقظ وذكر الله تعالى، وجد نفسه في هذا اليوم أنشط من أمسه، لهذا قال الصادق المصدوق: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَدٍ، يضرب كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عُقَدُه كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان))؛ متفق عليه.

 

وهذا ابن القيم - رحمه الله - يحكي حال شيخ الإسلام مع الذكر، وما له من الأثر على الطالب، فقال: حَضَرتُه مرَّةً، صلَّى الفَجرَ ثم جلَسَ يذكُرُ اللهَ تعالى إلى قريبٍ مِنَ انتِصافِ النهارِ، ثم التَفتَ إليَّ، وقال: هذه غَدْوتي، ولو لم أتغَدَّ الغَداءَ، سقَطَتْ قُوَّتي، أو كلامًا قريبًا مِن هذا.

 

وقال لي مرَّةً: لا أترُكُ الذِّكْر إلا بنيَّةِ إجمامِ نَفْسي وإراحَتِها؛ لأستَعِدَّ بتلك الراحةِ لِذِكْرٍ آخَرَ؛ [الوابل الصيب] (ص63).

 

وفي الختام أوصيك ونفسي بما أوصى به الإمام ابنُ القيِّمِ رحمه الله في قوله: حَقيقٌ بالمُفتي أنْ يُكثِرَ الدُّعاءَ بالحَديثِ الصحيحِ: اللَّهمَّ رَبَّ جِبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرضِ، عالِـمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، أنتَ تَحكُمُ بيْنَ عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِني لِمَا اختُلِفَ فيه مِنَ الحَقِّ بإذنِكَ؛ إنَّكَ تَهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مُستقيمٍ، وكان شَيخُنا - يَعني شَيخَ الإسلامِ ابنَ تَيميةَ - كثيرَ الدعاءِ بذلك؛ [إعلام الموقعين] (4 /257).

 

فهذا الدعاء عظيم أمره، فقد كان خير البشر - صلى الله عليه وسلم - يُلازمه في قيامه كل يوم، ونحن أحوج إلى مثل هذا الدعاء.

 

نسأل الله تعالى أن يُوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يُعيننا على مرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook