مراعاة أحوال المدعوين

الكاتب: المدير -
مراعاة أحوال المدعوين
"مراعاة أحوال المدعوين




المراعاة: أصلها من كلمة رعى، يقال: راعيت الأمر: نظرت إلى أين يصير، وراعيته مراعاة: لاحظته محسناً إليه، ومنه مراعاة الحقوق. وراعيت الأمر: راقبته ونظرت إلى ما يصير، وماذا منه يكون[1].

 

ومراعاة المدعوين: ملاحظتهم والإحسان إليهم، ومراعاة حقوقهم، وتقديم الدعوة لهم بما يتناسب مع أحوالهم وظروفهم، وهذا من الأمور المهمة للدعاة، والتي تؤدي -بإذن الله- إلى زيادة فرصة الاستجابة للحق عند المدعوين.

 

وإن مما يؤكد أهمية مراعاة أحوال المدعوين، تنوُّع طبائعهم، وتفاوت مداركهم، مما يؤدي إلى اختلاف تأثرهم واستجابتهم للهدى الإلهي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قسم الإمام ابن القيم الناس في استجابتهم للحق إلى قسمين، هما:

القسم الأول: المنتفعون بالدعوة، وهم نوعان:

النوع الأول: ذو القلب الواعي الذكي، الذي يكتفى بهدايته بأدنى تنبيه، ولا يحتاج إلى أن يستجلب قلبه ويجمعه من مواضع شتاته، بل قلبه واع قابل للهدى غير معرض عنه، فهذا لا يحتاج إلا إلى وصول الهدى إليه، فإذا جاء سارع إلى قبوله، كأنه كان مكتوبا فيه، وهذا حال أكمل الخلق استجابة، كما هي حال الصديق رضي الله عنه.

 

والنوع الثاني: من ليس له هذا الاستعداد والقبول، فإذا ورد عليه الهدى أصغى إليه بسمعه، وأحضر قلبه، وجمع فكرته عليه، وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله، وهذه طريقة أكثر المستجيبين، ولهم نُوِّع ضرب الأمثال وإقامة الحجج، فالأولون يدعون بالحكمة، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة، فهؤلاء نوعا المستجيبين المنتفعين.

 

أما القسم الثاني: فهم المعارضون المدعون للحق، وهم نوعان:

النوع الأول: نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي أحسن، فإن استجابوا وإلا فهم النوع الثاني: وهم الذين لا بد لهم من جدال أو جلاد.

 

ومن تأمل دعوة القرآن وجدها تشمل هذه الأقسام، متناولة لها كلها، كما في قوله تعالى: ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [النحل: 125] [2]، فهؤلاء المدعوون بالكلام، وأما أهل الجلاد فهم الذين أمر الله بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله[3].

 

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل لموقف الناس من هدى الله والعلم الذي بعث به[4]، وفصلهم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: ويمثلها الذي شرح الله صدره للإسلام، فأقبل على هديه، يعبُّ منه، حتى غدا الإسلام بمثابة دمه وروحه، حيثما حل، تكلم بالإسلام، عمله مطابق لأمر الله، وأخلاقه تنطق بشرع الله، قد استفاد من هذا الهدى والعلم في نفسه، وانعكست عقيدته على خلق الله، فنفعهم بعلمه، فهذا عالِم عامِل معلِّم.

 

الفئة الثانية: ويمثلها الذي أقبل على هدى الله، يعب منه ما شاء له الله، فنال منه حظا وافراً، لكنه مع هذا العلم الجَّم، لم يحقق صفة العمل، فعلمه في واد، وعمله في واد آخر، ينفع الناس ويرشدهم، وهو في ذاته مفلس من العمل[5].

 

الفئة الثالثة: ويمثلها الذي سمع العلم فأعرض عنه، لم يحفظه لم يعمل به، ولم ينقله لغيره، فهذا بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء، التي لا تقبل الماء، أو تفسده على غيرها[6].




[1] الصحاح باب الواو والياء فصل الراء 6 /2358، وتاج العروس فصل الراء من باب الواو والياء 10 /153.

[2] سورة النحل جزء من آية 125.

[3] بتصرف، مفتاح دار السعادة 1 /171.

[4]وذلك في الحديث المتفق عليه (( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير.. الخ)) سبق تخريجه ص 413.

[5] بتصرف، قطوف من رياض السنة، دراسة تحليلية أحاديث مختارة من كتاب رياض الصالحين: د. محمد صالح رضا 1 /20-21، مؤسسة مناهل العرفان بيروت ط: بدون.

[6] بتصرف، فتح الباري 1 /177 ح 97.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook