مصابرة واصطبار

الكاتب: المدير -
مصابرة واصطبار
"مصابرة واصطبار

 

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه. وبعد:

فيا أيها الأعزاء:

استوقفتني آياتٌ عظيمة من سورة (ص) الكريمة، فأصخ السمعَ الحثيث للكتابِ العزيز وأحسَنِ الحديث: ? وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ? [ص: 41 - 44].

 

يا ألله! إنَّ هذه لملحمةُ العظماء، عنوانها التجلُّد والصبر على البلاء، قد نسجت خيوطها بصِدق التوجه إلى ربِّ الأرض والسماء، واليقين في عونه سبحانه وتعالى وحسن الرجاء، والثقة فيما عنده عزَّ وجلَّ من العوض والعطاء!

إنها مِن أروع قصص الإيمان، التي تَبني شخصيَّةَ المسلم صاحب الاتزان، فترقق له الجَنان، وتتحرَّك بها الجوارح والأركان.

إنها مشاهد تَنبض بالتحمل والجلد، فيها الفداء بالنَّفس والمالِ والأهل والولد، لله وحده لا لأجل أحد!




ولله در القائل:

وقلَّ مَن جدَّ في أمر تطلَّبه ??? واستصحبَ الصبرَ إلَّا فاز بالظفرِ

 

أيها النبلاء:

إنَّ الصبر هو قوَّة مقاومة الأهوال الحسيَّة والمعنوية[1]، وهو الوقوف مع البلاء بحُسن الأدب، وقيل: الثَّبات مع الله، وتلقِّي بلائه بالرحب والسعة[2].

وأما مراتبه فهي خمس: صابر ومصطبر ومتصبِّر وصبور وصبّار؛ فالصابر أعمُّها، والمصطبر المكتسب للصَّبر المبتلى به، والمتصبّر المتكلِّف الصبر الحامل نفسه عليه، والصَّبور هو العظيم الصبر والذي صبره أشد مِن صبر غيره، والصبار الشديد الصبر في القدر والكمِّ[3].

 

فيا أولي الأفهام، اعلموا أنَّ للصبر أقسامًا:

قال ابن القيم رحمه الله: الصبر باعتبار متعلقه على ثلاثة أقسام:

صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقَع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخَّطها[4].

فما أعظم الصبر مِن ينبوع متدفِّق بالإيمان!

وما أشقَّه على كل مبتلى مِن بني الإنسان!




هكذا جاءت قصَّة نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام تصوِّر ابتلاء الله للمخلصين، والصبر الجميل للمؤمنين، واحتساب الربَّانيين الصَّادقين.

وردت هذه القصَّة القرآنية كتسلية لخير البريَّة، وتسرية لأزكى البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيتٍ لأصحابه عمَّا أصابهم مِن العنَت والعناء والأذية، فالمستقبَل المشرِق للمؤمنين، والعاقبة الحسنى للمتقين، والتمكين لأهل الإيمان الربانيِّين، فسيروا على برَكة الله، ثم أبشِروا وأمِّلوا ما يسرُّكم يا عباد الله.

 

فكأنَّ الله يقول لنبيه: اصبِر على سفاهة قومك؛ فإنَّه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالًا من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمَّل في أحوال هؤلاء لتعرف أنَّ الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بدَّ له من الصبر على المكاره[5].

قال تعالى: ? وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ? [ص: 41].

 

فيا له مِن نِداء حميم، مِن أيوب العليل السَّقيم، يستغيث فيه بربِّه السميع العليم، ويناجي إلهه الجواد الكريم، لقد اكتفى أيوب في تضرُّعه بشرح حاله، ونسب الشر إلى الشيطان وفعاله.

وايمُ الله، لقد أُصيب أيوب في بدنه وأهله وماله، وبقي البلاء معه سنين عددا، فما شكا ولا أخبر بذلك أحدا، إلَّا أنه لجأ لمولاه، ولاذ بحِماه، فقرَّبه ربه وأدناه، واستجاب دعاه!

فيا له مِن ربٍّ رحيم جــــواد كريم!

يبتلي عبادَه بالخير والشر لينالوا منه التكريم!




قال تعالى: ? ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ? [ص: 42].

فقلنا له: اضرب برجلك الأرضَ، فضربها فنبعت له عين صافية.

قال تعالى: ? وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ? [ص: 43].

وقلنا له: هذا ماء تَغتسل به، وشراب تشرب منه، فنبعت له عينان، شرب مِن إحداهما واغتسل مِن الأخرى فشفي، وأحيا الله مَن مات مِن أولاده، ورزقهم مثله[6].

 

فالحمد لله على نِعمة الصحَّة والعافية.

والشكر لله على اليد الحانية الشافية.

فلك الحمد يا رب حتى تَرضى، ولك الحمد إذا رضيتَ، ولك الحمد بعد الرِّضا.

قال تعالى: ? وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ? [ص: 44].

 

وقلنا له: خذ بيدك حزمةً مِن القضبان الرَّفيعة، فاضرب بها زوجك لتبرَّ بيمينك ولا تَحنث، وسبب ذلك أنَّها كانت تخدمه، فلمَّا اشتدَّ به البلاء، وطالت عليه المدة، وسوس إليها الشيطان فقال: إلى متى تصبرين؟ فجاءت أيوبَ وفي نفسها الضجر، فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ فغضب أيوب من هذا الكلام، وحلف إن شُفي ليضربنّها مائة سَوط، فأمره الله أن يضربها بمائة عود ضربة واحدة، ويبرّ بيمينه، وهذا رحمة مِن الله به وبزوجه التي قامت على رعايته، وصبرت على بلائه[7].

 

يا أخي في الله:

الجأ إلى سيِّدك ومولاك، واحفل بطاعته يحفظك ويرعاك، وانصب في عبادته يتولَّاك، لُذ بحماه المنيع الحصين، واطلب ما عنده فهو الرزاق ذو القوة المتين، واصبر على الطاعات والمخالفات والأقدار المؤلمات، تُكتب لك النجاة، وترفع لك الدرجات، وتنعم بطيب الحياة.




وختامًا: إنه تَحمُّل نَبوي وإصرار، وتَصبُّر أيوبيٌّ واصطبار، أكرم الله في نهايته الممتحَن في الاختبار، وعوَّضه بعطاء غزير مدرار.

وصل اللهمَّ على خير الورى، وأفضل مَن وطئ الثَّرى.




[1] مفردات الراغب 5273، والتوقيف على مهمات التعريف 212.

[2] صالح بن حميد، عبدالرحمن بن الملوح: موسوعة نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم، المجلد السادس، ص2442.

[3] ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين 2/ 165.

[4] ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين 1/ 165.

[5] الفخر الرازي: مفاتيح الغيب 26/ 206.

[6] أبو حيان: البحر المحيط، 7/ 401.

[7] محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير، 3/ 61.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook