معرفة الداء نصف الدواء

الكاتب: المدير -
معرفة الداء نصف الدواء
"معرفة الداء نصف الدواء
داؤنا ودواؤنا

 

الطبيب إذا أخفى على المريض داءه، أو لم يبين له الخطر الذي يكمن له فيه، استهان المريض به، ولم يعمل على علاجه فاستفحل وقضى عليه.

والأمة الإسلامية مريضة من دهور، تنخر في جسمها عدة من أمراض فاتكة، ولولا شدة أسرها ومتانة بنيانها؛ لاستأثر بها الفناء، واستبد بها العدم، وأصبحت صفحة بالية ضعيفة الشأن، قليلة الخطر من صفحات التاريخ.

والمريض إذا عرف داءه، واستيقن ما يجره عليه من خطر الهلكة وكان على شيء من الرشد والحكمة، وبعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابة الحق، التمس الدواء وبذل في سبيله أثمن ما يملك؛ بل كل ما يملك، ولم يضن على نفسه بشيء.

وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة بالجسد وأفرادها بالأعضاء إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وقد أصبح الجسد كله مريضاً. ولست أعني الأمراض الجسمية فما يكون لي أن أتكلم فيها؛ لأني لست من أطبائها؛ وإنما أعني الأمراض الروحية أي تلك التي تصيب الدين والعقيدة والخلق والضمير، وأطباؤها هم دعاة الحق الذين وقفوا أنفسهم على الجهر به ورفع مناره، وإبداء أنواره مهما لاقوا في سبيله من تعنت المتعنتين؛ وغضب الجاهلين، وتعصب الأغبياء، وسفه السفهاء؛ وكبرياء المستكبرين، وصراخ المشنعين.

لو أن الطبيب حفل بصراخ المريض وأنينه وتألمه وتلوِّيه واضطرابه وهو يشق له الدمل الممد لتركه لدائه؛ ويئس من شفائه. ولكن الطبيب يمضي فيما هو بسبيله من إنقاذ المريض، وصرف الأذى عنه، ويدعه يصيح ويئن ويتلوى فلا يباليه ولا يحفل به: لعلمه أنه يفعل الخير وأن المريض سيحمد عاقبة أمره؛ وأنه إذا ابرأه بإذن ربه قام إليه شاكراً لفضله؛ مثنياً على همته ونبله.

 

أطباؤها هم أولئك الأحرار الشجعان يجهرون بكلمة الحق واقعة حيث وقعت، بالغة من نفوس الجامدين ما بلغت، قائلة من المبطلين ما نالت. لا يخشون لومة لائم؛ ولا يرهبون صولة جبار حتى ينقذوا الأمة من دائها، وينتشلوها من بلائها أولئك هم أطباء الأمة الأمناء الحارسون لعقيدتها؛ الحافظون لدينها؛ القائمون على حياتها. والواجب يهب بهم ألا يخفوا عليها من دائها شيئاً، وأن يصارحوا بما لا يعلمون من أمر الخطر الذي يهددها. وإن لم يفعلوا فما أدوا ما فرض عليهم، ولا حفظوا أمانتهم ولا شكروا نعمة الله ولا أدوا حق الإسلام.

لو أن مرضاً واحداً يهدد الأمة الإسلامية لهان خطبه وخفت البلوى فيه. ولكنها منيت بأمراض شتى، أيسرها قاتل؛ وأهونها يذهب بالحياة.

 

أمراض النفس أشد خطراً على الأمة من أمراض الجسم لأنها توهي أركانها، وتصدع بنيانها، وتمحوها من صفحة الوجود، وماثل العروش إلا فساد النفوس وانحلال الأخلاق وضلال العقائد. وإن في أحداث التاريخ الحاضر والغابر لعبرة لأولي الألباب.

هذه الأمراض لا يكاد المصاب بها يحسها في نفسه، ولا يكاد يشكوها إلى طبيب، فهل رأيت أو سمعت مرائياً ذهب إلى طبيب من أطباء النفوس يشكو إليه داء الرياء ويسأله المعونة على الشفاء منه؟ وهل رأيت أو سمعت منافقاً شكا مرض النفاق والتمس البرء من آلامه؟ لا، ولكن الناس يرون هذه الأمراض في غيرهم واضحة أشد الوضوح، جلية أعظم الجلاء، فاتكة أذرع الفتك، لا يكاد يضمك مجلس من هذه المجالس التي يجتمع فيها الناس ويفيضون في الحق وفي الباطل، إلا سمعت ممن يضمهم المجلس جميعاً، الشكوى المرة مما انحدرت إليه حال المسلمين ومما أصابهم في دينهم وأخلاقهم. والخطب – على ذلك – لا يزداد إلا تفاقما؛ والداء لا يزداد إلا استشراء وفساداً، فما السر؟

السر: أن المرء لا يرى عيب نفسه، ولا يشعر بما يسري في خلقه من الوهن؛ ولا ما أصاب روحه من الضعف. أو يلتمس لنفسه المعاذير ليبرئها من الوصمات والعيوب.

???




إن الله جلت قدرته وبلغت حكمته، يبعث إلينا النذر من حين إلى حين، لينبهنا من غفلتنا، ويوقظنا من سباتنا. ويسوق إلينا الأحداث والخطوب آونة بعد أخرى لعلنا نذكر أو نخشى. ولكن النذر لا تغني عنا شيئاً؛ والخطوب تمر وكأنها تنزل بسوانا، والأحداث تنتابنا وكأنها تنتاب قوماً في أقصى الأرض لا يمتون إلينا بصلة. ذلك بأن الغفلة قد استحكمت، والداء قد أزمن، والضمائر قد أصابها خدر شديد، فلم تعد تشعر بوخز ولا ندم.

???




ومن المؤلم حقاً أن الذين يقرؤون ما أكتب هم الأصحاء الذين سلمت ضمائرهم، وصحت قلوبهم وعوفيت أرواحهم، فلم يعودوا في حاجة إلى طب ولا طبيب. أما المرضى الذي هم أحوج الناس إلى العلاج فقد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، وصدهم عن سبيل النجاة فأصبحوا يزدلفون إلى الشيطان بالطعن في كل ما كتب لهم المصلحون، فالزراية على كل ما يقولون، فإن ألقيت إليهم صحيفة تمحضهم النصح، ألقوها من أيديهم كأنها جمرة تحرق أناملهم أو أفعى حارية تنهش أصابعهم ثم مضوا في ضلالهم يعمهون.

فمن لي بمن يوصل صوتي إلى أولئك الذين انغمسوا في الفتنة، وغفلوا عن أنفسهم وتركوها للداء يبطش بها؛ وللعلة تعصف بحياتها؟.

???




المسلمون مرضى، ولست أعني مسلمي قُطر خاص أو إقليم معين. إنما أعني العالم الإسلامي كله. أعني المسلمين المنتشرين على سطح الأرض فيما بين الصين ومراكش.

ومن المدهش أن هذه البلاد يسكن فيها إلى جانب المسلمين غير المسلمين إذا وازنت المسلمين بمن يواطنهم من غيرهم تبين لك البون البعيد والفرق الشاسع. تبين لك الفقر والعسر والذلة وسوء الحال في المسلمين، وتبين لك الغني واليسر والعزة واستقامة الحال في غيرهم، كأن الإسلام سبب ما يكابد المسلمون وأصل ما يقاسمون. حتى ظنت الأمم أن الإسلام والرقي لا يجتمعان، وإن الإسلام سبب نكبة الأمم التي تدين به، وأصل شقائها وينبوع بلائها. وحتى قال حكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني: لو شئنا أن ندعو أمم الغرب إلى الإسلام لوجب علينا قبل كل شيء أن نقنعهم بأنا لسنا بمسلمين.

أي وربي إنه حق. فلو قلنا لهم إنا مسلمون ثم دعوناهم إلى الإسلام مع ما نحن عليه من الجمود والتأخر وسوء الحال، لأجفلوا من الإسلام ونفروا منه. وقولوا لنا: أتريدون أن تدعونا إلى اعتناق دين يجعلنا مثلكم ضعفاء أذلاء جامدين متأخرين؟

فواشقاء الإسلام بأهله! ويا ضيعة الحق في ديار المبطلين!

???

 

قد يلوح لك من جانب كلامي هذا شيء من الشدة أو القسوة، فاعذرني أيها القارئ الكريم؛ ولا يكن في صدرك حرج منه، فإني أوجهه إلى نفسي قبل أن أوجهه إليك.. واذكر أني قلت لك آنفاً: أن المرضى الذين أسوق إليهم الحديث هم غيرك؛ وودت بجدع الأنف ولو وجدت السبيل إلى أن أوصل لهم القول لعلهم ينفقون أو يحدث لهم ذكراً.

وبعد فقد صح العزم على أن أتناول البحث في علل المسلمين علة علة، وأبين لك أعراضها، وأبحث عن أسبابها وأردها إلى أصولها، ثم أصف لك علاجها الناجع ودواءها النافع؛ فإن استطعت أن أكون سبباً في برء شخص واحد فإني بذلك لسعيد.

وسنلتقي على صفحات الهدي في العدد المقبل إن شاء الله ووفق.

 

مجلة الهدي النبوي: المجلد السادس، العدد (15-16)، شعبان 1361هـ


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook