مع الكتاب ومحاضن التربية الأخرى (1)

الكاتب: المدير -
مع الكتاب ومحاضن التربية الأخرى (1)
"أفكار وتجارب
مع الكتاب ومحاضن التربية الأخرى (1)

 

مقدمة:

هذه صفحةٌ مفتوحةٌ، أسجِّل فيها أفكارًا نافعة للسائرين إلى الله في محاور عدة، منها: تربية الناشئة، وحفظ القرآن وتحفيظه، وطريق تحصيل العلم، والقراءة والكتب، والإمامة، والخطابة، والتعليم، والدعوة، والعمل الخيري، والحركة الإسلاميَّة، والصلح بين الناس، والإصلاح والتعمير، وغيرها.

 

وقد مزجتُ هذه الأفكار بتجاربي، سجَّلتُها لتكون دليلًا عمليًّا على واقعيَّة الأفكار المطروحة، وقد حرصتُ على تقديمها كما وقعت، بصوابها وخطئها، ليتعلَّم من الصواب ويجتنب الخطأ، كما قيل:

عَرَفْتُ الشرَّ لا للشَّررِ
لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ
وَمَنْ لا يَعْرِف الخَيرَ
مِنَ الشَّرِّ يَقَعْ فِيهِ

سائلًا الله تعالى الرُّشْدَ والصواب

إنه على كلِّ شيء قدير

? ? ? ?

 

أفكار وتجارب

(1) مع الكُتَّاب ومحاضن التربية الأخرى

أضافتْ قريتي نشيل القارئَ العالميَّ الشهير مصطفى إسماعيل رحمه الله في عزاء واحدٍ من كبرائها لقراءة بعض آيات مِن القرآن الكريم، وقد افتتح القارئ المبدع قراءته ببداية سورة الإسراء، وكان صوته العذب يجلجل في سماء الوجود، يشعُّ نورًا وهدًى، ويأخذ بألباب الحضور، ويستميل أجسادهم طربًا، ولما وصل إلى ختام الآية الأولى مِن السورة عند قوله تعالى: ? لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ... ? [الإسراء: 1] قال: السميع العليم، والصحيح: ? السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ? [الإسراء: 1]، وكانتْ هذه السهوةُ كافيةً لأنْ تبعث السخط والتبرُّم في جوِّ الإعجاب والطرب فتعكِّره؛ إذ كان هنالك مَن يتربَّص بالقارئ العملاق ليقع له على ما يفسد به قراءته، ولو تلمس له العيب مِن أية طريق! وها قد واتته الفرصة ليفعل ما يشاء، غير أن صبيًّا يافعًا مِن أهل القرآن، وكان يعلم بقصة التربُّص تلك، ويقدِّر القارئ العلامة، ويرى فيه أُسوة؛ فاستدرك الموقف بطريقة غاية في اللطافة والطرافة والذكاء؛ إذ صاح بأعلى صوته على الفور مشجعًا: الله الله يا مولانا، والله مرة ثانية الآية دي من الأول، مرة ثانية مِن البداية يا سيدنا، واستجاب مصطفى إسماعيل لرغبة السامع المتحمِّس فأعاد الآية مِن البداية، فصحَّحَ السهو الذي وقع فيه أول مرة.

 

كانتْ هذه المسألةُ مِن أولى علامات النجابة في شيخنا الشيخ عبدالله المصري، شيخ القرآن الكريم في القطر المصري لما يزيد عن ستين سنة، بل هي أعظم صفاته.

كان شيخنا فضيلة القارئ عبدالله أحمد المصري مِن أكثر من عرفتُ حبًّا للناس، وأكثرهم تمنيًا الخير لغيره، لا يعرف الحسد إلى قلبه سبيلًا، عهدته شاكرًا للناس، مثنيًا على صاحب المعروف فيهم، داعيًا بالتوفيق والهدى لمن بلغه عنه غير ذلك.

 

وماذا ننتظر من رجلٍ عاش مع القرآن قريبًا من خمس وسبعين سنة، فقد نشأ فضيلة الشيخ وتربَّى منذ نعومة أظفاره على مائدة القرآن الكريم في مكتب الأستاذ المعلم المربِّي الشيخ متولي الخولي رحمه الله، ذلك الرجل الذي تعرف فضله إذا عرفت أن فضيلة الشيخ محمد عبدالسميع صقر - العالم القدير والمصلح الاجتماعي الكبير - والشيخ عبدالله المصري - شيخ شيوخ القرآن في ريف مصر - هما اثنان من حسناته، وحسناته بعد ذلك كثيرة!

 

حفظ سيدنا - كما أحبُّ أنْ أَدْعوه ويحلو ذلك لألوف الطلاب معي - القرآنَ في سنِّ صغيرة جدًّا، فقد كان في العاشرة أو فوقها بقليل، لم يكمل بعدُ الحادية عشرة من عمره!

عاش المصري مع القرآن، وبالقرآن، وللقرآن، وقد احتفل به أعيان عصره فكانوا يدعونه، يسمعون تلاوته، وكان قد أوتي مزمارًا من مزامير العذوبة، فيقضون طرفي النهار وآناء الليل يستمعون إليه، لا يملون قراءته، ولا يسأمون تلاوته، وقد قرأ في كلِّ مكان ذهب إليه؛ فاجتمعتْ عليه قلوب المحبين من الأنحاء كافة، وقسم الله له من قلوب عارفيه قسمًا كبيرًا، فكانوا يحبونه، أو قل: يتيهون في حبه!

 

ربَّى المصري أجيالًا وأجيالًا على القرآن، ففي مكتبه المتواضع الذي كان قبالة بيت البيه البدوي الذي صار بعد ذلك المدرسة الابتدائية، استقبل أُلوف الطلاب، أو قل: الأطفال، فقد كان الواحد منَّا منذ نعومة أظافره يدفعه أبوه إلى الشيخ الجليل؛ ليفتق ذهنه أول ما يعي على سماع القرآن وترديده، قبل أن يعي مِن الدنيا شيئًا سوى اسمه واسم أبيه، وهنالك يتعلم القراءة والكتابة، ثم القرآن، ثم التجويد، وقبل ذلك وبعده أخلاق القرآن وآدابه، وفنون الحياة، والقيم الراقية التي لم يبخل بها يومًا على متعلميه ومجالسيه.

 

أذكر أنَّ كثيرًا من الطلاب كان يُنهي عمله تصحيحًا وتسميعًا ومراجعة، ويستطيع بعدها أن يذهب إلى بيته أو ملعبه، إلا أنَّه كان يختار البقاء؛ لأن سيدنا كان إذا فرغ قليلًا بين النوبة والتي تليها - وكانت ثلاثة: فترة الصباح، وفترة الظهيرة، وفترة العصر - يمتعنا بأفضل القصص وأجمل الحكايات مما يحمل عبق التاريخ المشرف، ويبعث على الخلق السامي، ويشعر النفس باعتزازها دينًا وعروبةً ومصريَّةً وآدميَّةً.

 

ما مِنْ أحدٍ في ريفنا العريض كلِّه إلا يحفظ للشيخ موقفًا من المواقف الجميلة، ويُسجِّل عقله رائعة من روائع حكاياته، وما من خاطر من هذه الخواطر يمر به ذكرى شيخنا إلا يتذكَّر تلك البسمة الرقيقة التي ما غابتْ واستبدلتْ بتقطيب وعبوس إلا مِن باب الحزم الذي مبعثه الرحمة على حد قول القائل:

فَقَسَا ليزدَجِروا ومَنْ يكُ حازمًا ??? فليقْسُ أحيانًا على مَنْ يَرْحَمُ

 

تخرَّج على يد الشيخ أساتذة ودعاة، وصار من أبنائه أطباء ومستشارون وقضاة، منهم مَن سلك التعليم العام، ومنهم مَن أكمل المسيرة في رحاب الأزهر، لكنَّ الجميعَ كان على صلة بالشيخ، من كانوا في نفس بلدته أو خارجها، لا يمرُّونَ به إلا ويزورونه، ولا يأتون البلدة إلا يبدؤون بالسلام عليه قبل آبائهم وأمهاتهم.

 

مرض الشيخ عبدالله المصري بأنواع من المرض كثيرة، وابتُلي في جسده بأنواع من الابتلاءات عديدة، غير أن واحدة منها لم تمنعه يومًا مِن إقراء القرآن وتعليمه، لقد كان يكرهُ دواء الطبيب الذي يوصيه بالراحة والرقاد؛ لأنه باعتقاده يأمره بترك رسالته التي بَذَل لها حياته.

آلمت سيدنا الشيخ عبدالله المصري رقبته وعموده الفقري يومًا فذهب إلى طبيب عظام، فلما سأله الطبيب عن عمله وأخبره بأنه يعمل محفظًا للقرآن الكريم، قطَّب الطبيب عن جبين عبوس، وقال: يجب أن تترك ذلك العمل، فلن تستطيعَ مباشرته بعد اليوم، لهذه الآلام التي في ظهرك ورقبتك، والحمد لله قد كفاك الله مؤنة العيش بأولادك الكبار ومعاش الحكومة، فدَعْ ذلك العمل!

 

سمع شيخنا كلمات الطبيب فكأنَّ حيَّة رقطاء أفرغتْ سمَّها في جسده، فكان ينتفض مع كلِّ جملة في الكلام، ولولا أدبه الجمُّ وحلمه الواسع ما سكت حتى يتم الطبيب كلامه، فلما فرغ الطبيب نظر إليه وقال: هذا ظنُّك أنت يا دكتور، أما أنا فظني أن شفائي كلَّه في خدمة كتاب الله تعالى، ولولا عملي ذاك في رحاب كتابه سبحانه، لكنتُ طريح الفراش فريسة الأمراض منذ عشرات السنين!

خرج سيدنا من عيادة الطبيب لا ينتظر كتابته العلاج، ولما أتى نجله أشرف بالورقة وذهب ليصرفها من الصيدليَّة نهاه سيدنا، وقال: لن ينفع معي دواء ذلك الطبيب أبدًا.

 

وبالفعل ذهبوا إلى غيره من الأطباء، ومن فطْنة الأستاذ أشرف أن التقى الطبيبَ الثاني قبل الكشف، وأخبره قصة الطبيب الأول، وحسنًا فعل، فقد دخل الطبيب الغرفة على سيدنا وهو جالس ينتظره، وعلى لسان الطبيب أول ما لقي سيدنا وسلَّم عليه ذاك السؤال:

ماذا تعملُ يا عم الحاج؟

فقال سيدنا: محفظًا للقرآن الكريم.

• ما شاء الله، ما شاء الله، لهذا أرى في وجهك نورًا، عافاك الله.

• وهل تشكو من شيء يا سيدنا؟

فأخبره سيدنا خبر رقبته وعموده الفقري.

فتبسَّم الطبيب وقال: إنَّ مَنْ يخدم الله بتحفيظ كتابه وصيانته، سيجعل له الآلام بردًا وسلامًا.

انفرجت أسارير سيدنا، وضحك وجهُه واستنار.

 

ثم فَحَصَهُ الطبيبُ وكتب له العلاج، فما كانت إلا أيام حتى شفي وعوفي، وكان مع ذلك يباشر عملَه من أول يوم، ولعلَّ هذا العلاج هو العلاج نفسه الذي كتبه الطبيب الأول!

رحم الله سيدنا رحمة واسعة، وزاد من أمثال الطبيب الأخير، وهدى أشكال الطبيب ذاك الأول.

 

في رحاب هذا الإتقان وتلك الأخلاق تعلَّمت القراءة والكتابة، وحفظت القرآن الكريم، وما أحوجنا إلى انتشار هذه المحاضن التربويَّة من جديد، بعد ما صار كثير معاهدنا ومدارسنا كصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا.

وإذا كان العاملون في طريق النهضة الإسلاميَّة يريدون أن يعملوا شيئًا حقيقيًّا لصحوة هذه الأمة في سبيل عودتها للريادة من جديد، فليبدؤوا من هنا، من النشء الصغير، يعلِّمونهم القراءة والكتابة، ويحفظونهم كتاب الله تعالى، ويسقونهم التعاليم الربانيَّة والأخلاق النبويَّة في الصغر، فإن المتخرجين من هذه المحاضن سيكونون شباب المستقبل وأعمدة قوته، وبهم يكون صلاحُ المجتمع، ومنهم سيأتي أمهات المستقبل وآباؤه، ومن هذين يستمرُّ صلاح المجتمع.

 

فلولا تفرَّغ في كلِّ بلدة من العاملين للإسلام طائفةٌ، ليتعلَّموا تلك الطريقة ويتدرَّبوا عليها، ثم يقومون على إنشاء الكتاتيب والحضانات ومحاضن التربية الأخرى ليهذِّبوا النشء ويعلموه، ويخرِّجوا جيلًا يحمل الإسلام في سلوكه، ويقيم أخلاقه في قلبه وجوارحه، ليأذن الله تعالى بوجودها في واقعه!

 

إنَّ الطفل الصغير المتعلِّم في الكتَّاب والحضانة يقبس من آداب معلمه، ويهيمن على قلبه حب معلمه وحب مسلكه، ويأسره الحديث عنه بمناسبة وبغير مناسبة، ويتخرَّج مدينًا له بجميل قد طوَّق رقبته بعظيم فضله، كما تحدثت أنا هنا عن شيخي ومعلِّمي رحمه الله، وهذا ما ينبغي أن يحرص أبناء المنهج الصحيح أن يكون في صفهم وكفتهم، لا في كفة غيرهم من المبتدعة وأصحاب المناهج المنحرفة، ليعمَّ الخير وينحسر الشر، وتستنير الأرض ويتلاشى الظلام.

 

وللحديث بقيَّة إن شاء الله تعالى حتى لا أطيل


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook