مع الله

الكاتب: المدير -
مع الله
"مع الله

 

مع الله تشعر بالسكينة التي تتنزل عليك..

والأمن الذي يحفك...

والطمأنينة التي تغشاك..

مع الله لا خوف وإن كنت في عين العاصفة..

ولا قلق وإن كنت في خضم الهول

..ولا يأس وإن كنت في كهف البلاء..

مع الله تشعر بالأنس وإن كنت وحيداً، وبالنصرة وإن كنت فريداً..

مع الله تشعر بتسابيح الكون، ورجع الجبال، وزجل الحمام، وتغريد البلابل، وزقزقة العصافير، وحفيف الشجر، وخرير الماء، وهزيم الرعد، ونغمات القمري..كل شيء يسبح للملك وإن من شيء إلا يسبح بحمده.

 

مع الله..

حب ..وما أروعها من كلمة

وأنعم بحب مولاك..

من خلقك وغذاك ورباك..

وأمدك وأسعدك وأغناك

وهداك ونصرك وقوّاك..

 

مع الله تشرق شمسك التي آذنت بالمغيب.. وتبتهج نفسك التي علاها الشحوب..

وتقوى روحك التي أضناها اللغوب..

‏وتَخضرُّ روحٌ وتُبنَى صُروحٌ

وتُطوى جروحٌ ولَا مِن ضَرر

مع اللهِ عُمري ربيعٌ وإنّي

مع الله ألقى جميلَ الأثر

 

اجعل حياتك للملك ..عش بروحك معه ..بجسدك، بكيانك..بمشاعرك..ودع الناس في عالمهم..

كن قريبًا منه لتفرح ..وتسعد

ولبّ نداه لتستقيم وترشد..

ترقب البشرى خلف التلال، وانتظر الفرج وراء الجبال،

والمح التوفيق سيأتيك حالا بعد حال..

 

‏مَا زِلتُ أرتَقِبُ البُشرَى? لِتَغمرَنا

فلَم يَخِب لَحظةً فِي اللَّـه مَطمعُنَا ..

هُو الكَرِيمُ وَكلُّ الخَيرِ فِي يَدهِ

فَلَن نَخِيبَ وَرَبُّ العَرشِ مَفزعُنَا ..

 

لو قيل لك فلان الملك سأل عنك لابتهجت روحك وطابت نفسك ونمت قرير العين ..فكيف لو قيل لك ملك الملوك يحبك..؟

إنه يحبك ..ولذا هداك للإسلام، وصب عليك الإنعام، وبارك لك في الليالي والأيام..فعش معه ليزيدك قربا منه..وتمتع بالأنس به لتزداد وصلا به..

 

مع الله آمالك التي اضمحلت ستتحقق..

وغصونك التي ذبلت ستورق..

وحروفك التي خرست ستنطق..

وتباشير وجهك التي غابت ستشرق..

وسنوات عمرك العجاف ستغدق..

لا تطلب أحدا وربك الغني له ما في السماوات وما في الأرض، ولا تتضعضع لملك وأنت تجيد سؤال ملك الملوك..

 

اقطع أملك في الناس ما دمت تلهج بدعاء رب الناس واسمع للشاعر إذ يقول:

علّقتُ بالناس آمالي فما نَفعوا = فعدتُ منهمْ بسوءِ الظنِّ والبالِ

ما كان حظي من الآمالِ يخذُلُني = لو كنتُ علّقتُ بالرحمنِ آمالي

 

مع الله ترزق التسديد والتيسير وتفتح أمامك الأبواب التي أوصدت في وجه غيرك ..وسوف يخصك بعطاء من عنده منع منه كثيرا من البشر فهو لك وحدك..

مع الله تجد السكينة في عالم مضطرب، والرضا في عالم متسخط، والهدوء في جو منزعج.. فلا كدر ولا سخط ولا قلق..

 

يا رب أنا المعدوم الذي أوجدته فلك الحمد..

يا رب أنا المحتاج الذي أعطيته فلك الحمد..

يا رب ..أنا الجاهل الذي علمته فلك الحمد..

يا رب أنا التائه الذي أرشدته فلك الحمد..

يا رب أنا المطارد الذي آويته فلك الحمد..

يا رب كيف أحمدك وحمدي لك نعمة أعظم من السماوات والأرض.. فهما يزولان وحمدك لا يزول..

يا رب كيف أحمدك على النعم وحمدي لك نعمة من أجل النعم..

 

*يا ربّ ما عدتُ أرجو غَيْرَ وَاحِدَةٍ = رضاك عني وعفوٌ منك يسترني

إذا ذكرتُك جاوزتُ السما شرفًا = فكيف إن كُنتَ فوق العرش تذكرني

 

مع الله يتحول الحزن سروراً، والغمة انفراجاً، والألم أملاً، والدمعة بسمة، والتعب راحة...

مع الله يتحول الكوخ قصراً، والسجن فضاءً، والقيد حرية، والجوع شبعاً، والظمأ ريّا، والصحراء جنة، والمرض شفاء، والموت حياة..

مع الله يتحول الظلام نوراً، والارتجاف ثباتاً، والنار برداً، والهلاك نجاة، والقحط غيثاً، والفقر غنىً، والعناء هناءً..

مع الله ينقلب الخوف أمنا، والقلق سكينة، والوحشة أُنساً، والضر نفعاً، والمحنة منحة، والرزية عطية...

 

فقط تحتاج أن تسجد بقلبك بين يديك فلا ترفع رأسك، تناجيه بقلب محب.. ترفع الأكف إليه.. تتذلل بين يديه كتذلل الطفل بين يدي أمه، وسترى الرحمة تهطل عليك... والسعادة تحتويك.. والبشر يغمرك

 

أعجب ممن تتغشاه الهموم وينسى الحي القيوم.. وممن يعجزه التدبير وينسى القدير، ومن يفارقه المنام وينسى السلام.

إن مرّ ليلك بالهموم ثقيلا = وبكى فؤادك من أساه طويلا

فالجأ لربك واسألنّ معونة = تجد السرور مهللا تهليلا

 

الله يغفر الذنب ..يستر العيب، يمحو السيئات، يرفع الدرجات.. يضاعف الحسنات، ينزل الرحمات، يمتن بالأعطيات، ويجود بالمكرمات...

الله يهب الكثير، يجبر الكسير، يؤمن الخائف، يسكن المُرتاع، يفرح الحزين..

الله يقوي الضعيف، ينصر المُحق، يغني الفقير، يعطي السائل، يرشد التائه، يهدي الضال، يشبع الجائع، يسقي العطشان، يبصر الحيران..

الله يكبت العدو، يأخذ الظالم، يهين المعتدي، يكسر القوي، يقصم الجبار، يهزم الباطل، يديل الدول، يسلط العلل..

الله اسم تتزلزل له عروش الطغاة، وتخر له جبابرة العصاة، ويدعى في النوازل والمهالك، وينادى في الظلمات والحوالك، يسترشد به في كل المسالك...يستنصر به قادة المعارك، ويهابه ملوك الممالك...

الله ملك الملوك عظيم في بطشه، قوي في قهره، جبار في ملكوته، عزيز في قبضه وبسطه، له الدنيا والآخرة، والسماوات والأرض، والجن والإنس، والبر والبحر، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون..

 

كيف تخاف والله معك.. كيف تقنط والله رازقك، كيف ترتجف والله بجانبك، كيف تبخل والله معطيك، كيف تحتار والله هاديك، كيف تنهار والله مقويك..

 

الله فإذا الحياة والبقاء، والجلال والكبرياء، والملك والملكوت، والعظمة والجبروت..

الله فإذا الغنى والجبر، والرفعة والقدر، والعزة والقهر، يكتب الأجر، ويدبر الأمر، وينزل النصر..

الله معك في حال فكن معه ..جعل لك الضيق سعة، والفقر غنى، أبدلك بالشقاء سعادة، وبالضلالة هدى، أوجدك من العدم، وخلق فيك اللحم والدم، وعافاك من السقم، والعمى والخرس والصمم، وأسبغ عليك النعم، و أعطاك الكثير، وسامحك على التقصير، وسهل لك العسير، فهو اللطيف الخبير، ما أعظم شانه، وأجل سلطانه، وأروع بيانه، وأهنى رضوانه..

 

يحصل الأمر الجلل، وينزل الخطب الأجل ..فترفع الأكف للسماء، باللجوء والدعاء..فإذا التوفيق والعناية..واللطف والرعاية لأن المدعو هو الله..

بين السماء والأرض ينادي ركاب الطائرة يالله ..فليس لهم سواه..

تحشرج صدورهم، وتختلط أمورهم، ويغشاهم الخطب، ويحيط بهم الكرب...فينقدهم لأنه الله..

 

تتعسر الأم وترى الموت رأي العين وتنادي يا الله فيأتي الفرج ..وتختلط الدمعات بالبسمات ..والأنات بالنغمات ...لأن المنادَى هو الله..

يجف الضرع، ويهلك الزرع، وتموت الأشجار وتذبل الأزهار، فيستغاث بالله ..فإذا الغيث المدرار ..فتهطل الأمطار، وتنبت الأزهار، وتشرق الأنظار، لأن المستغاث به هو الله..

 

مع الله لا قلق على مستقبلك، لا خوف على أولادك، لا حزن على ماضيك، لا شبح يخيفك، لا هول يرعبك..

فأنت مع الله..

 

هل تجيد صلاة الفجر في جماعة لتكون في ذمته؟

هل تتقن فن المسألة على بابِهِ بضراعة؟

هل تعرف الإلحاح عليه بأدب؟

 

إذا سَهُل لك الوصول إلى الأذكار.. في إقبال الليل والنهار، وعتمات الأسحار، وقبل الصلوات وفي الأدبار مع قلب مرهف بالمحبة، متعلق بجلال ربه، فأنت مع الملك القهار الذي من استعان به لن يغلب ..ومن استجار به لن يخذل، ومن توكل عليه لن يضيع..

 

مع الله يغدو المستحيل واقعا.. والمطلوب حاصلا ..والمؤمل قريبا..والغائب حاضرا..

{وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ}

لم يقُلهَا يعقوب وهو يرى ملامح الفرج

!! بل قالها وقد ابيضّت

عيناه من الحزن، ونحل جسمه من السقم، وبرى قلبه الألم..

لنعلمَ أنّ الثقة بالله والركون إليه والاعتماد عليه لا بد أن يتغلغل في الأعماق..

مع الله في الفرج والشدة ..في قلة العدد وكثرة العدة..

في الغدو والآصال.. في الفرح والحزن..

مع الله في القلب لما انفطر = مع الله في الكسر لما انجبر

مع الله حين المصاب الأليم = مع الله في الحق لما انتصر

مع الله عند اغتراب الفؤاد = وعند اللقاء ووقت السفر

مع الله في الجدب إن سامنا = مع الله في الغيث لما انهمر

مع الله في الدمع لما هما = مع الله عند احتدام الخطر

 

هل تريد أن تعرف أقسى أنواع البعد؟

أقسى أنواع البعد أن تكون بعيدا عن الله وهو أقرب إليك من حبل الوريد..

 

كن مع الله يكن دوماً معك = واترك الكل وحاذر طمعك

فإذا أعطاك.. من يمنعهُ؟ = ومن الذي يعطي إذا ما منعك

 

ما أجملها وأروعها وأقدسها من بشارة لموسى وهارون من الله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?.

ما ألذه وألطفه من نداء لا تحزن إن الله معنا

هو معك برعايته وحفظه فكن معه بحفظ أوامره وذكره..

 

ذكر الذهبي في السير أن ابراهيم بن أدهم ركب البحر فاشتدت العواصف وتلاطمت الأمواج وفزع الناس واشتد البكاء وكان نائما في زاوية السفينة فجاؤوا إليه يقولون: أنت تنام في هذه الشدة؟! فرفع يديه وقال اللهم كما أريتنا قدرتك فأرنا عفوك..

فهدأت الريح في الحال واستقرت الأمواج وذهبت العواصف...

عاش مع الله ..فاستجاب الله له..

 

إلهي عبدك العاصي أتاكَا = مقرًّا بالذنوب وقد دعاكَا

فإن تغفر وأنت لذاك أهلٌ = وإن تطرد فمن نرجو سواكَا

 

 

مع الله تطيب الحياة فيتبدل حزنها سهلا ومرها حلوا ..وعلقمها بلسما.

 

المتأمل في قوله تعالى: (فَلَنُحيينهُ حياةً طَيِّبة) يجد أن الحياة الطيبة فقط مع الله، ومع غيره حياة النكد والضنك والتعاسة والشقاء.

كلما ازداد العبد قُرباً من الله أذاقه الله من اللذة والحلاوة ما يجد طعمها في حياته ولا يستطيع لها وصفا البتة..

وقيل: إنها لتمر على القلب ساعات يرقص فيها طربًا ..أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا لهم في عيش طيب.

رقص القلب من الطرب نتيجة للذة العيش مع الله وهو والله النعيم الذي لا يعدله ولا يشبهه نعيم..

الله يريدك أن تعيش معه، يفرح بك إن أقبلت عليه، يصطفيك إن يممت وجهك إليه..

 

كـريمٌ إذا يَممتَ بالصـدق بابَه = فإنك لا تَلقى? على الباب حاجبا!

وإنْ كنتَ ذا ذنب فتُب منه واعتذر = كأنك لم تُذنِب إذا جئـتَ تائباً


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook