مميزات الدعوة الفردية بالاتصال الشخصي المباشر

الكاتب: المدير -
مميزات الدعوة الفردية بالاتصال الشخصي المباشر
"من الوسائل الدعوية القولية
الدعوة الفردية بالاتصال الشخصي المباشر

 

الوسائل: جمع وسيلة، وهي لغةً: المنزلة والدرجة والقرابة[1]، والوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير[2]، وعن حديث الأذان: اللهم آت محمداً الوسيلة.

 

وهي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء، ويتقرب به، والمراد في الحديث: القرب من الله. وقيل: هي الشفاعة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنة[3].

 

والوسيلة في اصطلاح علم الدعوة: هي ما يستعين به الداعي من أشياء وأمور، ويتوصل به إلى تطبيق أساليب الدعوة ومناهجها من أمور معنوية أو مادية[4].

 

وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم العديد من الوسائل الدعوية، مباشرة مع أهل مكة كالخطبة، وإزالة الرموز الشركية، أو بشكل غير مباشر، كاستخدام وسيلة الكتابة، أو الجهاد أو شن الحرب النفسية عليهم، ومن التأمل في أحداث الفتح تستنبط وسائل عديدة متنوعة[5]، أذكرها تبعا للتصنيف الآتي:

المطلب الأول: الوسائل القولية: وهي الوسائل التي يستعين بها الداعية على دعوته، مما يستخدم فيه القول: الخطابة، والشعر، والاتصال الشخصي، والكتابة، والأذان.

 

المطلب الثاني: الوسائل الحسية: وهي الوسائل التي يستعين بها الداعية على دعوته من الأمور الحسية أو المشاهدة: كالجهاد، والإصلاح البيئي.

 

المطلب الثالث: الوسائل المعنوية: وهي الوسائل التي يستعين بها الداعية في دعوته من أمور معنوية كالحرب النفسية، والهجر، والإكراه[6].

 

والدعوة إلى الله بهذه الوسائل هي الأصل في التبليغ، لأن القرآن هو قول الله تعالى، نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تبليغه صلى الله عليه وسلم لرسالة ربه في غالبه قولا، وقد تعددت الآيات الكريمة التي تبدأ بكلمة: ? قُلْ ? [الأعراف: 158]، كقوله تعالى: ? قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ? [7][8]، فهو جهاد في سبيل الله باللسان وبالكلمة، وعليه قامت الدعوة الإسلامية، شأن الأديان السماوية السابقة، كما قال تعالى: ? وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ? [9]، وقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد أهل مكة على مدى ثلاث عشرة سنة حتى هاجر إلى المدينة.

 

والدعوة إلى الله بالقول من أحسن ما يقدمه المسلم مع العمل الصالح، لقوله تعالى: ? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ? [10] [11].

 

ومن الوسائل الدعوية القولية:

الاتصال المباشر، أو الدعوة الفردية:

وذلك بأن يعرض الداعية دعوته على شخص واحد أو عدة أشخاص، من خلال اللقاء والاحتكاك المباشر بهم، سواء كان هذا اللقاء مقصودًا أو غير مقصود[12].

 

ومن الملاحظ في الواقع، أنه على الرغم من تطور وسائل الاتصال في العصر الحديث التي تستخدم في بث الأفكار والدعوة لمبدأ ما، فإن الاتصال المباشر عن طريق اللغة والصلة الشخصية، لا تزال هي الوسيلة الأقوى، والأساس لتبليغ أي دعوة، لأن اللغة من أهم طرق التفاعل الاجتماعي بين الأفراد[13].

 

وقد كانت الدعوة الفردية أو الصلة الشخصية، هي الوسيلة الأساس التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية بشكل خاص، مع أفراد أسرته وأصحابه، ولم يتركها حتى توفاه الله تعالى[14].

 

والمتتبع للنصوص المروية في غزوة الفتح والتي ورد فيها لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بشخص ما أو عدة أشخاص، يلحظ حسن استغلاله صلى الله عليه وسلم لهذه اللقاءات وذلك لمصلحة الدعوة، ومن أمثلة ذلك: دعوته لأبي سفيان رضي الله عنه، ودعوته لفضالة رضي الله عنه بعد عزمه على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعوته لأبي قحافة رضي الله عنه ثم توجيهه إلى سنة تغيير الشيب بالحناء،.. إلى غير ذلك من أشكال دعوته للناس الذين توسم فيهم الخير والرغبة في الإسلام.

 

وتعظم فائدة هذه الوسيلة، إذا توافر لدى الداعية الصفات الحميدة اللائقة، مثل أن يكون الداعية ذا شخصية محبوبة وذا خلق كريم فاضل، ورحابة صدر، وبشاشة وجه وسعة إطلاع، إلى غير ذلك من الصفات التي تستحوذ على المدعوين، وتعلق قلوبهم وأسماعهم بالداعية وتقوي علاقتهم به[15]، مع الاجتهاد في الإخلاص وصدق الله تعالى فيه.

 

مميزات وسيلة الدعوة الفردية أو الاتصال الشخصي المباشر:

1 - سهولتها ويسرها، فيستطيع القيام بها كل من احتسب أجر أمانة التبليغ، واتباع قوله صلى الله عليه وسلم: بلغوا عني ولو آية[16]، فلا تحتاج إلى إعداد مسبق أو تهيئة خاصة، وذلك يحرر الداعية من قيود التوتر والتحفز الذهني الذي يرافق الوسائل القولية التي يسبقها الإعداد كالخطابة والمحاضرة[17].

 

2 - كثرة حدوثها مع دوام إمكانياتها، حتى أوقات الشدائد، وفي أحلك الظروف التي تمر بها الدعوة، لأن يد الكفر والظلم المضادة للحق، تعجز عن السيطرة عليها ومنعها[18].

 

3 - لها أثر قوي على المدعو، لأنها تتميز بالتركيز على المدعو واختصاصه بالتأثير فيه، مما يعطي فرصة أكبر للنجاح وقدرة على إيصال الدعوة للمدعو، فإذا كانت هناك رغبة من الداعية في تغيير اتجاهات أو سلوك المدعو، فإن الاتصال المتبادل بين الطرفين في المناقشات الرسمية وغير الرسمية أكثر فاعلية من إلقاء المحاضرات، أو الأوامر المباشرة من سلطة عليا[19].

 

4 - أن هذا الاتصال بين الداعية والمدعو يمكن الداعية من الوقوف على مشاكل المدعو وأوضاعه، ويسهل عليه بالتالي عملية التشخيص والتوجيه والمعالجة، لأنه يلامس العلة ذاتها، ويعالج الداء نفسه[20]، وهذا من شأنه أن ينشئ الصداقة والمودة ويقوي الروابط الأخوية بين المدعو والداعية، لما في ذلك من مشاركة في المشاعر والأفكار.

 

5 - أنها تتيح للمدعو فرصة الاستفسار عن كل ما يخطر على ذهنه من تساؤلات أو شكوك[21].

 

وقد انتشرت الدعوة الإسلامية في أصقاع الأرض بفضل الله ثم بفضل هذه الوسيلة، حيث قام بها آحاد المسلمين وذلك بمخالطتهم أصحاب الديانات الباطلة وتألفهم، ودعوتهم بالبرهان والحجة، وبتخلقهم بأخلاق القرآن[22].




[1] تاج العروس فصل الواو باب اللام 8/ 154.

[2] الصحاح فصل الواو من باب اللام 5/ 1841.

[3]بتصرف، النهاية في غريب الحديث 5/ 185.

[4]بتصرف، أصول الدعوة ص 411، وانظر المدخل إلى علم الدعوة ص 49.

[5] هذا الفصل ليس حصرا لكل وسائل الدعوة وأساليبها التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم، لتعذر ذلك، بل هي ذكر نماذج مختارة منها، وتجاوزت الأساليب التي كانت ملازمة له في كل أموره، كالحكمة، فقد كان صلى الله عليه وسلم متحلياً بها في كل أحواله التي وردت في هذه الغزوة - وغيرها -، وكذلك أسلوب الموعظة الحسنة، فقد كان صلى الله عليه وسلم محسنا وواعظا في كل ما ينطق به، وقد اقتصرت على أبرز ما استخدمه من الوسائل والأساليب في الفتح.

[6] للاستفادة انظر المدخل إلى علم الدعوة من ص 282 - 284.

[7] سورة الأعراف جزء من آية 158.

[8]بتصرف، أصول الدعوة ص 470.

[9] سورة آل عمران جزء من آية 187.

[10] سورة فصلت آية 33.

[11] انظر فقه الدعوة إلى الله من ص 163 - 165.

[12] وعرفها د. السيد محمد نوح بأنها: التوجه بالدعوة أو بالخطاب إلى المدعو على انفراد، أو مع جمع قليل من الناس، لهم صفة الخصوص دون العموم، فقه الدعوة الفردية في المنهج الإسلامي ص 35، وانظر كيف ندعو الناس ص 23.

[13] بتصرف، القيادة وديناميكية الجماعات: جوم بوهلن وآخرين، ترجمة: محمد علي العريان، وإبراهيم خليل شهاب ص 78، المكتبة الأنجلو مصرية ط: بدون 1969م.

[14] انظر الإعلام الإسلامي في المرحلة الشفهية د. إبراهيم إمام من ص 51 - 52 نقله محمد خير يوسف في كتابه الدعوة الإسلامية الوسائل والأساليب، وانظر الدعوة الإسلامية الوسائل والأساليب: محمد خير رمضان يوسف ص 70، دار طويق للنشر والتوزيع الرياض، ط:2، 1414هـ.

[15] بتصرف، أسس الدعوة وآداب الدعاة ص 24.

[16]صحيح البخاري كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل 4/ 145.

[17] بتصرف، كيف ندعو الناس: عبد البديع صقر ص 23، دار الاعتصام القاهرة، ط:3، 1403هـ 1983م.

[18] المرجع السابق ص 24.

[19] بتصرف، القيادة وديناميكية الجماعات ص 79.

[20] بتصرف، فقه الدعوة الفردية ص 46.

[21] انظر فقه الدعوة الفردية ص 42، وانظر كيف ندعو الناس ص 24. ويقول د. إبراهيم إمام في هذا الصدد: وهو اتصال ناجح في الإقناع، لأنه يتسم بالحوار وتبادل الأفكار ودحض الحجج والبراهين، حتى يصل إلى ذروة الإقناع، كما أن قياس رجع الصدى يتيسر بطريقة مباشرة، كما أن الاتصال الشخصي يتسم بالألفة ورفع الكلفة، وتبادل المصلحة وتحقيق التعارف، فلم يكن غريبا أن تكون وسيلة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة في المرحلة السرية وكذلك في لمرحلة العلنية. بتصرف، الإعلام الإسلامي والمرحلة الشفهية من ص 51 - 52 نقله مؤلف كتاب الدعوة الإسلامية الوسائل والأساليب ص 10.

[22] للاستفادة انظر الدعوة إلى الإسلام: الشيخ محمد أبو زهرة من ص 89 - 96.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook