من آيات الرحمة في القرآن

الكاتب: المدير -
من آيات الرحمة في القرآن
"من آيات الرحمة في القرآن




لقد فصَّلَت الآيات القرآنية الكثير من أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمَّقت خلق الرحمة بوصفه خلقًا محوريًا نابعًا من أسماء الله الحسنى وصفاته فهو - جل شأنه - الرحمن الرحيم.

يقول المولى تعالى: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? [آل عمران: 159] [1].

مناسبة نزول الآية: مخالفة بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأوامر الرسول في غزوة أحد، ونرى أثر القيادة الحكيمة من قِبَل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث وسعهم بأخلاقه، وقلبه الرحيم [2]. وتركّز الآية الكريمة على أن الرحمة خلق أودعه الله تعالى في قلب رسوله، ولفظ رحمة يخصصها إلا أن أبا حامد الغزالي يرى أن الآية دالة على حسن الخلق [3] وهي رؤية عامة فحسن الخلق - في الآية - يتفق مع مناسبة النزول، فإن حسن معاملة الرسول لمن خالفوا أوامره لا يقتصر على خلق الرحمة، بل ينصرف إلى أخلاق أخرى، يستلزمها التعامل في مثل هذه المواقف مع العاصين وهم من الصحابة عليهم الرضوان، وهذا ما كشفت عنه الآية الكريمة، ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? فلفظة: فظ - لغةً - بمعنى: قاطع القرابة[4] وبمعنى الغلظة والعنف والجفاء[5]، وغليظ القلب هو من لا يتأثر بمن حوله ولا يقيم لهم وزنًا، فقد ربطت الآية الكريمة خلق الرحمة بأخلاق أخرى، تمثل دعائم لمفهوم الرحمة، ومظاهرها وتشمل: لين الجانب، والتواضع للناس ومغفرة زلاتهم.

وهذا ما أكده الزمخشري بقوله: .. ومعنى الرحمة: ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم حتى أثابهم غماً بغم وآساهم بالمباثة بعد ما خالفوه وعصوا أمره وانهزموا وتركوه (ولو كنت فظاً) جافياً، (غليظ القلب) قاسيه (لانفضوا من حولك) لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم، (فاعف عنهم) فيما يختص بك، (واستغفر لهم) فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم (وشاورهم في الأمر) يعني في أمر الحرب ونحوه [6].

وبذلك يتسع مفهوم الرحمة قولاً: بالكلام الطيب والاستغفار للمخطئ، وعملاً بالتواضع لهم، وروحًا بالتجاوز عن الزلات، وسلوكًا بالتحدث مع هؤلاء العاصين ومن هم على شاكلتهم، ومشاورتهم في مختلف الأمور.

 

وفي قوله تعالى: ? لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ? [التوبة: 128] [7].

يتوجه خطاب الآية الكريمة إلى قوم محمد النبي، يذكّرهم المولى تعالى أن محمدًا - عليه الصلاة والسلام - من جنسهم، أي عربي قرشي، مبلغًا رسالة الله تعالى، ويشق عليه عنتهم (العنت: المشقة ولقاء المكروه) ويعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشقيها، وهو - عليه الصلاة والسلام - حريص على هداية أمته، يبغى النفع الدنيوي والأخروي لها [8]، ولفظة حريص - لغويًا - تدل على شدة مراد الشيء والمبالغة في الاستمساك به، وصيانته ابتغاء النفع والخير له [9]، وهي تشي بدلالة نفسية؛ والمعنى غاية في الدقة، فالرسول يتفطر قلبه على الكافرين من الناس، فما بالنا بالمؤمنين الذين اتبعوه، وما بالنا بقومه ذوي النسب والقرابة إليه.

وقد ختمت الآية الكريمة بوصف خاص للرسول بأنه: رؤوف رحيم، فالرأْفة: الرحمة، وقيل: أَشد الرحمة[10]، فالكلمتان مترادفتان، كلتاهما تفيد التوكيد على هذه الصفة التي تميز المصطفى وإيضاح معناها. وحين نتأمل في ظواهر خلُق الرأفة والرحمة، يتبين لنا أن معظم الفضائل التي تتعدى آثارها النافعة للآخرين، ترجع إلى هذا الخلق، فهي إما فروع له، أو موجهة منه [11].

 

إن الآية الكريمة رسخّت مفهومًا جديدًا للرحمة؛ قوامه أن الرسول رحيم بقومه في مكة وهم ما زالوا على الكفر فما بالنا وهم على الإيمان، فخطاب الآية موجه إلى القوم من قريش، ودلت عليه لفظة أنفسكم ، ويحزنه ما وجده منهم من العنت، ورغم ذلك هو حريص عليهم، وبالتالي فإن رحمته - عليه الصلاة والسلام - لا تقف عند الجانب الشخصي من قول وسلوك فقط، بل يسبقها الجانب الدعوي المتمثل في لهفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإنجاء قومه من عذاب النار، والفوز بالجنات. إنه مفهوم متسع، يشمل الجماعة من قومه في مكة. وقد أكد ذلك ابن حزم بقوله: فهو عليه السلام ذو رأفة ورحمة بالمؤمنين كما وصفه ربه تعالى، ولم يفرق بين المؤمنين من أهل الحضر والمؤمنين من الجالبين، وكلهم مؤمنون فكلهم في رأفته ورحمته سواء، ولكنها الشرائع يوحيها إليه باعثه عز وجل فيؤديها كما أمر، لا يبدلها من تلقاء نفسه، ولا ينطق عن الهوى [12].

وفي حالة تكذيب القوم للرسول، فإن رحمة الله أكثر سعة، تحتوي سائر النفوس والخلائق، وإذا كان الرسول محمد هو الرحمة المهداة، فإن الله تعالى هو الرحمن الرحيم، يقول تعالى: ? فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ?[13]، الآية تبشّر بالرحمة في أوسع صورها، والوعيد في أشده.

 

وقوله تعالى: ? وما أرسلناك إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ? [14].

فهذه الآية وصف رباني لرسالة محمد - عليه الصلاة والسلام -، فهو رحمة لكل البشر، وهي تتأتى من اتباع الناس للرسول في دعوته، فمن تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه سيصاب مما كان يبتلي به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف [15]. ذلك أن دين الإسلام دين الرحمة الشاملة لكل البشر، رحمة في الدنيا؛ بأن يحيا الفرد في أمان نفسي، فهو صاحب رسالة ربانية على الأرض، ألا وهي عمارة الأرض، وإعلاء كلمة الله، وهذا يتطلب منه السعي والكد وطلب العلم، دون التخلي عن ثوابت العقيدة الربانية الصحيحة، والاستمساك بالأخلاق والقيم العظيمة مثل قيم العدل والرحمة والتسامح... إلخ، مع إشباع رغباته الحسية بالطرق الشرعية؛ ورحمة في الآخرة: حيث يفوز المرء إذا عاش دنياه ملتزمًا بما وعد به الرسول محمد - عليه الصلاة والسلام -، بالجنات العلا والنعيم الأبدي.

 

ويتفرع عن خلق الرحمة، خلق الصبر، بل يكاد الخلقان يكونان وجهين لعملة واحدة، والصبر لغويًا معناه: صبرت على ما أكره، وصبرت عما أحب، وصبرت نفسي على كذا: حبستها. وإنه ليصبرني عن حاجتي أي يحبسني [16] وهو نقيض الجزع [17]، فالصبر أن يتحمل المرء المشاق النفسية والجسدية، وتبدو المشاق النفسية في التحكم في النفس عند الغضب، وعند الشعور بالظلم، وعند الرغبة في الانتقام، وتحمل عنت الآخرين، وتجاوزهم، ومن ثم العفو عنهم عند المقدرة عليهم، وقد قال جل شأنه: ? وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ? [المدثر: 7] [18] أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، وقيل: اصبر عطيتك لله عز وجل [19] وهو الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت. والصبر هو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة، معركة الدعوة إلى الله. المعركة المزدوجة مع شهوات النفس وأهواء القلوب ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء. وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله ويتجه إليه احتسابًا عنده وحده [20].

 

وقد جاءت الآيات القرآنية تعضد هذا الأمر في نفس المصطفى - عليه الصلاة والسلام -، قال المولى تعالى: ? وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ? [المزمل: 10][21] فالصبر هنا على ما يقوله مَن كذّبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلاً لا عتاب معه [22] أي: اصبر يا محمد على ما يقول المشركون من قومك لك، وعلى أذاهم، واهجرهم في الله هجرا جميلا. والهجر الجميل: هو الهجر في ذات الله، كما قال عز وجل:( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره )... الآية، وقيل: إن ذلك نسخ [23].

ويُحْمَل هذا النسخ على عدم المواجهة المسلحة بالجهاد، فقد كانت الدعوة المحمدية في العهد المكي، ولكن تظل الآية تدل على عظم التوجيه الرباني بالصبر والهجر الجميل الذي فيه الحرص على الدعوة والهداية للناس.

وقال الله تعالى: ? فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ? [ق: 39][24] وأيضًا قوله جل شأنه: ? اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ? [ص: 17][25] وقوله تعالى: ? وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ? [الطور: 48، 49] [26]

فالصبر استتبعه التسبيح عند شروق الشمس وعند غروبها. في الآية الأولى: أعقب الصبر سلوكًا عمليًا نحو الكفار متمثلاً في الهجران الجميل وهو ترك الكفار فيما يقولون ويدعون دون معاتبة، وفي الآية الثانية ربط قيمة الصبر بالإيمان والتسبيح، توطيدًا لقلب الرسول وتربية له، وتثبيتًا، وما من تثبيت أعظم من التسبيح والابتهال. إن الهجر الجميل مع التطاول والتكذيب، يحتاج إلى الصبر بعد الذكر، والصبر هو الوصية من الله لكل رسول من رسله، مرة ومرة ومرة، ولعباده المؤمنين، وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده [27].

 

والآيتان الثالثة والرابعة: تربط قيمة الصبر وخلقه بأحد أنبياء الله السابقين، داوود عليه السلام، وكيف صبر وتحمل. فالتوجيه بالصبر إيذان بالإعزاز الرباني والعناية الإلهية والأنس الحبيب الذي يمسح مشقات الطريق مسحًا، والوسيلة لهذا الإعزاز قول المولى تبارك وتعالى: ? فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ? [الطور: 48] [28] فالله يرعى عبده ونبيه، برعاية خاصة، أشار إليها التعبير القرآني بأعيننا ، وهو يضع الرسول في مكانة سامية لم يصل لها غيره، وخاصة أن الخطاب كان موجهًا خصيصًا إليه باستخدام كاف الخطاب في فإنك .

 

ويستتبع خلق الرحمة خلق الصفح، ومعناه اللغوي: العفو والتجاوز والإعراض[29] وهو من المعاني التي تمتد بصلة إلى خلق الرحمة، وقد وردت الآيات القرآنية التي تحض على هذا الخلق العظيم، منها قوله تعالى: ? وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ? [الحجر: 85، 86] [30] والمعنى المقصود: فأعرض عنهم إعراضا جميلا واعف عنهم [31]وهذه شيمة أهل الدعوة، وعلى رأسهم نبيهم الكريم محمد، يتسامح مع المسيئين والمتطاولين، ويعفو عن الظالمين، ولا يضمر في صدره نية الانتقام من المعذِّبين له، وقد رأينا موقفه في فتح مكة، حين جمع أهل مكة، وسألهم: ماذا ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ? لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ? اذهبوا فأنتم الطلقاء [32]. فكان هذا من أعظم المواقف التي عبّرت عن صفاء قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - تجاه من عذبوه وآذوه وطردوه من مكة.

 

وقوله تعالى: ? وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? [المائدة: 13] [33] وقد نزلت في اليهود، وتفسيرها: لا تزال يا محمد تظهر على خيانة منهم، بنقض العهود وتدبير المكائد، فالغدر والخيانة عادتهم وعادة أسلافهم إلا قليلاً منهم ممن أسلم، فلا تعاقبهم، واصفح عمن أساء منهم [34] وذكر ابن كثير أن الصفح إنما هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل ما أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله أن يهديهم [35].

 

كما يستتبع خلق الرحمة خلق المعاملة الحسنة، أو بالتعبير القرآني: ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? وهذا طبيعي، فإذا صبر الداعية، ورحم وعفا، فإن الوسيلة التالية هي المعاملة الحسنة بالقول والفعل، مصداقًا للآية الكريمة: ? وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ? [فصلت: 34] [36]. فتعبير: التي هي أحسن يعني: ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن، مثل أن تدفع الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو [37]. وقد اختلف المفسرون فيمن تقصده الآية الكريمة: هل النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أم غيره مثل المؤذن أو كل من دعا للخير والإحسان؟ ومن معاني الآية الكريمة: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء، وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم، ويلقاك من قبلهم. وأيضًا: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم. وقال آخرون: معنى ذلك: ادفع بالسلام على من أساء إليك إساءته [38]. ومن معانيها: إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك، وصار الذي بينك وبينه عداوة، ? كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ? [فصلت: 34] كالصديق والقريب. قال مقاتل بن حيان: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وذلك لأنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا بالإسلام، حميما بالقرابة [39].

وقد عبّرت السيدة عائشة رضي الله عنها عن مدى سماحة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده شيئًا قط؛ لا عبدًا ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نِيلَ منه شيء فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهَكَ شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل . وزادت في رواية أخرى:.. ولا خُيّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عن الإثم... [40].

 

بهذه الكلمات البسيطة أوجزت السيدة عائشة مستوى الرحمة الذي كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو في أسمى صور البشرية، لا يضرب ولا يرفع صوتًا ولا يحدث صخبًا، إلا في ميدانين: ميدان الجهاد، وهذا يتطلب اللجوء للسيف، فلا قتال دون شدة وبأس؛ وميدان انتهاك محارم الله، من معاص وكبائر، وهذا لا يصمت عنه، فواجبه - بوصفه نبيًا - ألا يسمح بأي تجاوز، وإلا فإن صمته يُعَدُ موافقة منه.

كما أشارت إلى جانب غاية في الرحمة، وهو اختياره - صلى الله عليه وسلم - للأمور، فهو يختار الأيسر الأسهل، ما دام ليس إثمًا.

المعيار واضح: كل ما هو سهل يوافق الشرع يختاره الرسول الكريم ويكون محببًا إلى نفسه. وكأنه يقرر: مادام السهل موجودًا ومتوافرًا فلماذا نختار الصعب؟! وفي هذا توجيه سام لكل من يلجأ للشدة والقسوة في الأمور وقضايا الحياة، مادام الأمر فيه سعة وتيسير، لماذا نشق على الناس؟




[1] آل عمران، الآية ( 159 ).

[2] صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، ط1، 1424هـ، 2004م، ج1، ص 202.

[3] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، الدار العلمية، بيروت، د ت، ج2، ص82.

[4] أساس البلاغة، مرجع سابق، ص 163.

[5] السابق، ص355.

[6] الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، الزمخشري، مكتبة مصطفى الحلبي وأولاده، القاهرة،1385هـ، 1966م، ص216.

[7] سورة التوبة، الآية ( 128 ).

[8] تفسير ابن كثير، مرجع سابق، ج2، ص459.

[9] لسان العرب، مرجع سابق،، مادة حرص ج7، ص11، ولفظة حريص ، صيغة مبالغة على وزن فعيل.

[10] لسان العرب، ج9، ص112، مادة رأف.

[11] الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق - بيروت، ط1، 1399 هـ، 1976م، ص400.

[12] المحلى، ابن حزم، دار الاتحاد العربي، القاهرة، 1968م، ص 1258.

[13] سورة الأنعام، الآية ( 147 ).

[14] سورة الأنبياء، الآية ( 107 ).

[15] تفسير ابن كثير، ج3، ص234.

[16] أساس البلاغة، مرجع سابق، ص 340.

[17] المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد، نشر: موقع الوراق الإلكتروني، ج2، ص221.

[18] سورة المدثر، الآية ( 7 ).

[19] تفسير ابن كثير، ج4، ص524.

[20] ) في ظلال القرآن، مرجع سابق، ج6، ص3755.

[21] سورة المزمل، الآية ( 10 ).

[22] تفسير ابن كثير، ج4، ص519. وقد ذكر الإمام البغوي أن هذه الآية نسخت بآية القتال. راجع: معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع. ج8، ص355.

[23] جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، المحقق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م،ج 23، ص689 ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) براءة نسخت ما ههنا؛ أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا يقبل منهم غيرها.

[24] سورة ق، الآية ( 40 ).

[25] سورة ص، الآية ( 17 ).

[26] سورة الطور، الآيتان ( 48)، ( 49 ).

[27] في ظلال القرآن، ج6، ص3747.

[28] في ظلال القرآن، ج6، ص3402.

[29] لسان العرب، ج2، ص512. والمعجم الوسيط، ج1، ص1069.

[30] سورة الحجر، الآيتان: ( 85، 86 )

[31] تفسير الطبري، مرجع سابق، ج17، ص127.

[32] الرحيق المختوم، بحث في سيرة سيد المرسلين، صفي الرحمن المباركفوري، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، دون طبعة، 1425هـ، 2005م، ص372. والرواية المذكورة واردة في مصادر عدة في السيرة النبوية وصحاح السنة.

[33] سورة المائدة، الآية ( 13 ).

[34] صفوة التفاسير، ج1، ص283.

[35] تفسير ابن كثير، ج2، ص 39. وقد أشار إلى أن الآية منسوخة بقول الله تعالى: ? قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ .... ? [التوبة: 29]

[36] سورة فصلت، الآية ( 34 ).

[37] صفوة التفاسير، ج3، ص 1106.

[38] تفسير الطبري، ج 21،ص 471.

[39] تفسير البغوي، ج7، ص174.

[40] شمائل الرسول ودلائل نبوته، ابن كثير، ص 59، 60.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook